ثورة أوروبية ضد "واشنطن".. هل تكون نقطة تحول في العلاقات الأمريكية الأوروبية؟

هل تقترب

أليكس كوركا

الإثنين 21-05-2018 | PM 08:58 | | الزيارات: 68

طرحت قمة البلقان بين الاتحاد الأوروبي ودول غرب البلقان في 16 و17 آيار/مايو مشاكل الاندماج. ولكن كانت هناك قضية أخرى طاغية بشكل أكبر على الاجتماع. واتضح فيما بعد أن الاجتماع يمثل حدثاً تاريخياً سيسجل في التاريخ، باعتباره اليوم الذي توحدت فيه أوروبا لتحدي الولايات المتحدة علانية. الاتحاد الأوروبي لن يقوم بمراجعة الصفقة النووية الايرانية (خطة العمل المشتركة الشاملة)، ولن ينضم إلى العقوبات المفروضة ضد طهران التي أعيد صياغتها وتكثيفها من قبل أمريكا. اتخذت "واشنطن" قرار الانسحاب بمفردها من خطة العمل المشتركة الشاملة التي كانت القشة الأخيرة، وهذا الانسحاب أدى إلى أنهيار الوحدة الغربية. وجد الأوربيون أنفسهم في مواجهة معضلة كبيرة. ليس هناك أي فائدة لأي نقاش إذا لم يكن الاتحاد الأوروبي قادرا على حماية أعضائه، ولكنه الآن قادر على ذلك.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لديه أسبابه للانسحاب من صفقة إيران النووية، ولكنه لا يزال بحاجة لقوة أوروبا لدفع إيران لتوقيع اتفاقية أفضل. هل كان كل هذا لتحقيق ذلك؟ وفي حال تحقيق ذلك، الإدارة الأمريكية ستعتبره انتصارا كبيرا. "واشنطن" لا تتردد في تهديد حلفائها بإجراءات عقابية، لكن الاتحاد الأوروبي يقف له بالمرصاد، وهو ما يؤدي إلى تأزم الوضع أكثر. كما قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك: "مع أصدقاء مثل (ترامب).. من سيحتاج إلى أعداء له؟". ووفقاً له، رئيس الولايات المتحدة " قد يخلص أوروبا من جميع الأوهام". "تاسك"  يريد من أوروبا "أن تتمسك بقوتها ونفوذها" ضد سياسات الولايات المتحدة الجديدة. وهنا يعتقد جين كلود يونكر رئيس مفوضية الاتحاد الأوروبي بأنه "على أوروبا انتزاع السلطة من أمريكا وأخذ دورها كقوة عالمية"، وهذا لأن "واشنطن" تخلت عن حلفائها، بدون أدنى شك "واشنطن" لم تعد تريد التعاون: "لقد  تحولت عن العلاقات الودية إلى الوحشية". ويعتقد "يونكر" أن الوقت مناسب تماماً لأوروبا "لاستلام دفة القيادة من الولايات المتحدة التي من الواضح أنها فقدت نفوذها كقوة فاعلة دولية.

لم يكن من الممكن حتى التفكير أن يصرح مسؤول كبير في الاتحاد الأوروبي بمثل هذه التصريحات قبل فترة وجيزة، ويتحدى القيادة العالمية للولايات المتحدة. لكن يبدو أن ما لم نكن نتصوره أصبح حقيقة. إن عملية الابتعاد عن أمريكا ليست مجرد كلمات تقال للتعبير عن الغضب أو لفتح جبهة من التحدي. هذه العملية في طور التخطيط الآن وقيد الدراسة لتحويلها إلى خطوات عملية، إضافة إلى ذلك يود الاتحاد الأوروبي التخلص من استخدام العملة الأمريكية في مدفوعاتها مقابل النفط الإيراني. ويمكن تحقيق ذلك. سابقا، أطلقت إيران وروسيا برنامجاً (النفط مقابل السلع)، وبهذا لم يتم الاعتماد على العملة الأمريكية. ولتفعيل مجموعة الخطط التي تعود إلى قانون 1996 وهو ما يعرف بـ(قانون الحظر)، وينص على حظر الشركات الأوروبية من الامتثال للعقوبات الأمريكية على إيران. إضافة إلى أن التشريع  يحمي "ضد الآثار المترتبة على تطبيق التشريعات خارج نطاق الأراضي التي يعتمدها بلد ثالث".

سبق أن ناقش الاتحاد الأوروبي وإيران هذا الأمر. ويبدو أن أقرب حلفاء الولايات المتحدة هو من سيحمل على عاتقه مسؤولية توجيه أول ضربة قوية ضد الهيمنة الأمريكية العالمية، وهذا برهان على روح سياسة "عدم التراجع أو الاستسلام" قبل الحرب غير المتوقعة حتى الآن بكل المقاييس.

صحيح أن هذا سوف ينطبق على قطاع صغير نسبياً من الأنشطة التجارية، ولا يمكن المقارنة بين حجم سوق إيران التي تبلغ 400 مليار دولار مع سوق أمريكا التي تبلغ 18 تريليون دولار. لكن العامل الأهم هنا، هو إظهار الإرادة السياسية للتصدي لتحدي أمريكا. كل هذا الصدع مؤشر لحرب تجارية تلوح في الأفق في قطاع الألومنيوم والصلب، وانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقيات باريس المناخية، وأيضاً نقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس دون الرجوع إلى الحلفاء، والجدل حول مسالة الإنفاق الأوروبي لحلف شمال الأطلسي.

اجتمع رؤساء الدفاع في الاتحاد الاوربي على مستوى اللجنة العسكرية للاتحاد الاوربي في 15 مايو/آيار لمناقشة انخراط أكثر عمقاً وسياسة دفاعية مستقلة تتمتع بكفاءة أكبر في ظل تقليل النفقات، اعتماداً على طلب الولايات المتحدة بزيادة تلك النفقات تحت رعاية حلف الناتو. إن اتفاقية "التعاون الهيكلي الدائم في مجال الأمن والدفاع" تشكل الركيزة الأساسية لسياسة الدفاع للاتحاد الاوربي، وهذه تعتبر اتفاقية أوروبية بحتة.

ساندرا أودكيرك نائبة مساعد وزيرة الخارجية الأمريكي لشؤون الطاقة، تهدد بفرض عقوبات على الأوروبين في حال استمرارهم  بمشروح خط أنابيب "نورد ستريم 2" لاستيراد الغاز من روسيا عبر بحر البلطيق. وهذه الدولة (روسيا) أيضا ينظر إليها على أنها خصم للولايات المتحدة، ونهج التقارب الكبير معها يشبه الوضع مع إيران، وكأن الولايات المتحدة تصدر أوامر إلى أوروبا يجب أن تتبناها بدون طرح الكثير من الأسئلة.

إيران و"نورد ستريم 2" وحدا موسكو وبروكسل في معارضتهما لهذه الإملاءات. وقعت إيران في 17 مايو/آيار اتفاقية التجارة الحرة مع روسا بقيادة الاتحاد الاقصادي الأوروبي الأسيوي الذي يطالب بزيادة المستويات الحالية للقيم التجارية إلى 2.7$ بليون. الصفقة من شأنها تقليل أو إلغاء الرسوم الجمركيةً، كما أنها تسعى لتأسيس عملية مدتها 3 سنوات للتوصل إلى اتفاق تجاري دائم. في حال أصبحت إيران عضواً بهذه المجموعة، سوف تستثمر أفقها الاقتصادية إلى ما وراء الشرق الأوسط، وفي هذه الحالة أوروبا وروسيا على خط مستقيم معاً، كلاهما يجريان محادثات مع إيران للتعاون الاقتصادي.

أصدر الرئيس دونالد ترامب تعليماته لوزير الخارجية مايك بومبيو لإعداد قائمة عقوبات جديدة ضد الاتحاد الروسي بسبب انتهاكاته المزعومة لمعاهدة القوى النووية متوسطة المدى لعام 1997. من جهة أخرى، هذه هي نفسها الاتفاقية التي انتهكتها الولايات المتحدة بشكل صارخ وعلني. لكن لم يعلن أي شخص في أوروبا عن رغبته في امتلاك أسلحة متوسطة المدى في أراضيها، والتي ستكون هدفاً لصد هجوم روسي انتقامي محتمل. إنه مثال لمشكلة أوروبية أخرى في ظل استمرار صناعة القرار في "واشنطن".

إذا كانت أوروبا مصممة على صد محاولات الولايات المتحدة لفرض سياساتها على إيران، فلماذا عليها تحمل الضغط للحفاظ على سلامة العقوبات ضد روسيا؟ شهد 17 مايو/آيار نقطة تحول في العلاقة الأمريكية الأوروبية. انضم الأوروبيون إلى صفوفهم لمقاومة السياسة التي تتعدى على حقهم في تقرير مصيرهم. إنها أوروبا، وليس الولايات المتحدة، التي تتأثر سلبًا بالتدابير العقابية، ما يخلق انقسامات عميقة داخل الاتحاد الأوروبي في وقت تواجه فيه هذه المجموعة الكثير من المشاكل. لقد آن الأوان لـ"بروكسل" أن توقف هذه السياسة وتصيغ سياساتها المستقلة بشأن روسيا وإيران والدفاع وقضايا أخرى، لحماية المصالح الأوروبية، وليس مصالح الولايات المتحدة الوطنية. 17 مايو/آيار هو اليوم الذي بدأت فيه الثورة ولا مجال للتراجع . لقد دعت أوروبا إلى الوحدة عبر الأطلنطي. يبدو أن لديها ما يكفي للقيام بهذه الخطوة.

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات