"واشنطن" في حيرة.. هل تتمسك بالتزاماتها في الشرق الأوسط أم تواجه روسيا والصين؟

الإثنين 04-06-2018 | PM 09:43 القوات الأمريكية خلال مشاركتها في مناورات حلف

مارتن كيلتي

لكل مرحلة متطلباتها، فتصاعد الأحداث على أرض الواقع يتطلب توجهات وتحركات بما يتناسب مع الأحداث. ولهذا في تنافس القوى العظمى مع الصين وروسيا، تعمل الولايات المتحدة على توسيع جهودها لإعادة تركيز استراتيجيتها العالمية، وتطويع نشر الموارد من أجل تثبيت أقدامها بشكل أفضل في الصراع الجديد. لكن على قدر ما يبدو الأمر بسيطا، سوف تستنزف التزامات الولايات المتحدة إلى جانب بعض الأحداث الكبيرة عالمية، موارد البلاد وانتباهها، في الوقت الذي تخوض فيه معركة عالمية جديدة من أجل النفوذ.

تحويل التركيز

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أدى ظهورما يسمى بـ"الحرب العالمية على الإرهاب" في عام 2001 إلى تغيير في الموقف الدفاعي الاستراتيجي للولايات المتحدة، حيث تحول من التركيز الأساسي على هزيمة قوة أوراسية ذات نفوذ نحو بذل المزيد من جهود تتصف بالاستمرارية وغير متبلورة ضد جهات عنيفة "ليست دول"، بالإصافة إلى دول مارقة. وكجزء من هذا التحول، عززت الولايات المتحدة بقوة وجودها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وغيرت هيكلها التدريبي وأعطت الأولوية لمجموعات مختلفة من القدرات العسكرية. في الوقت نفسه، اتجهت إلى تقليص وجودها في أوروبا، وقللت من قدراتها في المحيط الهادي، وأغلقت عددًا كبيرًا من المقرات التي أقيمت للحرب المحتملة مع روسيا.

لكن بعد سنوات من الصراع المتواصل في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، أصبحت الولايات المتحدة تعترف بالتحول العميق في التوازن الاستراتيجي العالمي. من خلال مراقبة قوة الصين المتنامية وجهودها لتحديث جيشها، حاولت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما إعادة التوازن إلى آسيا مع "محور المحيط الهادئ" في عام 2011. كذلك أدى تدخل روسيا العسكري في أوكرانيا في عام 2014 إلى تغيير اتجاه الولايات المتحدة في أوروبا تمامًا، حيث سارعت "واشنطن" بارسال قوات إضافية إلى القارة كجزء من زيادة عمليات دورية في إطار مبادرة لطمأنة أوربا بعد أن بدأت في سحب القوات من المنطقة.

بيان انتشار القوات الأمريكية في أوروبا يكشف تراجعها من 1988 إلى 2018

لكن استراتيجية الدفاع الوطني لهذا العام، التي تُعرف منافسة القوى العظمى باعتبارها "التحدي الرئيسي للازدهار والأمن للولايات المتحدة"، لا تترك مجالا للشك فيما يتعلق بالاتجاه الاستراتيجي الذي ترغب الولايات المتحدة في تحقيقه في نظرتها الأمنية. إن تطبيق الاستراتيجية الدفاعية الجديدة يتطلب ميزانية دفاع قوية تسعى إلى إصلاح بعض حالات النقص في الجاهزية الناجمة عن سنوات من الاحتجاز (تخفيضات الإنفاق التلقائية).

تماشيا مع توجهها الاستراتيجي، ستقوم الولايات المتحدة بتغييرات كبيرة من حيث الانتشار الإقليمي للقوات الاستراتيجية، وفي نفس السياق المناطق الجغرافية التي ترغب في تحديد أولوياتها. هنا للشمال الأطلنطي دور بارز باعتباره ساحة معركة مركزية في المنافسة مع روسيا، مما دفع المسؤولين العسكريين الأمريكيين إلى الإعلان عن خطط لإعادة تنشيط الأسطول الأمريكي الثاني في يوليو/تموز بعد توقيف نشاطها في عام 2011. وستكون مهمة الأسطول الثاني هي ضمان هيمنة الولايات المتحدة البحرية على المحيط وسط تزايد الغزوات من الغواصات الروسية في هذا المحيط بالذات. وعلى الحافة الشمالية من المنطقة، تم استخدام أيسلندا التي تتمتع بموقع استراتيجي كقاعدة يمكن من خلالها اكتشاف مثل هذا النشاط من الغواصات واعتراضها، تحظى بالتالي باهتمام متزايد من الولايات المتحدة بعد أن تضاءلت أهميتها، بنهاية الحرب الباردة.

 في الطرف الآخر من أوروبا، ستكون لجهود "أنقرة" لتحقيق التوازن بين الولايات المتحدة وروسيا أهمية إضافية مع سعي "موسكو" لكسر دور الاحتواء الذي لعبته تركيا، موطن البسفور الاستراتيجي، حيث تسعى جهود الولايات المتحدة للحفاظ عليها. وفي أماكن أخرى من القارة، ظهرت دول البلطيق، بولندا وأوكرانيا وبيلاروسيا وجورجيا، بشكل متزايد الأهمية كدول معركة بين الولايات المتحدة وروسيا. في الشمال، تشهد إسكندنافيا بشكل عام، والنرويج على وجه الخصوص، اهتماما متزايدا من الولايات المتحدة أيضا، ويرجع ذلك أساسا إلى قرب المنطقة الاستراتيجي من مسرح القطب الشمالي. علاوة على ذلك، رفعت البحرية الأمريكية من عدد عمليات نشر القوات التي قام بها الأسطول السادس إلى المسرح الأوروبي وسط توقعات بالمزيد من الدوريات في بحر البلطيق والبحر الأسود.

وفي المحيط الهادئ، تلعب الصين دورها، فترسانة الصين المتنامية من الصواريخ الباليستية والصواريخ النفاثة وغياب القواعد الجوية للولايات المتحدة بسبب إنشغالها بأحداث أخرى، وهذا أدى إلى تعقّد الوضع العسكري الاستراتيجي الأخير في المنافسة مع "بكين". ونتيجة لذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تركز بشكل خاص على علاقتها مع اليابان وسنغافورة. وفي الوقت نفسه، على البنتاغون البحث عن قواعد بديلة في أماكن مثل شمال أستراليا والفلبين وجزر ماريانا الشمالية. مسبقا، كان لدى الولايات المتحدة وجودًا عسكريًا كبيرًا في كوريا الجنوبية، لكن هذه القوات مجهزة لأي صراع محتمل مع كوريا الشمالية ويمكن أن تشكل حتى مسؤولية استراتيجية للولايات المتحدة، لأنها ستكون ضمن النطاق الضخم للقوات البرية الصينية الأكبر في حال اشتعال الأعمال العدائية المفتوحة.

توقعات نمو القوتين البحريتين الأمريكية والصينية بحلول عام 2030

لكن بالإضافة إلى القضايا العسكرية، تهدف "واشنطن" أيضاً إلى تعزيز علاقتها مع عدد من دول آسيا والمحيط الهادئ غير المتحالفة كاحتياط ضد صعود الصين. ومن المرجح أن تشهد الهند وفيتنام وماليزيا وإندونيسيا على وجه الخصوص المزيد من الاهتمام من الولايات المتحدة في السنوات القادمة. تشكل هذه البلدان مجتمعة مرساة قوية على الحافة الجنوبية لسلسلة الجزر الأولى -وهي منطقة تحيط بالبحرالأصفر وشرق وجنوب الصين، والتي يمكن للبحرية الأمريكية أن تسيطرعلى خطوط الاتصالات البحرية للصين إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. بطبيعة الحال، من غير المرجح أن تبقى الصين مكتوفة الأيدي على هذه الجبهة، وكرد فعل ستعمل بكل قوتها لتعزيز علاقتها مع دول جنوب شرق آسيا.

خريطة انتشار البحرية الصينية وتطور قدراتها ونفوذها بحلول 2030

وما لا يدعو للاستغراب، هو أن تايوان لا تزال تشكل نقطة خلاف خطيرة. يبدو أن الولايات المتحدة على استعداد كبير لإثارة غضب الصين ضد الجزيرة من خلال بيع المعدات العسكرية الحساسة وتعزيز التعاون الدبلوماسي والعسكري مع "تايبي". وعليه، فإن تايوان هي القضية التي من المرجح أن تدفع بالمنافسة الاستراتيجية بين واشنطن وبكين إلى نزاع فعال، خاصة مع توسع الخيارات العسكرية الصينية مع تطورها البحري.

وأخيراً، تدرس الولايات المتحدة تغييرات كبيرة في كيفية نشر قواتها البحرية الرئيسية على أساس عالمي. على مدى العقود الثلاثة الماضية، حافظت فرق عمل حاملات الطائرات الأمريكية على وجود دائم تقريبا في المياه المحيطة بالشرق الأوسط. الآن، ومع ذلك فإن البلاد تعمل على تحويل نشرها للتركيز أكثر على أحداث أوروبا والمحيط الهادئ، وأن تكون أقل قابلية للتنبؤ والروتين في غزواتها البحرية.

الولايات المتحدة والقوى المنافسة

على الرغم من أن "واشنطن" أدركت ظهور هذه المنافسة الجديدة للقوى العظمى وبدأت التحرك بما يناسب الظروف الجديدة، فإن العديد من ألأحداث المتصاعدة عالمياً يمكن أن يصرف انتباه الولايات المتحدة ويعرقل مواردها وتركيزها. ومن أبرزها "الحرب على الإرهاب" التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، حتى مع تحول تركيزها بشكل كبير منذ أن بدأت قبل 17 سنة مضت. على الصعيد العالمي، وخاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، كرَّست الولايات المتحدة قدراً كبيراً من الاهتمام والموارد لهذه المعركة. في المقابل، جاءت بآثار سلبية، فقد شكلت ضغطًا كبيرًا على قوات العمليات الخاصة للولايات المتحدة وألحقت الضرر باستعداد القوات الجوية الأمريكية، سواء من القوات الجوية أو البحرية. ما يقرب من عقدين من عمليات الانتشار والتناوب المستمرة في الخطوط الأمامية، لم يتركوا سوى القليل من الوقت للاستجمام. كل هذا الإرهاق، إلى جانب الآثار الأخيرة للوضع العالمي، أدى إلى مشاكل في الصيانة وتفكيك هياكل الطائرات على نطاق واسع وارتفاع حاد في الحوادث.

يمكن أن تخرج استعدادات الولايات المتحدة لمواجهة الصين وروسيا عن مسارها بسبب الصراعات الكبيرة والارتباطات في أماكن أخرى.

إضافة إلى هذا التوتر المستمر، أصبحت احتمالات حدوث صراعات كبيرة قوية جدا، بشكل يمكن أن يصرف انتباه الولايات المتحدة عن استعداداتها لمواجهة الصين وروسيا. على الفور، يمكن أن يظهر هذا في شكل حرب محتملة مع إيران أو كوريا الشمالية أو كليهما. وقد يؤدي انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني وتبني موقف متشدد بشأن أنشطة إيران في الشرق الأوسط إلى نشوب صراع بين الاثنين، خاصة إذا اختارت "طهران" إعادة إطلاق برنامجها النووي رداً على مواقف "واشنطن". أما بالنسبة لكوريا الشمالية، فإن التفاؤل المبدئي بشأن عقد قمة بين "واشنطن" و"بيونغ يانغ" يمكن أن يفسح المجال للاستعداد للحرب في غياب أي آمال في نجاح المفاوضات.

لا شك أن الحرب مع إيران أو كوريا الشمالية تتطلب الالتزام بأعداد كبيرة من القوات والأموال، ولكن حتى استراتيجية احتواء ضد كليهما يمكن أن تنطوي على عمليات انتشار طويلة ومهمة في الخليج وشبه الجزيرة الكورية وما حولها. يمكن للولايات المتحدة أن تنقض بسرعة قرارها بتقليص وجودها الدائم حول الشرق الأوسط، مسرح العمليات للأسطول الخامس، في حال ارتفاع التوترات مع إيران بشكل كبير نتيجة لمقاربة "واشنطن" المواجهة بشكل متزايد تجاه البلاد. ومع ذلك، فإن عودة المزيد من القوات إلى الشرق الأوسط ستعرقل جهود الولايات المتحدة ضد روسيا والصين، لأن المنطقة بعيدة كل البعد عن مجالات النشاط المركزية لمنافسة القوى العظمى الناشئة. ومن ناحية أخرى، فإن ترتيبات القوة حول كوريا الشمالية توفر مرونة أكبر لأن الجيش الأمريكي قد يعيد توجيه القوات والعتاد في شمال شرق آسيا، خاصة قواتها الموجودة في اليابان، إن لم تكن تلك الموجودة في كوريا الجنوبية القريبة لكوريا الشمالية، ولا تزال عرضة لمواجهة الصين بسهولة أكبر.

لا يمكن أن يلفت انتباه الصين أو روسيا مثل هذه الانحرافات المكلفة إلى القوة الأمريكية. بينما تشارك القوى العظمى في منافسة متصاعدة، قد يشهد الكوكب مناخًا جيوسياسيًا غير مسبوق منذ أيام الحرب الباردة. وتشمل السمات المميزة لهذه المنافسة، دعمًا متضافرًا لحركات التمرد والقوات التي تعمل بالوكالة في جميع أنحاء العالم والتي يمكن أن تقيد المنافس في حملات طويلة الأمد ومكلفة. في الواقع، بدأت روسيا بالفعل في متابعة بعض جوانب هذه المعركة الجديدة من خلال دعمها لفصائل معينة من حركة "طالبان" في أفغانستان، بينما كانت الولايات المتحدة تدعم في السابق بعض الفصائل المعادية لروسيا في سوريا. في هذا السياق، إذا وصلت العلاقة العدائية بين الولايات المتحدة وإيران إلى مستوى أكثر عدائية، يمكن لموسكو وبكين تقديم مساعدات مباشرة إلى طهران لتحسين قدراتها.

لقد تحركت الولايات المتحدة لتحديد منافسي القوى العظمى مع روسيا والصين كأولوية قصوى، ما يستلزم إعادة هيكلة البصمة العسكرية العالمية للبلاد، وإعادة تخصيص الموارد، وتحول التركيز الاستراتيجي. لقد بدأ البنتاغون بالفعل في تنفيذ تدابير في هذا الصدد، ولكنها ليست عملية مباشرة على أي حال. استمرار الانحرافات الكثيرة، وتحديدا الأزمات مع إيران وكوريا الشمالية، على الرغم من الإصرار على التزام الولايات المتحدة الدائم تجاه "الحرب العالمية على الإرهاب"، سيجعل الولايات المتحدة في النهاية، تكثف دون شك تركيزها على منافسة القوى العظمى، لكن التغلب على هذه الانحرافات لن يكون مهمة سهلة، خاصة وأنه من غير المرجح أن تجعل الصين وروسيا محاولات الولايات المتحدة لإعادة ترتيب أولوياتها سهلا أبدا.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات