"واشنطن بوست":  الشرق الأوسط لا تنقصه الديموقراطية.. والرأي العام "الراديكالي" يقود عدم الاستقرار

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة أرشيفية

يوآف فرومر | واشنطن بوست

الأحد 03-06-2018 | PM 02:41 |

حتى مع معايير الشرق الأوسط، كانت الأسابيع الأخيرة مروعة، حيث إن قرار الرئيس ترامب بالانسحاب من الصفقة النووية الإيرانية ومطالب وزير الخارجية مايك بومبيو الاثني عشر إلى طهران، وتصاعد صراع إسرائيل وإيران في سوريا، أدوا إلى ارتفاع احتمال نشوب حرب إقليمية. حققت إيران نصرا كبيرا في الانتخابات اللبنانية بعد أن حصل ائتلاف بقيادة حزب الله، وكيلها المتشدد، وقام بتأمين أغلبية برلمانية. في العراق أثار رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر قلق المرشح المدعوم من الولايات المتحدة في الانتخابات الأخيرة، وهو يرأس الآن أكبر حزب في البلاد.

تزايد الوضع سوءا بعد أن افتتحت الولايات المتحدة سفارتها الجديدة في القدس في مايو/آيار واندلعت احتجاجات عنيفة على طول الحدود بين غزة وإسرائيل، خلفت أكثر من 60 فلسطينيا قتيلاً. وعلى خلفية الأحداث، بدأت الاتهامات المتبادلة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي بلغت ذروتها بطرد السفير الإسرائيلي المهين من أنقرة،  ما أدى إلى تدهور العلاقات بين اثنين من أهم حلفاء أمريكا في المنطقة.

هناك شيء يربط كل هذه الأزمات: الدور الكبير للأغلبيات الديمقراطية والدعم العام في تأجيجها

 إذا كانت هناك حقيقة واحدة في السياسة الخارجية الأمريكية منذ عام 1945، فهي أنه كان هناك اعتقاد راسخ بأن الدفاع عن الديمقراطية وتوسيعها يصب في صالح المصلحة الوطنية. كان هذا هو الأساس المنطقي لعقيدة "ترومان" وخطة "مارشال"، التي هدفت إلى دعم حلفاء أمريكا في الحرب الباردة واحتواء الاتحاد السوفييتي. في وقت لاحق، أصبحت ركيزة أساسية في عقيدة "بوش". على الرغم من أن الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما، اختلفا حول كيفية تعزيز الديمقراطية، فكلاهما يعتقدان أن نشره أمر حيوي لأمن أمريكا القومي.

لكن الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط تشير إلى غير ذلك. وبعيداً عن كونها الحل الأمثل الذي يمكن أن ينقذ المنطقة المضطربة من نفسها، فإن الديمقراطية قد ولدت نتائج غير مقصودة مزقتها إلى أجزاء. في إيران وغزة وتركيا ولبنان والعراق وحتى إسرائيل، الديمقراطية الليبرالية الوحيدة العاملة في المنطقة قد تكون هي المشكلة وليست الحل. بدلاً من إذكاء التطرف، كانت إرادة الأغلبيات في هذه الدول تقودها.

أنهى ترامب بيانه التلفزيوني منسحباً من الاتفاق النووي الإيراني بمناشدة شخصية للجمهور الإيراني: "إن الشعب الأمريكي يقف معك". كان واضحاً أن كل هؤلاء الإيرانيين لا يقفون إلى حيث يعتقد "ترامب" أنهم يفعلون ذلك. على الرغم من أن النظام الديني الإيراني يقمع المعارضة بوحشية، فإن المرشد الأعلى وسياساته المتشددة يحظيان بتأييد شعبي كبير في الانتخابات العادية رغم كونها منافسة جزئية للجمهورية الإسلامية.

بدلاً من معارضة طموحات إيران النووية وسنوات العقوبات التي تسببت في تعطيلها، تبنى جزء كبير من الجمهورالإيراني هذه الطموحات. وفي مسح أجرته مؤسسة "راند كورب" في عام 2011، في ذروة العقوبات، قال 98% من الإيرانيين إن امتلاك الطاقة النووية حق وطني. لم يتغير تخفيف العقوبات الذي جاء مع الاتفاق النووي لعام 2015  "خطة العمل المشتركة الشاملة"، ولم تحدث تغيرات كبيرة، فقد توصل استطلاع أجراه مركز الدراسات الدولية والأمنية بجامعة "ميريلاند" قبل بضعة أشهر إلى أن هذا الرقم ضخم للغاية. نسبة من الإيرانيين لا يزالوا يعتبرون تطوير برنامج نووي مهم لبلدهم، ونحو 53٪ يعتقدون أنه على إيران أن تنسحب من الصفقة أو تستأنف برنامجها النووي إذا انسحبت الولايات المتحدة.

وبالمثل، أكد أكثر من 60% من عينة البحث أن تدخلات إيران في سوريا والعراق كانت في مصلحة بلدهم، وقال حوالي 95% منهم إنه من المهم أن تطور إيران برنامجها الصاروخي. عندما وصل الأمر إلى أمريكا، كان لدى أكثر من 93% آراء غير مواتية من الحكومة الأمريكية (حزب الله، بالمقارنة كان له ما يقارب 65% من التأييد)

يبدو أن "ترامب"، مثل العديد من القادة الغربيين يعتقد أنه لو تمت الأطاحة بآية الله فإن الإيرانيين سيتبنون الفكر الأمريكي، ويتخلون عن البرنامج النووي، ويوقفون تطوير الصواريخ ويقطعون العلاقات الإرهابية. لكن حتى إذا كان بعض الخاضعين للبحث يترددون في انتقاد النظام خوفا من بعض الإجراءات ضدهم، فقد أيدت أجزاء كبيرة من الجمهور الإيراني استمرار البرامج التي أدت إلى العزلة الدولية. على الرغم من الانقسامات الإيرانية الداخلية حول السياسة الاقتصادية والفساد والحريات المدنية، يظل البرنامج النووي مصدرًا نادرًا للوحدة.

في غزة، إرادة الأغلبية أثبتت أنها ضارة بنفس قدر فائدتها. على الرغم من أن "حماس" لا يمكن أن تصنف كحركة ديمقراطية، فإنها صعدت إلى السلطة في انتصار كاسح في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية عام 2006. على الرغم من الوحشية التي عانى منها العديد من مواطنيها، والأزمة الإنسانية الخطيرة في غزة، وحالة الفقر والتدهورالذي يعيش فيه معظم سكان غزة منذ فرض إسرائيل ومصر حصارًا، كرد على انقلاب "حماس" عام 2007 ضد السلطة الفلسطينية، إلا أنها لا تزال تتمتع بدعم شعبي جدير بالأهتمام، نتيجة كفاحها ضد إسرائيل.

ظلت "حماس" محتفظة بالشرعية وذلك لقدرتها على ضرب المدن الإسرائيلية بالصواريخ والقيام بغارات إرهابية من خلال نظام الأنفاق الخاص بها، وما ساعدها في الاحتفاظ بهذه الشرعية هو الافتقار إلى أي إنجازات حكومية حقيقية. وحقق هذا الصراع نتائج  مثمرة في أعقاب كل من حروبها المدمرة مع إسرائيل في (2009 و 2012 و 2014)، حيث شهدت "حماس" تجدد الدعم الشعبي لها بين الفلسطينيين. هذه الديناميكية توضح حالات المد والجذر للعنف الحالية أيضًا. أظهر استطلاع أخير أجراه مركز "تامي شتاينمتس" لأبحاث السلام بعد الاعتراف الرسمي لـ"ترامب" بالقدس عاصمة لإسرائيل، أن 26% فقط من الفلسطينيين لا يزالوا يؤيدون اتفاق سلام مع إسرائيل (انخفاض حاد من 45% في يونيو/حزيران الماضي)، بينما 38% يؤيدون المقاومة المسلحة، وهو ارتفاع كبير عن الدراسات الاستقصائية السابقة.

 صعدت "حماس" من عنادها واستعدادها لمخاطر الحرب من خلال شن مظاهرات حاشدة وإطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية، وهذا لأن معظم أهالي غزة في الحالة الطبيعية يؤيدون العنف ضد إسرائيل، وهذه قد تكون أساليب تعبيرية، ناهيك عن كونها تشويها، لإرادة العامة. ويقول مسؤولون إسرائيليون إن "حماس" أجبرت المدنيين على المشاركة في الاحتجاجات الأخيرة، ولكن نظراً إلى اليأس الذي يشعر به سكان غزة، فقد يكون الضغط المتصاعد وسخط الجمهور، هو الذي دفع "حماس" إلى التحريض على المظاهرات.

كما يقال دائماً، "نتنياهو" غالباً هو عقبة في طريق السلام حتى من قبل "ترامب"، ولكن في الحقيقة هو يعكس فقط تأييده لليمين في الشعب الإسرائيلي. قبل أقل من عقد من الزمان، أيد حل الدولتين والتواصل مع الفلسطينيين، لكنه الآن لم يعد حتى يعترف بمثل هذه المفاهيم. أغلبية كبيرة من الإسرائيليين -ما يصل إلى 70% منهم وفقا لاستطلاع للرأي- يفضلون وجود حكومية يمينية.

من الواضح أن معظم الاسرائيلين تخلوا عن عملية السلام، 38% فقط أنه لا يزالوا يؤيدون التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، وثلثي اليهود الإسرائيليين لا يعتبرون الضفة الغربية، الأراضي المحتلة المتنازع عليها من قبل إسرائيل في حرب 1967، هي أراضي محتلة. ولاحقاً لا يزال "نتنياهو" يعول باستمرار على جناحه الأيمن، لكنه فقد فعلياً أي حافز من الداخل على الاعتدال.  ما ساعد في رفع مكانة "نتنياهو"، هو موقفه العدواني تجاه إيران و"حماس"، ونجاح جهوده لنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، حيث حول هذا الانتباه عن فضائح الرشوة المزعومة، فقد أظهرت استطلاعات جديدة أن شعبيته تصاعدت بشكل ملحوظ، وتشير إلى أن حزب الليكود الذي يتزعمه سيحصد المزيد من الانتباه إليه أكثر، إضافة إلى ذلك الحصول على 35 مقعدًا على الأقل في الكنيست، إذا أجريت انتخابات اليوم (في أواخر شهر أبريل/نيسان، كان يحتل 28 مقعدًا).

عندما سحق أردوغان إسرائيل لكونها "دولة عنصرية" وأثنى على "حماس" بعد أعمال العنف عبر الحدود في الشهر الماضي، هذا كان بالضبط نزولا من الرئيس التركي عند رغبة الشعب. وكما هو الحال منذ بداية الاعلان عن الانتخابات  في شهر يونيو/حزيران، أصبحت تحركات "أردوغان" كلها لكسب الدعم لحملته الانتخابية، فقد علق المحللون بأن هجمات "أردوغان" هي جزء من حيلة سياسية لحصد الأصوات في الانتخابات البرلمانية في يونيو/حزيران، على الرغم من أن "أردوغان" قد ترك وراءه الزعيم الديمقراطي الشرعي منذ زمن بعيد، فقد كان أول رئيس وزراء منتخب منذ 15 عامًا، هو الآن سلطان في العصر الحديث يملك السلطة المركزية ويحيّد أي معارضة خطيرة، ولا يزال بحاجة إلى التنافس في انتخابات مفتوحة نسبياً. ويمكنه ضرب إسرائيل وإقناع "حماس" بالتحديد، لأنه يعلم أنه سيكافأ من قبل الناخبين بسبب قيامه بذلك. في استطلاع عام 2014 المذهل، وجد مركز "بيو" للأبحاث أن الغالبية العظمى من الأتراك تكره إسرائيل أكثر من الدولة الإسلامية "داعش"، و"حماس" أو "حزب الله"، وبينما 86% من الأتراك لديهم وجهات نظر سلبية تجاه إسرائيل، فإن 2% فقط لديهم آراء إيجابية.

نتائج الانتخابات التي أجريت مؤخراً حملت في طياتها نتائج لم تصب في صالح الولايات المتحدة. واحدة من هذه النتائج، فوز "حزب الله" في الاقتراع البرلماني اللبناني قبل شهر تقريباً، وهذا يعني أن معظم الناخبين اللبنانيين ليسوا ​​مهتمين بالجهود التي يبذلها الغرب لمنع النفوذ الإيراني في بلادهم أو نزع سلاح حزب الله. وثانياً، كانت نتائج الانتخابات العراقية التي جاءت بعد بضعة أيام غير مشجعة على نحو مماثل، فقد أصبح "الصدر" الذي قاتل جيش المهدي التابع له بضراوة ضد القوات الأمريكية خلال الحرب، الآن بات صانع القرار فيما يتعلق بحكومة العراق المقبلة عن طريق تأمين أكبر عدد من المقاعد في البرلمان. ووصف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي أنهى حزبه السباق الانتخابي في المركز الثالث بشكل مخيب للآمال، هذه الانتخابات بأنها "نصر رائع للديمقراطية". إنه على حق، لكن هذا لا يعني أنها كانت انتصارا للمصالح الأمريكية في المنطقة.

في هذه الأثناء، لا يزال المصدر الرئيسي للاستقرار في الشرق الأوسط هو الديكتاتوريات والملكيات، حيث الإرادة الشعبية ليس لها تأثير يذكر على سياسة الحكومة. الحكومات الوحيدة التي تحافظ علانية على علاقات مستقرة مع إسرائيل هي مصر والأردن والسلطة الفلسطينية (كما تعاونت المملكة العربية السعودية مع إسرائيل من خلال قنوات خلفية للحد من النفوذ الإيراني). على عكس الحكومة الديمقراطية قصيرة المدى في مصر، التي ترأسها محمد مرسي من جماعة الإخوان المسلمين، والتي هددت بمراجعة اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، يحافظ الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي تحول إلى رئيس الجمهورية، على السلام مع الإسرائيليين بالضبط لأنه ليس لديه إجابة على الجمهور المصري الذي لا يزال معاديا بشكل كبير للدولة اليهودية.

لقد اعتقد المنظّرون وصانعو السياسة طويلاً أن الدكتاتوريين مثل حافظ الأسد في سوريا أو صدام حسين في العراق هم سبب عدم الاستقرار الإقليمي. لكن منذ الربيع العربي، يبدو أن هناك فجوة متنامية بين المستبدين المعتدلين الذين يتوجهون نحو الغرب مثل "السيسي" وعاهل الأردن الملك عبدالله الثاني وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وغالبية مواطنيهم الذين يسيرون في الاتجاه المعاكس. وبدافع من المظالم التاريخية والاقتصادية والثقافية والدينية العميقة الجذور، فإن أغلبية كبيرة في الشرق الأوسط معادية للولايات المتحدة وإسرائيل. إن الديمقراطية وتقرير المصير هما في معظم الظروف هدفان مفيدان يجب متابعتهما والترويج لهما. لكن الظروف التي يعيشها الشرق الاوسط الآن هي عوامل تحفز وتدفع النزاع الإقليمي.

على عكس أسلافه، لم يحمل "ترامب" عباءة الديموقراطية، لكنه قد يضطر قريباً للتعامل مع النتائج غير المتوقعة التي يطرحها. إن الشكل الخاص للحكومات الذي يتجذر في الشرق الأوسط -حكم الأغلبية بدون مؤسسات ليبرالية- لم يجعل المنطقة أكثر أمناً أو استقراراً. بدلاً من تخيل كيفية نشر الديمقراطية في المنطقة، قد تبدأ الولايات المتحدة بالتفكير في كيفية احتوائها.

---

*يوآف فرومر: أستاذ التاريخ الأمريكي والسياسة بجامعتي "تل أبيب" و"يشيفا" الإسرائيليتين. وهو حاليا يعمل على كتاب بشأن دانيا باتريك موينيهان السياسي وعالم الاجتماع والدبلوماسي الأمريكي الراحل. كما يتناول كتابه أيضا مسألة الليبرالية الأمريكية وتعريفها.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات