"واشنطن بوست": انتهاكات تركيا لحقوق الإنسان خارج دائرة المحاكمة

صورة أرشيفية

فيليز كهرمان

الأربعاء 13-06-2018 | PM 12:31 |

على خلفية دعوة تركيا لانتخابات مبكرة في 24 حزيران/يونيو قبل الموعد المقرر للانتخابات بعام، يحذر المراقبون من أن تركيا في طريقها السريع للاستبداد، على الرغم من تمديد حالة الطوارئ للمرة السابعة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، وفي أعقاب الاستفتاء الدستوري لعام 2017 الذي منح صلاحيات استثنائية للرئيس رجب طيب أردوغان.

على الرغم من أنها ليست جزءًا من الاتحاد الأوروبي، فإن تركيا عضو في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECtHR) وتحتفظ المحكمة بقوة القانون على الدول الموقعة على ميثاقها وقد سبق أن حكمت في قضايا خلافية، ومنها ما يتعلق بحق السجناء في التصويت، وعلى معاملة المشتبه في أنهم إرهابيون في الحجز. ومع ذلك، منذ محاولة الانقلاب رفضت عدة طلبات تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان النظامية والعملية غير الديمقراطية في الاستفتاء التركي 2017. لماذا التغيير؟

البحث في عمل المحكمة يوضح كيف أن تجنب هذه الأزمة السياسية قد يؤثر على مستقبل الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان في تركيا وخارجها.

لماذا تم الاعتراض على نتائج استفتاء نيسان/أبريل 2017؟

أثار المراقبون الدوليون وجماعات المعارضة المحلية، مخاوف بشأن استفتاء نيسان/أبريل 2017. أحرز "أردوغان" تقدماً ملحوظاً خارج حدود سلطاته، أنتج نظامًا يمكنه من خلاله العمل بثلاث فترات متتالية مدتها خمس سنوات. وكانت النتيجة نظامًا رئاسيًا لا مثيل له، ومنح سلطات تنفيذية شاملة على البرلمان والقضاء. لاحظت "لجنة البندقية" التابعة لمجلس أوروبا، أن التعديلات تمثل "خطوة خطيرة قد يتراجع فيها التقليد الديمقراطي الدستوري لتركيا".

التصويت نفسه أثار العديد من الإشارات تدعو للتساؤل، منها أنه تم إجراء الاستفتاء في ظل حالة الطوارئ، وتم سجن العديد من الصحفيين وأعضاء البرلمان في الأسابيع التي سبقت التصويت، كما أن وسائل الإعلام التي يسيطر عليها "أردوغان"  بقوة أدت إلى خنق صوت المعارضة المتبقي. رفع مجلس الانتخابات  في يوم الاستفتاء شرطاً يطلب فيه أن تكون مغلفات الاقتراع مزدوجة الأختام. وأشارت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى أن هذا القرار الغريب في اللحظة الأخيرة "يقوض من نزاهة التصويت"، وانتهى تقرير منظمة الأمن والتعاون إلى أن الاستفتاء جرى في " أجواء غير منصفة". أما الهامش الصغير (51%) الذي حصل من خلاله التصويت بـ"نعم"، فقد زاد من الشكوك حول التأثير المحتمل للأصوات غير الشرعية. وبعد وقت قصير من الانتخابات، بدأ حزب المعارضة الرئيسي وهو "حزب الشعب الجمهوري" في التعبير عن استيائه.

لماذا رفضت المحكمة قضية استفتاء تركيا؟

تشير الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (ECtHR) إلى التزام الدول الأعضاء بـ"إجراء انتخابات حرة على فترات معقولة". ومع ذلك، فقد تجاوزت المحكمة مناقشة القضية، فالاستفتاء -حسب قولها- أمر مختلف عن قضية الانتخاب. يتلاءم منطق المحكمة مع قانون قضاياها السابقة، بما في ذلك حكم صدر مؤخراً بشأن استفتاء الاستقلال الاسكتلندي. وقد رفض القضاة فرصة لإعادة النظر في موقفهم من الاستفتاءات، على الرغم من تساؤل المنظمات الأخرى عن شرعية الاستفتاء التركي.

في انتخابات حزيران/يونيو المفاجئة، سيقوم الناخبون الأتراك مرة أخرى الأدلاء بأصواتهم تحت حالة الطوارئ المفروضة عليهم. المرشح القيادي للرئاسة صلاح الدين ديمرتاش، لا يزال في السجن. والأظرف غير المختومة ستظل سارية المفعول.

تغير نهج التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا

لم يكن الاستفتاء هو الدعوى التركية الوحيدة التي تداولتها المحكمة. منذ محاولة الانقلاب في تموز/يوليو2016، تم إقالة 150،000 من موظفي الخدمة العامة من وظائفهم بموجب مراسيم تنفيذية. وتحت ضغط من مجلس أوروبا، شكلت تركيا لجنة مخصصة للبدء بمراجعة التطبيقات المتصلة بحالة الطوارئ في تموز/يوليو عام 2017. ورفضت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية (ECtHR) التطبيقات المتعلقة بعمليات التطهير وخصصت لجنة خاصة، غير أن هذه اللجنة الخاصة تخضع مباشرة للمراقبة التنفيذية ومن غير المرجح أن تحكم بنزاهة. يقدر الباحثون القانونيون أن الأمر قد يستغرق ما يصل إلى 10 سنوات لمقدم الطلب لاستنزاف سبل الإنصاف المحلية. وهذا الطلب يتم تقديمه قبل نقلها إلى العدالة في المحكمة الأوروبية.

لم تكن "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" دائماً متحفظة في وجه انتهاكات حقوق الإنسان النظامية. خلال تسعينات القرن الماضي وأوائل العقد الأول من القرن الحالي، قضت المحكمة بتحميل الحكومة التركية مسؤولية الآلاف من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت ضد السكان الأكراد في جنوب شرق تركيا، بما في ذلك حالات الاختفاء القسري وإحراق القرى.

وفي قضية بارزة من نوعها في عام 1996، رفعت المحكمة استنزاف طلب سبل الإنصاف المحلية في ضوء تغاطي الدولة أو التواطؤ في الجرائم المرتكبة ضد مقدمي الطلبات. ولو طبقت نفس المنطق على قضايا محاولات ما بعد الانقلاب، كان يمكن مناقشة عشرات الآلاف من القضايا.

لماذا قد تتجنب المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان القضايا الساخنة؟

تُظهر الأبحاث الحديثة أن تقليص المحكمة الأوروبية لمناقشة الأوضاع في تركيا يمثل جزءاً من اتجاه قوي، فالمحكمة لا تميل إلى تحميل الدول المسؤولية عن الأشكال الجديدة من انتهاكات حقوق الإنسان لسببين هامين.

أولاً، تصاعد قانون الدعوى بالمحكمة صعوداً هائلاً في العقود القليلة الماضية. وللحد من عدد القضايا، خضعت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لعدة تغييرات هيكلية وشجعت الدول على معالجة الانتهاكات في النظام نفسه. ومع ذلك، فإن عدداً من الحالات في تركيا صنّفت مرارًا وتكرارًا واحدة من أعلى المعدلات، وظلت تركيا من أكبر المخالفين. في عام 2016، احتلت الحالات من تركيا المرتبة الثانية حيث بلغت 16% من قائمة المحكمة مع بعض القضايا التي بلغت 12,600 حالة.

قد تكون جهود المحكمة لإدارة جدول أعمالها على حساب حقوق الإنسان، حيث تشير تقارير الاتحاد الأوروبي ومؤسسات مجلس أوروبا والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان كانت مرتفعة وبدأت تنذر بالخطر خلال حالة الطوارئ، فالانتخابات لا تجري في بيئة ديمقراطية وأن عمليات التطهير والإصلاح الأخيرة قيدت استقلال القضاء. أي افتراض مفاده أن قضايا حقوق الإنسان قد تنتهي في تركيا عن طريق محاكم مستقلة في غضون فترة زمنية معقولة يتناقض بوضوح مع هذه التقارير.

ثانيا، تتعرض المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لضغوط سياسية صارخة إلى جانب عدم الامتثال التام والاحتجاجات العامة من الدول الاستبدادية على نحو متزايد، مثل تركيا وروسيا والمجر، تعرضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لضغوط من قبل الديمقراطيات الليبرالية كذلك. لقد كانت المملكة المتحدة على وجه الخصوص منتقدا قويا للمحكمة، مع تهديدات بتركها تماماً. بدأت المحكمة تتلقى تغطية سلبية في وسائل الإعلام البريطانية والتهديدات من السياسيين ردا على قرار عام 2005 بشأن حق السجناء في التصويت. وفي الواقع، تبدي المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الآن مزيد من الاحتفاء بالديمقراطيات الليبرالية، وخاصة بريطانيا، لاسترضاء ردود أفعالها العنيفة ضد قراراتها. ويشير ردها على القضية الأخيرة من تركيا إلى أن التهديدات من قبل الزعماء السلطويين والشعبويين قد يكون لها تأثير مماثل على المحكمة.

مع صعود الشعبوية اليمينية عبر أوروبا، فإن مثل هذه التغييرات في المحكمة يمكن أن تقوض النظام الدولي لحقوق الإنسان الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية. يمكن أن يؤدي رفض اللجوء إلى التحكيم إلى تحمل الكثير من الأعباء، وربما أكثر من أعباء صدور الحكم نفسه.

---

*فيليز كهرمان | متخصص في أبحاث ما بعد الدكتوراه في مركز مورتارا للدراسات الدولية بجامعة جورج تاون.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات