"نيويورك تايمز": هل يعمل "ترامب" لصالح "بوتين"؟

السبت 09-06-2018 | AM 11:56 الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة أرشيفية

سوزان رايس | نيويورك تايمز

جرت العادة أن يكتب الرئيس المنتهية ولايته رسالة شخصية لخلفه، يقدم له فيها بعض النصائح والإرشادات الحكيمة وأفضل التمنيات. ترك الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما كما يتوجب عليه رسالة للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، كما فعل الرئيس الأسبق جورج بوش قبل ثماني سنوات.

تخيل لو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كتب رسالة إلى "ترامب" ووضعها بطريقة ما في الدرج الأعلى للمقعد الرئاسي، ما يسمى بـ( مقعد ريسولت/Resolute Desk) الموجود في المكتب الرئاسي، وهو ما يسمى بـ"المكتب البيضاوي". ما هي النصيحة التي قدمها "بوتين" لنظيره الأمريكي، الرجل الذي حاول "بوتين" مساعدته في الانتخابات، طبقًا لمجتمع الاستخبارات الأمريكية؟

أهداف "بوتين" جلية وواضحة، وهي استعادة روسيا إلى العالمية العظمى على حساب الولايات المتحدة وتقسيم أوروبا من خلال إضعاف الناتو والاتحاد الأوروبي. في حسابات "بوتين" التي تعادل الصفر، يعتقد أنه عندما يستفيد مؤسسي الولايات المتحدة وأوروبا، ستعود الفائدة على روسيا أيضاً. يعرف الزعيم الروسي أن قوة أمريكا العالمية لا تستند فقط على قوتها العسكرية والاقتصادية ولكن أيضاً على شبكة تحالفاتها التي لا تضاهى من أوروبا إلى آسيا. على مدى سبعة عقود، ضمنت تحالفات "واشنطن" تضخيم قوة أمريكا وتأثيرها. وبناء على ذلك، يسعى "بوتين" إلى دفع الروابط بين الولايات المتحدة وأقرب شركائها، إلى التوتر وإفشال تحالفاتها في نهاية المطاف.

إذا كان السيد "بوتين" قد أطلق مثل هذه الضربات، فإنه سيضمن أن مصداقية أمريكا موضع شك، وستنكسر التزاماتها، ويؤدي ذلك إلى تخريب قيمها وتلطيخ صورتها. كان ينصح الرئيس الجديد باتخاذ سلسلة من الخطوات لتعزيز هذه الأهداف:

أولاً، الانسحاب من الشراكة عبر المحيط الهادئ، اتفاقية التجارة التي تفاوضت الولايات المتحدة لتعزيز وضعها الاقتصادي والاستراتيجي في منطقة المحيط الهادئ، على حساب الصين وروسيا ويليه الانسحاب من اتفاقية باريس المناخية، لتصبح الدولة الوحيدة الغائبة في العالم في الاتفاق التاريخي.

 ثانياً، انتقد حلف شمال الأطلسي وشكك في استعداد أمريكا للدفاع عن حلفائها على أساس أنهم لم يدفعوا فواتيرهم (عندما لا يكون هذا هو عمل حلف الناتو). في الوقت نفسه، فإنه يفسد الاتحاد الأوروبي عن طريق الإشادة بـ"بريكسيت" (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) وإرسال ستيفن بانون لإثارة الحركات الأوروبية المناهضة للمؤسسة وتقويض أقوى دولة في أوروبا، وهي ألمانيا، مؤخرًا من خلال تثبيت يميني متشدد كسفير للولايات المتحدة في ألمانيا.

ثالثًا، من أجل الانقلاب: بدء حرب تجارية مع أقرب حلفائنا. فرض رسوم على الفولاذ والألومنيوم على كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي مع تهديد فرض رسوم المركبات لمتابعة ذلك، وفقاً لاقتصاديين محترفيين سوف يعاني اقتصاد الولايات المتحدة وحلفائها. تبرير العقوبات على أسس غير معقولة، وهي أن الحلفاء يهددون الأمن القومي للولايات المتحدة. أفعل ذلك بعد الانسحاب من الصفقة النووية الإيرانية؟ بعد أشهر من توحيد شركائنا الأوروبين جنباً إلى جنب مع بصيص من الأمل في التوصل لاتفاق بشأن زيادة جوانب الاتفاقية. ثم هدد بفرض عقوبات على الشركات الأوروبية للالتزام بالصفقة التي عملت على النحو المنشود.

وما يثير الدهشة أن أمريكا سوف تعامل أوروبا بمثل هذا الازدراء، فقد رفض رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك، تصرفات الولايات المتحدة، قائلاً: "مع أصدقاء مثل أمريكا لن نحتاج إلى أعداء". وكان رئيس الوزراء الكندي الهادئ عادةً جاستن ترودو، تقدم أخيرا في محاولة لإقناع الرئيس "ترامب"، وأعلن أن نظام فرض الرسوم "مهين وغير مقبول" ويشكل "إهانة" لآلاف الكنديين "الذين حاربوا وماتوا مع رفاقهم في السلاح الأمريكي". رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، الذي بذل جهوداً أكثر من أي قائد أجنبي لكسب الرئيس "ترامب"، لا يزال يواجه عقوبات تجارية أمريكية على الرغم من الدور الحاسم لليابان في كوريا الشمالية، ولعب عدة جولات من الجولف مع "ترامب" وإطلاق مناشدات شخصية لإعفاء المنتجين اليابانيين من الرسوم والعقوبات.

أخيراً، قد يشجع "بوتين" من أجل اكتمال أهدافه، حث الرئيس على التأكد من أن الدول الكبيرة والصغيرة تستنكر القيادة الأمريكية، مما يوحي بأنه ينتقص من الدول الأفريقية وهايتي بابتذال، واستعداء المهاجرين من أمريكا اللاتينية بوصفهم "مغتصبين ومجرمين"، ووقف معظم حالات قبول اللاجئين وحظر المسلمين من عدة دول من دخول الولايات المتحدة وتقييد الهجرة القانونية وفصل الأطفال عن والديهم على الحدود.

مع مجموع هذه الإجراءات، آثار الرئيس "ترامب" غضباً شديداً لحلفائنا المقربين، وأساء إلى كل عضو في المجتمع الدولي تقريباً، باستثناء إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وروسيا. في هذه الأثناء، روسيا هي العنصر الفعال في الشرق الأوسط. إن الاتحاد الأوروبي يترنح مع سقوط إيطاليا وسلوفينيا والنمسا والمجر الآن تحت قيادة القوميين الشعبويين الذين يتبنون وجهات نظر "بوتين" ويرغبون في إنهاء العقوبات ضد روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا. إن وحدة الناتو متوترة على نحو مماثل مما يثير القلق، حول إرادة دول الحلف الجماعية لمواجهة أي عدوان روسي جديد.

كل شيء يتماشى مع مصالح "بوتين" ولا أحد آخر. قبل أربع سنوات، وبعد الغزو الأوكراني قادت الولايات المتحدة مهمة إخراج روسيا من مجموعة الثماني (G-8) . في نهاية هذا الأسبوع، سيجتمع قادة مجموعة الدول السبع (G-7) ، بما في ذلك الرئيس "ترامب" في كيبيك في جو يسوده الاستياء، وهو ما وصفه وزير المالية الفرنسي بأنه سيكون تجمع "6+1" وليس اجتماع مجموعة الدول السبع. في الواقع، إنه تجمع (1-7) منذ أن قام الرئيس "ترامب" بعزل الولايات المتحدة عن شركائها الأساسيين، لدرجة أننا غيبنا أنفسنا بشكل فعال. أمريكا تقف وحدها، ضعيفة وغير موثوق بها. بدون قيادة الولايات المتحدة  لا تستطيع مجموعة السبعة تحقيق الكثير. وعندما نحتاج بعد ذلك إلى حلفائنا للحشد من أجل محاربة الإرهابيين وفرض عقوبات ضد كوريا الشمالية، ومكافحة وباء عالمي، والتحقق من الصين وروسيا، هل سينضمون إلينا بعد التقليل من أحترامهم؟

لا يوجد دليل على أن "بوتين" يملي السياسة الأمريكية. لكن من الصعب تخيل كيف يمكنه تقديم الأفضل، حتى لو كان كذلك.

*سوزان إي رايس: مستشارة الأمن القومي الأمريكي من عام 2013 إلى 2017 وسفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى الأمم المتحدة. كاتبة رأي في الوقت الحالي بعد انتهاء خدمته في الدبلوماسية الأمريكية.

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات