"موسكو".. هل تلعب دور الوساطة بين "طهران وتل أبيب" لمنع التصعيد والمواجهة على الأراضي السورية؟

السبت 02-06-2018 | PM 01:56 بوتين والأسد في لقاء سابق - صورة أرشيفية

تسفي ماجين - فيرا شابير - عودي ديكيل

في ضوء التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل في سوريا وتطور المواجهة المباشرة بينهما، يظهر بقوة على الموقف مسألة الموقف الروسي: هل روسيا عالقة بين عوامل متشددة ومجبرة ضد إرادتها على وضع نفسها كقوة تقييدية، أو هل يمكن أن تستفيد من المواجهة الإسرائيلية الإيرانية، خاصة أنها لا تزال تحت السيطرة ومحدودة؟ على هذه الخلفية، تسعى روسيا جاهدة لإيجاد حل لكل التحديات التي تواجهها في مواجهة الغرب وإيران وإسرائيل.

ويتم ذلك من خلال استغلال الأزمات التي تنشأ بين مختلف الجهات الفاعلة، بينما تستمر أهدافها في حماية نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وتعزيز قدرته على استغلال النفوذ تجاه تفوقه داخل سوريا، والخروج من عزلته الدولية. اختيار جانب لدعمه في المواجهة الإيرانية الإسرائيلية ليس في مصلحة روسيا. من المنظور الإسرائيلي، من الصعب رؤية اتفاق على اقتراح تسوية روسي يتضمن وجود قدرات ووحدات عسكرية إيرانية في سوريا تشكل تهديدًا لإسرائيل. ومع ذلك، بما أن كلا من إسرائيل وإيران لا يهتمان بتصعيد الصراع بينهما إلى حرب عالية الكثافة، فيمكنهما إعطاء روسيا دور الوساطة والتقييد للسيطرة على الخطوات المتصاعدة وإيقاف الأطراف المتنازعة عندما تخرج الأحداث عن السيطرة.

حتى الآن، كان شهر مايو/آيار شهرًا احتفاليًا للرئيس "بوتين": في 7 مايو/آيار، أدى اليمين الدستورية لفترة ولاية رابعة. بعد يومين، في 9 مايو/آيار، احتفلت البلاد بذكرى الانتصار على ألمانيا النازية. وفي 15 مايو/آيار، افتتح "بوتين" جسرا يربط بين روسيا وشبه جزيرة القرم. ومع ذلك، فإن الواقع أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الكرملين، سواء في الساحة الدولية أو في الشرق الأوسط. داخل الكرملين، هناك خيبة أمل واضحة من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يمكن أن يساعد في تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، وتزايد الضغط الدولي على روسيا. في أبريل/نيسان، فرضت العقوبات الأمريكية الأكثر قسوة على الإطلاق على روسيا. كذلك يشعر المسؤولون في الكرملين بالقلق إزاء التحقيق في تورط روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الضغط. بالإضافة إلى ذلك، في الأشهر الأخيرة، كانت روسيا، للأسف، غائبة عن عمليتين سياسيتين هامتين على الساحة الدولية: الأزمة مع كوريا الشمالية والخلاف بين الولايات المتحدة وأوروبا فيما يتعلق بإنهاء الاتفاقية النووية مع إيران (على الرغم من أن روسيا استأنفت مؤخرًا لعب دور في هذا السياق).

أيضا، تستمر عملية تنفيذ السياسة الروسية في سوريا (في 15 مايو/آيار، عقد اجتماع آخر في أستانا بهدف إنشاء مناطق التصعيد)، بالإضافة إلى وجود قلق متزايد من أن روسيا لن تكون قادرة على تقليل مشاركتها في الساحة السورية ضمن الإطار الزمني المتوقع. على الرغم من نجاحها في تثبيت حكم "الأسد"، فإن روسيا لم تنجح في التوصل إلى عملية تسوية سياسية من شأنها إنهاء الحرب الأهلية وحرب الوكلاء وتزويد روسيا بمكافأة مقابل دورها في الترويج لحل للصراع ولعودتها إلى ﻋﻠﻰ اﻟﺼﻌﻴﺪ اﻟﺪولي، وﻻ ﺳﻴﻤﺎ رﻓﻊ العقوبات المفروضة ﻋﻠﻴﻬﺎ. ويعزى ذلك بشكل خاص إلى حاجة روسيا إلى المساعدة من المجتمع الدولي -لا سيما الولايات المتحدة وأوروبا-  في محاولة لصياغة تسوية سياسية في سوريا. في ظل غياب عملية فعالة نحو التوصل إلى تسوية، ستحتاج روسيا إلى مواصلة دعم قوات الأسد في غزو الأراضي من سيطرة المعارضين وتحريك السكان السنة خارج المناطق التي تهم نظام الأسد، خاصة إلى الشمال إلى منطقة إدلب، وستحتاج أيضا إلى مساعدة نظام "الأسد" على تحقيق السيطرة على معظم المناطق المأهولة بالسكان في سوريا. في إطار هذه العملية، وبالنظر إلى سياسة إيران المستقلة في سوريا، فقد تصاعدت التوترات في العلاقات الإيرانية الروسية فيما يتعلق بصياغة تسوية مستقبلية في سوريا. تعمل إيران من جانبها على الترويج لمصالحها الخاصة في سوريا -حتى على حساب المصالح الروسية- وتقوم بتعزيز موقعها العسكري من خلال وكلاءها وتدير نفسها بطريقة يمكن أن تؤدي إلى تصعيد مع إسرائيل. يمكن أن تكون التحركات الإيرانية ضارة بـ"المشروع" الروسي الذي يركز على الحفاظ على نظام الأسد وتطبيق تسوية سياسية - يشير إليها الروس على أنها "هيكل غير مركزي"- كما يأخذ في الاعتبار توازن القوة على أرض. تعتبر إيران مثل هذه التسوية غير مرضية، وذلك بسبب هدفها المتمثل في تنصيب حكومة مركزية تعمل تحت تأثيرها.

ومع ذلك، في الساحة السورية وحول التوترات بين إسرائيل وإيران، يبدو أن روسيا قد وجدت مؤخراً فرصة لفتح عملية سياسية تحت قيادتها. في أعقاب التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل في سوريا وتطور صراع مباشر بينهما، فإن مسألة موقف روسيا ترتفع بكل قوتها: هل روسيا عالقة بين عوامل متفائلة وأجبرت، ضد إرادتها، على وضع نفسها كقوة قوة التقييد؟ أو، هل يمكن في الواقع أن تجني فوائد المواجهة الإسرائيلية الإيرانية، لا سيما في مرحلة ما زال الصراع فيها قابلاً للتحكم ومحدود؟ في هذا السياق، تسعى روسيا جاهدة لإيجاد استجابة للتحديات التي تواجهها في مواجهة الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل. إنها تفعل ذلك من خلال الاستفادة من الأزمات التي تنشأ بين الأطراف، بينما تبقى أهدافها للدفاع عن نظام الأسد، وإثبات قدرتها على استغلال أدوات النفوذ ووضعها الأعلى في أي تسوية في سوريا، وإنهاء عزلتها الدولية. الميزة الروسية، التي أصبحت بارزة الآن بقوة، هي قدرتها على التفاوض مع جميع الأطراف المعنية ، فضلاً عن قدرتها على العمل كآلية لمنع تصعيد الحرب، الأمر الذي يصب في المصلحة المشتركة لإيران وإسرائيل.

اختيار جانب في المواجهة بين إيران وإسرائيل ليس من مصلحة روسيا. روسيا في حاجة إلى إيران على المدى القصير، على الرغم من خلافاتها مع طهران بشأن مسألة مستقبل سوريا، وذلك بسبب الدور المركزي لإيران في القتال البري من جانب الائتلاف الموالي لـ"الأسد". بالإضافة إلى ذلك، تبقى إيران حليفاً لروسيا في المعسكر المعادي للغرب في الساحة العالمية. في الوقت نفسه، ليس لدى روسيا أي مصلحة في الدخول في صراع مع إسرائيل، وبالتأكيد قدرة إسرائيل على إلحاق الضرر بنظام "الأسد"، إذا لم تكن قادرة على إحباط طموح إيران في ترسيخ نفسها عسكريًا في سوريا وخلق تهديد مباشر لإسرائيل.

بعيدا عن وضع إسرائيل كقوة إقليمية رائدة مع القدرة على تعطيل أي نشاط معادٍ في المنطقة، تعتبر روسيا أيضاً إسرائيل كجسر محتمل بين موسكو وواشنطن، في ضوء العلاقة الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة. وخلال نفس الأسبوع الذي افتتحت فيه السفارة الأمريكية في القدس، حضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو احتفالا في موسكو إلى جانب فلاديمير بوتين، بمناسبة ذكرى الانتصار على ألمانيا النازية. وكان مسؤولو الخارجية والشؤون الخارجية الروسية الذين يدعمون إيران، ولا يتعاطفون مع إسرائيل، وهم معادون للغرب أيضا، ينتقدون ظهور "نتنياهو" إلى جانب "بوتين" في موكب النصر وعُزف النشيد الوطني الإسرائيلي الذي يحمل اسم "هاتكفا" أي "الأمل"، في الساحة الحمراء. الرئيس بوتين، بصداقته الواضحة مع إسرائيل، يشير إلى إيران بأن علاقات موسكو مع طهران يجب ألا تُفهم على أنها خيار واضح على الجانب الإيراني. السؤال هو إلى متى ستنجح روسيا في المناورة بين إيران وإسرائيل والسيطرة على الأحداث في بطريقة تجعلهم يبتعدون عن السيطرة؟ الجواب هو أنه طالما استمرت الحرب الأهلية والحرب بالوكالة في سوريا ، فستستمتع روسيا على ما يبدو بمستوى عالٍ من الحرية والمرونة في مناورتها بين الجانبين.

وجدت السياسة الروسية تعبيرًا في نتائج اجتماع بوتين نتنياهو خلال الأحداث التي أقيمت بمناسبة ذكرى الانتصار على ألمانيا النازية. أولا، فيما يتعلق بمسألة حرية العمل الإسرائيلية في المجال الجوي السوري، ستستمر إسرائيل على ما يبدو في النظر والتنسيق الجوي المستمر مع روسيا. ومن الأمور ذات الصلة أيضًا، طلب إسرائيل عدم تزويد السوريين بنظم الصواريخ S-300، وهو ما وافق عليه الروس في الوقت الحالي. أما بالنسبة للقضية الحساسة للغاية لوجود إيران في سوريا، فإن موسكو تطمح للتوصل إلى حل وسط في وساطة بين الجانبين. وهي تنوي كبح جماح إيران وطمأنة إسرائيل، خوفًا من اندلاع المواجهة وإمكانات التهديد الإسرائيلي لإلحاق الضرر بنظام الأسد، فضلاً عن موقف روسيا كوسيط دولي. تتضمن التسوية التي يسعى إليها الروس قيودًا على نشر القوات الإيرانية وقوات الوكلاء الإيرانيين في سوريا، خاصةً أنها بعيدة كل البعد عن الحدود السورية – الإسرائيلية، بحيث لا تشكل تهديدًا مباشرًا لإسرائيل (ليس من الواضح إذا كان الاقتراح الروسي يتعلق أيضًا بنشر أنظمة الأسلحة الإيرانية في سوريا، وخاصة صواريخ أرض - أرض وأنظمة دفاع جوي). كعنصر آخر فيما يتعلق بالمستقبل، وخلال زيارة الأسد الأخيرة إلى سوتشي (في 17 مايو)، شدد بوتين على ضرورة إخراج القوات الأجنبية من سوريا، وفي اليوم التالي أوضح مبعوث بوتين أن هذا كان في إشارة إلى جميع القوات الأجنبية في سوريا، بما في ذلك إيران وحزب الله وتركيا والولايات المتحدة (تمت صياغة هذا البيان في الأصل في مؤتمر سوتشي، الذي عقد في بداية عام 2018، ومن المنظور الروسي لا يشمل القوات الروسية التي تم نشرها بدعوة من حاكم سوريا الشرعي واستأجروا قانونيًا قواعدهم).

كما شدد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو على مسألة الوجود الإيراني في سوريا في خطاب ألقاه في 21 مايو، دعا فيه إيران إلى إزالة قواتها من البلاد. علاوة على ذلك، هدد "بومبيو" بأن الولايات المتحدة سوف "تسحق" وكلاء إيران، ووعد بأن "إيران لن يكون لها مطلقًا مرة أخرى تفويضاً مطلقاً للسيطرة على الشرق الأوسط". في الواقع، توفر إدارة "ترامب" لإسرائيل دعماً واسع النطاق لمنع إيران من الاندماج في سوريا. لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستعمل على تحقيق هذا الهدف بدلاً من إسرائيل. في هذه الحالة، وبعد الضربات الإسرائيلية المكثفة ضد المواقع والمرافق التي تخدم قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني في سوريا رداً على إطلاق الصواريخ في هضبة الجولان، يصعب تخيل موافقة إسرائيل على تسوية روسية تتضمن وجود عسكري إيراني في سوريا، والذي يشكل تهديدًا لإسرائيل وغير مطلوب لجهود التحالف الموالية لـ"الأسد" ضد قوات المتمردين. ولكن بما أنه لا إسرائيل ولا إيران مهتمتان بتصعيد مواجهتهما إلى حرب، فيمكنهما السماح لروسيا بلعب دور قوة الوساطة والتقييد من أجل السيطرة على مستوى التصعيد وإيقاف الأطراف المتصارعة عندما تخرج الأحداث عن السيطرة أكثر مما أظهرت إيران وحزب الله في السنوات الأخيرة.

*معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي: معهد أبحاث إسرائيلي يتناول قضايا الشرق الأوسط، ويركز على الوضع السوري والإيراني بشكل خاص. غالبا ما تعتبر وجهات نظره وأبحاثه ودراساته في الأوساط الصحفية، معبرة إلى حد كبير عن توجهات القيادة السياسية والاستخباراتية في إسرائيل، ويعتبر من المؤثرين على صناعة القرار، باعتبار أن أغلب باحثيه عملوا في مؤسسات الاستخبارات والمؤسسات العسكرية الإسرائيلية.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات