"نيويورك تايمز": تحالف "الصدر والعبادي" يدفع بالعراق إلى الاستقرار.. ويحرر الدولة من سيطرة "طهران"

الإثنين 21-05-2018 | PM 09:50 مقتدى الصدر وحيدر العبادي في لقاء سابق - صورة أرشيفية

منة العريبي (نيويورك تايمز)

برز رجل الديني الشيعي المخضرم مقتدى الصدر، الذي تنافس في الانتخابات العراقية على قائمة شاملة غير طائفية مع الشيوعيين والمستقلين وجماعات المجتمع المدني الليبرالية، كفائز في الانتخابات التي أجريت الأسبوع الماضي. حصلت قائمة "الصدر" الانتخابية، التي تسمى باللغة العربية "سائرون"  على أكبر عدد من الأصوات، على الرغم من أن 56% من الناخبين في العراق ابتعدوا عن مراكز الاقتراع ولم يصوتوا في الانتخابات. خلال الحملة الانتخابية، وعد "الصدر" بمحاربة الفساد والعمل عبر الخطوط الطائفية وجلب "التكنوقراط" لإدارة الحكومة.

لم تحصل قائمة رئيس الوزراء حيدر العبادي مكان الصدارة في الانتخابات.  لم تصوت "بغداد" لصالح "العبادي"، ولكن قائمته الانتخابية حصلت على دعم في الموصل، المدينة التي دمرها تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وحُررت تحت قيادته. وعلى الرغم من فقدان الأصوات، عزز "العبادي" سمعته، حيث كانت الانتخابات نزيهة ولم يتهمه أحد بالاحتيال أو الترويع أو إساءة استخدام السلطة. لكن أغلبية الناخبين الذين ابتعدوا عن مراكز الاقتراع، هي إشارة رفض واضحة للنظام الذي فشل في تحقيق السلام والأمن، ناهيك عن الرخاء. وغالباً ما تعقب الانتخابات في العراق مفاوضات فوضويّة وطويلة بين شركاء الائتلاف.

من المرجح أن يختار "الصدر"، الذي ليس لديه أرقام كافية لتشكيل الحكومة بمفرده، "العبادي" كشريك في الائتلاف لحكومة جديدة. "العبادي"، الذي تعد قائمته من بين أكبر خمسة فائزين في الانتخابات، وافق بقبول النتائج –وهي بادرة نادرة- وهنأ "الصدر" على نجاحه.

إن التحالف بين "الصدر" و"العبادي" سيحرك العراق نحو دولة أكثر استقرارًا وشمولية وأقل فسادًا، وهذا من شأنه أن يقلل من قبضة إيران على الدولة ويخلق مجموعة أكثر توازناً من العلاقات مع جيرانها.

هادي العامري هو المرشح المفضل لإيران لقيادة حكومة عراقية جديدة. "العامري" يرأس منظمة "بدر"، وهو أحد قادة قوات الحشد الشعبي، التي تهيمن عليها مجموعات الميليشيات المدعومة من طهران، والتي حاربت الدولة الإسلامية مع الجيش العراقي. وقد نجح "العامري" في تحويل مكاسب ساحة المعركة إلى ثاني أكبر عدد من الأصوات لقائمته الانتخابية.

لقد تحدث "الصدر" علانية عن الحاجة لنزع سلاح حزب الجبهة الديمقراطية، ودعا إلى دمج عناصره في القوات العراقية الرسمية، ورفض مرارا فكرة أن يكون لدى العراق "جيشان". وباعتباره قومي ينتقد صراحة الدور الإيراني في العراق، صرح "الصدر" في عدد من المقابلات مع وسائل الإعلام المحلية العراقية بأن العراق "يجب أن يظل خالياً من طموحات جيراننا".

وفي حين أن "الصدر" لديه ماضٍ متقلب، بما في ذلك عنف جيش المهدي التابع له، يبدو أن تحالفه الجديد ومواقفه السياسية هي الخيار الأفضل للعراق. يمكن للتحالف بين "الصدر" و"العبادي" أن يحرك العراق نحو دولة أكثر استقرارًا وشمولية وأقل فسادًا. كلاهما ابتعد عن الفساد الذي أصاب الكثيرين ممن هم في السلطة في العراق. ويمتلك "العبادي" خبرة في الحكومة، وهو معروف عالميًا وقد أثبت أنه سياسي قادر، أما "الصدر" فلديه شعبية واسعة ويمكن أن يوفر شرعية للجهود ضد الفساد.

كلاهما لديه دعم من قاعدة إسلامية شيعية. وقد تعهد كلاهما بجلب شخصيات تكنوقراط في المناصب الوزارية، وهي خطوة ضرورية لإقناع الوزارات العراقية بالعمل وتقديم الخدمات، وألا تشكل مجرد مصادر لرعاية مختلف الأحزاب السياسية. وسيتعين عليهما أيضا ضمان أن يكون تحالفهما شاملا، من حيث نوع الجنس والعرق، لتوسيع نطاق جاذبيتهم. "الصدر" و"العبادي" هما قادة إسلاميون عراقيون أولا، فهم لا يركزون على هوياتهم الشيعية وقد ظلوا إلى حد كبير بعيدين عن سيطرة "طهران". ويجب على الولايات المتحدة والدول العربية اغتنام الفرصة ودعمهما. ويمكن لـ"العبادي" أن يساعد في بناء علاقة جديدة بين "واشنطن" و"الصدر" الذي قاتل القوات الأمريكية بعد الغزو وأًصدرت مذكرة توقيف ضده في عام 2003.

وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان، سارع إلى الترحيب بفوز "الصدر". وفي العام الماضي، زار "الصدر" المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والتقى مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد. وقد نجح العبادي في جني ثمار التواصل مع الدول العربية خلال فترة ولايته. وتستطيع حكومة بزعامة "الصدر" و"العبادي" البناء على المشاركة الأولية مع الدول العربية.

المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أعلنتا الالتزام بالمليارات لمساعدة العراق في عمليات إعادة الإعمار. ويمكن لحكومة جديدة في العراق العمل من أجل جذب الاستثمارات من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لتعزيز نمو القطاع الخاص، وهو أمر حيوي للتنويع الاقتصادي في العراق. يمكن لـ"العبادي" أن يساعد في الحفاظ على توازن دقيق بين المنافسين الإقليميين، حيث دعم بناء العلاقات مع الدول العربية وحافظ على العلاقات مع إيران في نفس الوقت.

بعد نتائج الانتخابات، أرسلت إيران على الفور قاسم سليماني قائد فيلق القدس إلى "بغداد"، للتأكد من أن نفوذها لن يتأثر بتشكيل الحكومة المقبلة. أما "العامري" فهو يناور مع زملائه وحلفائه مثل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لتشكيل حكومة أحزاب إسلامية شيعية، وهي خطوة من شأنها أن تدفع العراق إلى الوراء في فتنته الطائفية.

إن أداء "الصدر" القوي يضمن عدم قدرة "طهران" على تشكيل حكومة عراقية جديدة بالكامل تحت سيطرة إيران. وسوف تسعى قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران وحلفائها لقلب الأمور لصالحهم من خلال محاكاة حزب الله اللبناني. إن قوات الحشد الشعبي رفضت جهود الاندماج في القوات العراقية. هم يريديون البقاء مؤسسة مستقلة منفصلة، ويحافظون على أسلحتهم بينما يستخدمون السلطة السياسية ككتلة في البرلمان، حيث يمكنهم استخدام "حق النقض" لوقف أو إعاقة أي تشريعات بهدف شل الحكومة، وهو درس آخر تعلموه من "حزب الله".

مؤيدو "المالكي" وقوات الحشد الشعبي يمكن أيضا أن يبرهنوا على معارضتهم لحكومة ائتلاف الصدر - العبادي في الشوارع، وهو ما يحمل خطرا كامنا وراء موجة جديدة من العنف.

هناك تحديات أمنية أخرى ستواجهها الحكومة العراقية الجديدة، حيث لا يزال إقليم كردستان العراق المتمتع بالحكم الذاتي يعاني من تداعيات استفتاء الاستقلال غير المستصوب. وكانت هناك اتهامات بالاحتيال وترهيب الناخبين وهناك مخاوف متزايدة من الشباب العاطلين عن العمل في المنطقة من أن يتحولوا إلى العنف. يجب على أي حكومة جديدة في "بغداد" معالجة مشاكل الرواتب غير المدفوعة في إقليم كردستان وكسب ثقة المقاتلين البيشمركة.

رغم أن الحكومة العراقية أعلنت رسميا النصر في حربها على الدولة الإسلامية في يوليو الماضي، إلا أن السلام لم يحل بعد. لم يتم بعد إصلاح الفشل السياسي، بما في ذلك الفساد عبر القطاعات الحكومية والانقسامات الطائفية، التي سمحت بظهور الدولة الإسلامية.

يجب أن تتفق الأحزاب السياسية على إطار للحكم، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمحاربة الفساد. يجب عليهم ضمان عدم ترك الأمن المحلي للميليشيات وتجنب خلق فراغ، والذي سيشغله المتطرفون بالتأكيد. يستطيع "الصدر" مواجهة هذه التحديات مع الحلفاء المناسبين داخل العراق وخارجه.

*منة العريبي.. رئيس تحرير مجلة "ذا ناشيونال" الإماراتية في "أبوظبي"

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات