"ستراتفور" عن الانتخابات التركية: فوز "أردوغان" وحزبه يلحق الضرر بـ"أنقرة"

الإثنين 11-06-2018 | PM 10:28 بطاقة الاقتراع في الانتخابات التركية المرتقبة

ياسين أكغول

بات الناخبون الأتراك على وشك انتخاب أقوى زعيم في تاريخ بلدهم الحديث، حيث سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع في 24 حزيران/يونيو، أي قبل عام ونصف تقريباً من الموعد المقرر الطبيعي للانتخابات البرلمانية والرئاسية، ولأول مرة منذ تمرير مجموعة من التعديلات الدستورية العام الماضي لتوسيع سلطات الرئاسة. وفي الوقت نفسه، سيدلون بأصواتهم للمشرعين لاختيار برلمان جديد موسع.

بالنسبة إلى الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، الذي قام بدعم حزب "العدالة والتنمية"  (AKP) الحاكم خطوة بخطوة من خلال "هندسة التعديلات الدستورية"، فإن مخاطر التصويت القادم ستكون باهظة في حال فوز "أردوغان"، حيث سيتولى السلطة غير المقيدة فعلياً للرئاسة التنفيذية الجديدة، والتي يمكن أن يستخدمها كنفوذ لعقد كامل قادم. من ناحية أخرى، إذا أدت المشاكل الاقتصادية التركية والنطاق الواسع لمرشحي المعارضة في المنافسة إلى تحول ما يكفي من الناخبين بعيدا عن تأييد "أردوغان"، فإن الأمر قد ينتهي بفوز أحد معارضيه بالرئاسة. وفي كلتا الحالتين، فإن البلاد ستواجه نفس المشاكل والتداعيات.

انعكاسات الأزمة المالية الماضية

لقد اجتاح حزب "العدالة والتنمية" ذو الجذور الإسلامية أولاً الانتخابات البرلمانية في عام 2002، ما أدى إلى إزاحة العديد من الأحزاب المؤسسية. ويدين حزب "العدالة والتنمية" بفوزه لعاملين أساسيين، فمن ناحية، أدت سنوات من الأزمة الاقتصادية إلى تقويض شرعية الائتلاف الحاكم في البلاد في نظر العديد من الناخبين. ومن ناحية أخرى، يتطلب القانون الانتخابي التركي من الأحزاب الحصول على 10% على الأقل من الأصوات ليتم ضمها للبرلمان، والأطراف التي لا ترقى إلى هذا الحد الأدنى تخسر الأصوات التي فازت بها، وتلك التي تصل إلى أو تتجاوز نسبة الـ10% المطلوبة تقسمها بالتناسب. لقد مكّن قانون 10% حزب "العدالة والتنمية" من الحصول على أغلبية مكنته من الدخول بسهولة في البرلمان عام 2002، وفي كل انتخابات برلمانية لاحقة دون أن يكون له أي تفويض شعبي كبير.

بعد انتخابات 2002، أبدع حزب العدالة والتنمية و"أردوغان" في الاستفادة من الثغرات والأخطاء السياسية للآخرين، وخلق تحالفات سياسية بدافع الضرورة، ثم تخلص من الصفقات التي لم تعد تعود بالفائدة عليهم. في عام 2014، على سبيل المثال، كسر حزب "العدالة والتنمية" تحالفه مع جماعة "غولن" الإسلامية، وهي شراكة أثبتت أنها حاسمة لنجاحاتها في أوائل عام 2000، وألقي اللوم فيما بعد على الحركة في محاولة الانقلاب في عام 2016. ثم تحول الحزب الحاكم إلى حزب الحركة القومية (MHP) للمساعدة في الدفع من خلال حزمة الإصلاح الدستوري في عام 2017. ونتيجة لهذا التحالف الملائم لها، يحظى حزب "العدالة والتنمية" الآن بالدعم أكثر من أي وقت مضى.

 حزب العدالة والتنمية، لا يحمل جميع سكان تركيا على متن سفينته. على سبيل المثال، فإن الأكراد الذين يشكلون نحو 20% من سكان تركيا قد أدارو ظهرهم إلى حد كبير للحزب الحاكم منذ أن انقلبوا ضدهم في عام 2010، حيث اكتسبت الحركة الانفصالية الكردية  قوة أكثر في المنطقة. لقد كان حزب العدالة والتنمية يعتمد تاريخيا على الفوز بنسبة 4 إلى 5% من الأصوات الكردية لدفعه إلى حافة النصر، لكن ربما خسر الحزب بعض من هذا الدعم. بالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من الناخبين في جميع أنحاء ديموغرافية البلاد يشعرون بخيبة أمل من التدهور الاقتصادي الأخير لتركيا، حيث انخفضت قيمة الليرة التركية لتصل إلى مستويات قياسية مقابل الدولار واليورو والتضخم مرتفع، وجهود الرئيس التي وجهت للتأثير على السياسة النقدية منحت فرصة استراحة للمستثمرين الدوليين. على الرغم من أنهم صوَّتوا لحزب العدالة والتنمية لأول مرة في السلطة لإخراج البلاد من الاضطرابات الاقتصادية، من الواضح أن الناخبين الأتراك ليسوا على استعداد لمنح الحزب الحاكم فرصة أخرى لإصلاح الاقتصاد.

معارضة موحدة

ما هو مطروح على الساحة الانتخابية، هو أن المعارضة المقسمة في تركيا من المتوقع أن تتوحد قبل الانتخابات القادمة وتحاول منع حزب العدالة والتنمية من الانزلاق مرة أخرى إلى السلطة في انتصار محدود. اجتمعت ثلاثة أحزاب من المعارضة الرئيسية في تركيا، وهم (حزب  الشعب   الجمهوري "CHP" وحزب أكشنار "Iyi" وحزب السعادة الإسلامي)  وشكلوا تحالفاً على أسس أكثر من مجرد أنها حملة مشتركة للإطاحة بـ"أردوغان". وتختلف منصات الأحزاب والأيديولوجيات عن بعضها البعض، بما يتيح لها فرصة تحقيق ذلك الهدف. يقدم حزب أكشنار، الذي أسسه المنشقون عن حزب الحركة القومية بديلاً مقبولاً للناخبين الوطنيين المستاءين من ارتباط حزب الحركة القومية بحزب "أردوغان". في هذه الأثناء، سيحصل الحزب السياسي الأقدم في تركيا، حزب الشعب الجمهوري، على الدعم من قاعدته التقليدية من الناخبين العلمانيين والليبراليين في المناطق الحضرية، وهم من أشد المنتقدين للرئيس. أخيراً، حزب السعادة الإسلامي، على الرغم من صغره يمثل نفس الفكر الإسلامي الذي يتجذر منه حزب العدالة والتنمية، وهو ما يعطي الناخبين المتدينين الذين يعارضون "أردوغان" بديلاً جذاباً. إلى جانب قواعد الناخبين المتميزة، فإن الأحزاب الثلاثة ستلجأ إلى التصويت الكردي أيضاً، على أمل حرمان "أردوغان" من الأغلبية القليلة التي يحتاجها للفوز بالانتخابات في الجولة الأولى.

الرئاسة هي الجائزة الرئيسية المتعارك عليها في الصراع الانتخابي، لكنها ليست الوحيدة في كفة الميزان في انتخابات 24 حزيران/يونيو. البرلمان أيضأً له أهميته في هذا الصراع. على "أردوغان" كسب الرئاسة التنفيذية، لتكون الهيئة التشريعية هي الجانب المعتدل الوحيد على سلطته، رغم أنه ستفتقر إلى السلطة لتجاوز القرارات الرئاسية. لن يحصل أي من الأحزاب الثلاثة في ائتلاف المعارضة على الأغلبية، لكنهم قد يشكلون تحدي لحزب العدالة والتنمية في البرلمان. ومع وجود ما يكفي من الأصوات، يمكن للمعارضة حتى محاولة تجميع أغلبية الثلثين المطلوبة لإلغاء التعديلات الدستورية لعام 2017  لكنها (نتيجة غير مرجحة).

مزايا السلطة

في حال حققت المعارضة هدفها في السباق الرئاسي، فإن الأتراك سيعودون إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في جولة ثانية من التصويت في 8 تموز/يوليو. لا تعد إعادة التصويت هي السيناريو المثالي لـ"أردوغان"، لكنه لن يضمن فوزًا للمعارضة. وقد تبنى المرشحون الثلاثة الرئيسيون في المعارضة، وهم حزب "أكشنار" لميرل أكسن، وحزب السعادة لتيمال كارامول أوغلو، ومحرم إينجة لحزب الشعب الجمهوري في برامجهم وعوداً لإعادة تأهيل الاقتصاد، والتراجع عن الرئاسة المطلقة واستعادة الحقوق  المتآكلة على رأس السلطة الحالية. ومع ذلك، هناك عامل آخر يثقل كاهل "أردوغان" وهو الشعور السائد في الأوساط التركية بعدم اليقين وانعدام الأمن. لقد وضع "أردوغان" نفسه منذ فترة طويلة كعامل شعبوي فريد من نوعه لحل مشاكل تركيا المتراكمة، وسوف يستغل مخاوف الناخبين لصالحه في استطلاعات الرأي.

سوف يستخدم أيضا نفوذه وحزبه لدعم فرصته في الفوز. قضى حزب العدالة والتنمية سنواته في السلطة لترسيخ نفسها في وسائل الإعلام والقضاء والجيش في البلاد. وعلاوة على ذلك، أعطى الانقلاب "أردوغان" وحزبه ذريعة لتطهير خصومهم السياسيين وفرض حالة الطوارئ. في حال كان التصويت ضئيلاً بما يكفي لإحداث إعادة فرز الأصوات، يمكن لحزب العدالة والتنمية استخدام حكم الطوارئ لصالح "أردوغان" لخنق مؤيدي المعارضة.

 يمكن لحزب العدالة والتنمية حتى أن يحول الخسارة لصالحه من خلال نسج هزيمة في الدور الأول في روايته القومية. يمكن لـ"أردوغان"، على سبيل المثال، أن يلقي باللوم على نتيجة التصويت على قوى أجنبية مثل الاتحاد الأوروبي الذي منع الرئيس من القيام بحملات لدعم أكثر من 3 ملايين ناخب تركي يعيشون هناك. (لقد ألقى باللوم مسبقاً على التجار الأجانب كمصدر حقيقي للمشاكل الاقتصادية للبلاد). إن مثل هذه الادعاءات ستضر بعلاقة تركيا مع بقية العالم بغض النظر عن نتيجة الانتخابات. وإذا نجح حزب العدالة والتنمية في تحقيق نصر من خلال وسائل مشبوهة، فلن يؤدي إلا إلى إلحاق ضرر أكبر بسمعة البلاد مع الاتحاد الأوروبي. بمرور الوقت، فإن التوتر الأعمق مع الاتحاد الأوروبي سيدفع تركيا إلى أحضان حلفاء مثل روسيا، بينما ينفر الحلفاء مثل الولايات المتحدة.

إن التعامل مع هذه العلاقات ومع الضرورات الملحة الأخرى في تركيا سيكون في يد المنتصر بمجرد الانتهاء من التصويت. وستواجه الإدارة القادمة الحاجة إلى تأمين حدودها الجنوبية والحفاظ على علاقاتها مع الحلفاء الاقتصاديين والأمنيين النقديين مثل أوروبا والولايات المتحدة وروسيا. هذه القضايا إلى جانب الركود الاقتصادي لتركيا، ستكون تحديًا كبيرًا للرئيس المقبل سواء "أردوغان" أو أحد خصومه. على الرغم من أن التصويت القادم يمثل نقطة تحول للديمقراطية التركية، فإن الانتخابات لن تغير العلاقات المضطربة مع حلفائها أو جهودها لفرض نفوذها الإقليمي.

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات