انتخابات تركيا.. مخاطر كثيرة وآمال ضئيلة

السبت 09-06-2018 | AM 11:38 انتخابات تركيا.. مخاطر وتداعيات محتملة - صورة أرشيفية

ميلكولانجارا بادراكومار

إن أهمية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة في تركيا في 24 يونيو/حزيران، لا يختلف اثنان على أنها تتجاوز الاقتصاد السياسي للبلاد. الخيوط كلها تقف عند الرئيس رجب أردوغان، حيث إنه للفوز بالانتخابات عليه الفوز بأغلبية برلمانية.

يوفر الدستور التركي الجديد رئاسة تنفيذية، لكن يجب على البرلمان تقديم الدعم التشريعي. المؤسستان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً لا يمكن لواحدة منهما العمل من دون الأخرى. في حال التحرك في اتجاهات مختلفة، سيكون هناك تنافر في عملهما. ولكن في حال وجود رئيس مهيمن فيمكن أن يكون هناك سلطان حقيقي. تركيا تنتقل إلى أسس جديدة من نوعها. لا مجال للشك بأن نتائج انتخابات 24 يونيو/حزيران ستأتي بعواقب وخيمة.

انتصار "أردوغان" سيسبب مشاعر اشمئزاز وتذمر في كثير من الأوساط، وسيثير مشاعر القلق في الولايات المتحدة وأوروبا. ستشعر إسرائيل بالانهيار وسيصاب حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط  بخيبة أمل. في الأوقات السعيدة، اعتادت العواصم الإقليمية المغادرة من وإلى "واشنطن" عن طريق تركيا. لكن نفوذ "واشنطن" لا شيء اليوم، وحتى الباشوات لن يقدموا العون. وهناك أدلة على ذلك، آخرها كان الحدث المثير للجدل، الانقلاب الفاشل في يوليو/تموز 2016، والذي يشتبه في أن العديد من الأتراك كانوا متورطين في مؤامرة بتنظيم من وكالة المخابرات المركزية للإطاحة بـ"أردوغان"، نتج عنه تراجع في سمعة الجيش، وعزز التفوق المدني.

ولكن بعد ذلك، يمكن أن تكون هناك انقلابات بوسائل أخرى، على سبيل المثال التسبب في اضطرابات في الاقتصاد التركي عشية الانتخابات، بهدف إلهاء الزعيم الحالي في الخفاء. ومن المحتمل أن تكون هذه المحاولات جارية. خفضت وكالات (ستاندرد آند بورز، موديز، فيتش) من تصنيفها الائتماني لتركيا في الأشهر الأخيرة، وهذه قصة مألوفة. لا شك أن تركيا في حاجة إلى المال قصير الأجل والاستثمار الأجنبي المباشر، حيث يعتمد اقتصادها على الاتحاد الأوروبي من حيث التجارة والاستثمار والتكنولوجيا.

وسط كل هذا، يعمد المحللون الغربيون إلى محاولة فهم توقعات مرشح المعارضة محرم إِنجة، وهو نسل عاصف ومتمرد تقليدي في السياسة التركية، موهوب  بالمهارات الخطابية التي يمكن أن تتماشى مع سياسة "أردوغان". التضخم في تركيا يقف عند 12.5٪، والبطالة أكثر من 10٪ والليرة انخفضت 25٪ مقابل الدولار هذا العام. لذلك، من غير الواضح تماما ما يمكن للتلاعب بالعواطف من خلال خطابات "إنجة" التي تتمتع بذكاء حاد، أن تفعل في عواطف الناخبين. في خطاب ألقاه مؤخرًا، قال: (لدينا الدقيق والزبدة والسكر، لكن لا يمكننا عمل حلوى الهيلفا (الحلوى المفضلة لدى الأتراك)، لأنه ببساطة الشيف سرق الطحين). وكانت نتيجة هذا الخطاب أن الجمهور يزمجر، رغم أن "إنجة" لم يقل حتى من هو السارق.

ومع ذلك، لا يتوقع أحد أن يحصل "إنجة" على 50٪ بالإضافة إلى صوت واحد من الأصوات في منافسة مكونة من العديد من المنافسين في الجولة الأولى في 24 يونيو/حزيران. السؤال المهم الآن/ هو ما إذا كان بإمكانه إجبار "أردوغان" على إجراء جولة الإعادة بعد أسبوعين. يعلق المحللون الغربيون الأمل في جولة محتملة، حيث سيكون "أردوغان" في مواجهة "إنجة"، وستحتشد المعارضة الهشة خلف الأخير.

الرهانات عالية جداً لأنه إذا ظل "أردوغان" في السلطة، فإن علاقات تركيا مع الغرب ستبقى مشكلة معقدة وقد تتدهور أكثر. علاقات تركيا مع الولايات المتحدة يسودها جو من الغموض ولا يمكن التنبؤ بنتائجه، خصوصاً بعد اجتماع وزير الخارجية في "واشنطن" يوم 4 يونيو/حزيران، أنقرة  كانت أول من رحب بقرار انسحاب الأكراد إلى الشرق من الفرات وإلى الشمال الشرقي من بلدة "منبج" السورية التي كانت تحت ضغط  الطلب التركي. قامت وزارة الخارجية الأمريكية بسحب البساط من تحت أقدام وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قبل مغادرته "واشنطن".

 تحدث المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية بحدة في 5 يونيو/حزيران، حيث قال: "أيد الوزير (مايك بومبيو) وزارة خارجية تركيا في خريطة الطريق العامة، لكن أريد أن أكون واضحاً، هذا يعتمد على الظروف. ما أقصده أن الأشياء يمكن أن تتغير بمرور الوقت ومع  تغير الظروف على الأرض". الأحداث الجارية توحي لنا بالتالي، أولا "واشنطن" ستحافظ على بقاء "أنقرة" في حيرة من أمرها، وتأمل أن تتلاعب بها كدمية معلقة. ثانياً، تنوي الولايات المتحدة خلق حقائق جديدة على الأرض في شمال سوريا، وسيكون الباب مفتوحاً لجميع الخيارات. لم يكن التحالف مع الأكراد حاسماً للوجود الأمريكي في المنطقة فحسب، بل كان لا غنى عنه على المدى المتوسط، اعتماداً على وجهة نظر إبقاء "أردوغان" تحت الأنظار.

 ثالثاً، فضلت "واشنطن" تعليق الأمور إلى حين ظهور نتائج الأنتخابات المقبلة. يبدو أن "واشنطن" تعلق الآمال بأن "إنجة" قد يخرج من الانتخابات بانتصارمفاجئ. تخشى الولايات المتحدة أنه إذا أعيد انتخاب "أردوغان"، فإنه سيكون سلطانًا قويًا ويتبع نهجاً قسرياً. قد يصبح ضروريا ضبطه. إنه وضع مماثل للتحركات الاستفزازية والتقييدية لأمريكا ضد فنزويلا، بما في ذلك الحصار والعقوبات، وقد تصبح ضرورية في الأماكن التي تخدم فيها الميلشيات الكردية لتحقيق الهدف.

"واشنطن" لا تفتقر إلى الحجج للتدخل بشكل عام، فالذرائع كثيرة مثل التسليم المتوقع للصواريخ الروسية S-400 إلى تركيا (والعقوبات الانتقامية المترتبة على ذلك)، إلى جانب تأخير تسليم طائرات مقاتلة من طراز F-35  إلى تركيا أو حتى أن تكون اللجوء إلى تطبيق قانون (Magnitsky Act) الذي بموجبه تعاقب تركيا على حبس راعي أمريكي في إسطنبول يواجه ما يصل إلى 35 سنة خلف القضبان لتورطه المزعوم في محاولة الانقلاب في عام 2016. لم تكن المخاطر كبيرة بهذا الشكل على الإطلاق في الانتخابات التركية كما هو الحال الآن.

*ميلكولانجارا بادراكومار: دبلوماسي هندي سابق خدم في أفغانستان وإيران والاتحاد السوفييتي. وانتقل إلى مهنة الكتابة والتحليل بعد انتهاء مدة خدمة في وزارة الشؤون الخارجية الهندية.

 

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات