"جارديان": لا يمكن لوم الشرق الأوروبي على جميع مشاكل أوروبا

الانتخابات الإيطالية تدفع بالشعبويين إلى الواجهة - صورة أرشيفية

ناتالي نوجايريدي (جارديان)

الخميس 24-05-2018 | PM 02:55 | | الزيارات: 39

على خلفية الأحداث المتصاعدة سواء في الشرق الأوسط أو بين امريكا وأوروبا، بدأت أفق جديدة بالظهور وأخذت تفرض نفسها على الواقع بقوة. الكاتبة هنا تسلط الضوء على هذه الأفق داخل أوروبا، وهي أنه هناك فئة معينة من المجتمعات أوالمواطنين تستحق وصفها بالازدراء أو بالعجرفة. هذه الفئة محددة جغرافيًا، إنها في الشرق في بروكسل وباريس وبرلين، وفي أماكن أخرى من الجزء الغربي من القارة، وقد وصلت إلى حد الحكمة أن يوصف "الشرقيين" على أنهم مفسدون في دائرة الاتحاد الأوروبي. لكن هل يعد هذا منصفاً؟

في الأسبوع الماضي، بدا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يعد الشخصية المثالية لأوروبا باعتباره ينادي بالديمقراطية الليبرالية، وكأنه يتحدث بنفس الرؤية الغربية المتعالية: "لقد أظهرت السنوات الخمسة عشرة الماضية مسارا أضعف بالنسبة لأوروبا من خلال التفكير طوال الوقت بأنه ينبغي توسيعها". وأضاف: "صعود النزعة الشعبوية في بلدان الكتلة الشيوعية السابقة شجعت الفكرة القائلة بأنه إذا لم تكن أوروبا الوسطى والشرقية، فإن الأمور كانت ستمشي بسلاسة أكبر في الاتحاد الأوروبي. ربما حان الوقت لفضح بعض الصور النمطية".

هذا لا ينفي وجود مشاكل خطيرة، ومنها فقد خضعت حكومة بولندا الوطنية المتشددة للغاية إلى إجراءات المفوضية الأوروبية لخرق حكم القانون، حيث تسببت فيكتور أوربان الذي بات يعتبر "علامة تجارية" للديمقراطية غير الليبرالية في المجر، في الكثير من المشاكل.

العام المقبل سيصادف الذكرى الثلاثين لثورات عام 1989 التي تم من خلالها إعادة توحيد أوروبا. لكن يبدو أن هذه الذكرى ستشوبها حالة من الحدة والتوتر. لقد بلغ "الشرق" حالة بات فيها منبوذا. إن الأوروبيين من وسط وشرق أوروبا يتجهون إلى المنطق القائل بأنه "ليس ما يهمهم المال فقط". فيما يخص المشروع الأوروبي هم يشاركون فقط من أجل المال، فهم لا يتعاونون مع بروكسل كما ينبغي، بل مصدر إزعاج أيضا، وسط مشاعر كره للأجانب، وتسلط على الاستبداد، وهنا نطرح سؤالاً: "ما هي نسبة نجاح الاتحاد الأوربي بدونهم؟".

لكن ألم ننس شيئا آخر؟ أنظروا مثلا إلى نتائج الانتخابات الأخيرة في إيطاليا: من المقرر الآن أن يقوم الشعبويون المناهضون للهجرة والمتطرفين اليمينيين بتشكيل الحكومة المقبلة في ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو. وماذا عن النمسا، حيث يحتل حزب الحرية اليميني المتطرف ثلاث وزارات رئيسية؟

في ألمانيا، لا يقتصر دور حزب البديل اليميني المتطرف لألمانيا، على 92 مقعداً في البوندستاج (وهو الأول لحزب متطرف منذ الحرب العالمية الثانية)، ويبدو أن إيديولوجيته الآن تسيطر على كيفية قيام حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي CSU الحاكم في بافاريا بالإعداد للانتخابات في الخريف في تلك الدولة القوية. كما لا يمكن القول إن فرنسا، على الرغم من هزيمة مارين لوبان، قد تخلصت من مشاعر كره الأجانب والمشاعر المعادية للمسلمين.

إن نسب جميع مشاكل أوروبا إلى الشرق، هو ببساطة خداع إلى حد كبير، وليس هذا فحسب، بل إن قراءة أوروبا على طول خطوط الشرق والغرب تخاطر بتغذية الانقسامات ذاتها التي يقول المؤيدون لأوروبا أنهم يريدون حلها أو إصلاحها. إن الخطابات المتبادلة تنتشر ويكثر فيها المشاحنات التاريخية، حيث كان تأثير ألمانيا مصدرًا واضحًا للاستياء.

قد يساعد تحديد الأرقام القياسية في سمات وأخطاء أوروبا المثيرة للقلق في إذكاء الشعور بالسعي الجماعي، الذي يبدو أنه يفتقر بشدة إليه هذه الأيام. ومنها نذكر أنه في عام 2005، كان المواطنون الفرنسيون والهولنديون (الذين صوتوا في الاستفتاءات)، هم الذين وجهوا ضربة قوية لخطط تحقيق المزيد من التكامل الأوروبي عن طريق رفض الدستور الأوروبي الجديد المقترح، وليس الشرقيين الجدد المعترف بهم. ولا تعتبر أوروبا الوسطى والشرقية كتلة متجانسة. على سبيل المثال، سلوفاكيا عضو متشدد في منطقة اليورو وتدعم بعض الشرقيين خاصة في دول البلطيق، ودعم مشاريع الدفاع المشتركة للاتحاد الأوروبي.

إن العلاقات بين الشرق والغرب داخل الاتحاد الأوروبي أصبحت الآن مشحونة للغاية لدرجة أنه أصبح من المغري توخي الحذر من عواقب إعادة توحيد أوروبا، بدلاً من الإشادة بها باعتبارها إنجازًا كبيرًا للكرامة الإنسانية وحرية الدول في اختيار مصيرها، في قلب قارة دمرتها الحرب والشمولية في القرن العشرين.

الشعوب في أوروبا الشرقية تعاني من الإحباطات المعاصرة الحقيقية، حيث (الأجور أقل بكثير، لهذا اللحاق بالغرب يبدو وكأنه عملية لا نهاية لها). كما أنهم غارقين في مظالم تاريخية عميقة. يعتليها أيضا شعور لا يمكن وصفه إلا بـ"التخلي والتماهي" بعد الحرب العالمية الثانية، والفكرة القائلة بأنه لو كانت أوروبا الغربية  قد تعاملت بحكمة في النصف الثاني من القرن الماضي، وقد كان هذا بسبب فقرها، لكان النصف الشرقي تُرك ليعاني في ظل الديكتاتورية. أو بمعنى آخر، لكان تم التضحية به.

اعتقد الأوروبيون الغربيون أن سد الفجوات النفسية المنبثقة عن الاختلافات في التجارب التاريخية سيكون أسهل. ولكن في الشرق، لديهم مشكلة أخرى تماماً، هي أن التغلب على الصدمة الدائمة كونهم جزءًا من "أرض الدم" في أوروبا، حيث تتقارب جرائم النازية والستالينية، تبقى مهمة لم تتحقق بعد. مهمة لا يستطيع الغربيون استيعابها تمامًا، وذلك ببساطة لأن ذاكرتهم مختلفة.

 إن غض البصر لا يعني بالضرورة التحول إلى تراجع ديمقراطي، فيجب على الاتحاد الأوروبي أن يدافع عن مبادئه إذا أراد البقاء. ولكن الاعتراف بالعبء والآلام التي تحملها الجيران الشرقيون يجب أن تحدث إلى جانب الإشادة بتراث سلطة الشعب في عام 1989، وهذا قد يكون له دور في نزع فتيل بعض من منازعات اليوم.

في براتيسلافا، التقيت مؤخراً بالكاتب فيدور جال، أحد أبطال انتفاضة عام 1989 في تشيكوسلوفاكيا. عندما سألته عن التوترات بين الشرق والغرب في أوروبا اليوم، قال: "علينا أن نفهم أن أوروبا هي المسار، وليست مجرد مصدر للدخل". إذا أردنا إيجاد طريقة للتواصل مع بعضنا البعض، وليس فقط الشجار حول الحصص أو المال، نحن بحاجة أن نثبت أننا مدركون للتاريخ. إن المناشدة على سوء السلوك عند حدوثه أمر ضروري، ولكن ليس كافيًا. نحن الغربيين نحمل حصتنا الخاصة من المسؤولية عن آلام أوربا. علينا أن نعترف أنه بالنسبة لنا أيضًا، فإن المشروع الأوروبي هو المسار.

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات