المقاومة والحياة: الكفاح الكردي من أجل الحرية

السبت 26-05-2018 | PM 05:09 صورة أرشيفية

سارة جلين (ناشيونال إسكتلندا)

لطالما كان لنهر دجلة والفرات صدى في التاريخ القديم، ولكن اليوم أصبح "مهد الحضارة" هذا ساحة معركة تحدد مستقبل الحضارة. يصف المحليون ما يحدث في هذه المنطقة بالحرب العالمية الثالثة. وهذا اعتراف ليس فقط بحجم القتال، ولكن بحجم القضايا المطروحة.

لقد ساعدت الرأسمالية النيوليبرالية  في المنافسة الإمبريالية الجديدة على السلطة والسيطرة، بينما حرب العصابات التي أطلقت تحت شعارات الدين، تهدف إلى الاستفادة من الفوضى. لا الجهاديون الناشطون ولا المجمع العسكري الصناعي يقدمون الأمل للمستقبل. لكن الفوضى في الحرب الأهلية أحدثت شروخاً وفتحت المجال لنمو مجتمع بمنظومة قيم مختلفة كلياً. لقد كنت أراقب هذه التطورات من بعيد، لكن هذا الشهر سنحت لي الفرصة للذهاب لرؤيتهم بنفسي كمشارك في وفد نسائي إلى الفيدرالية الديمقراطية الكردستانية في شمال سوريا.

على الرغم من تاريخ المنطقة الطويل، فإن بلداتها ومدنها عبارة عن مجموعات حديثة نسبياً من الخرسانة المسلحة. ومع ذلك فقد اكتسبت مدينة كوباني سمعة أسطورية بسبب مقاومتها. ومن هنا، في معركة استمرت من سبتمبر 2014 إلى يناير/ كانون ألأول 2015. كانت الهزيمة الأولى من نوعها لـ"داعش"، مقاومة كوباني أجبرت العالم أن يسأل من هم هؤلاء الأكراد، دافعوا عن مدينتهم على عكس كل التوقعات، وما ميز هذه القوة أن الجيوش المجهزة بالسلاح والعتاد قد فشلت.

 من الواضح أن جزءًا من الإجابة يكمن في عدم وجود أي بديل. على الرغم من أن معظم السكان تم إجلاؤهم إلى تركيا، إلا أنهم كانوا يعلمون أنه ليس لديهم مستقبل هناك. لكن الأكراد كانوا أيضا مندفعين بقوة ثورية من أجل خلق مجتمع جديد.

هذه القوة لها أبعاد أكثر من كونهم مجرد مقاتلي وحدات لحماية الشعب المؤلف من الشباب (YPG) والشابات (YPJ)، وكان هذا واضحاً من خلال لقاءاتنا مع العديد من الاشخاص، ولكن من بين كل من التقيناتهم كانت هناك اثنتين من الشابات المفعمات بالحيوية في منتصف عمرهن، سارة وعديلة، وقد سردتا لنا كيف قامتا بطهي الطعام للمقاتلين أثناء حصار كوبانى، بما فيهم مقاتلي "داعش" العدوانيين أيضا، انطلاق من المبدأ الأخلاقي الذي يعملون به. على الرغم من الظروف الرهيبة والعنف الذي لا يطاق، أخبرتنا عديلة أنهم سعداء لأن عملهم كان حيويا.

لقد ترسخت قوة التغيير قبل فترة طويلة من الربيع العربي والحرب الأهلية السورية. خلال 1980و1990، مُنح عبدالله أوجلان وحزبه العمال الكردستاني (PKK)  اللجوء من قبل النظام السوري (الذي لا يحب تركيا) وجاءوا معهم ببرنامجهم اليساري الراديكالي من أجل الديمقراطية العلمانية وتحرير المرأة. وأوضحت عديلة أن أوجلان زوّدهم بأيديولوجية وفلسفة وطريقة لتنظيم أنفسهم، وساعدهم على تحمل مسؤولية إرادتهم.

تحت حكم الرئيس السوري بشار الأسد لم يكن هناك مجال لأي معارضة مفتوحة. لم يستطع الأكراد حتى الاحتفال بمهرجان الربيع (عيد النوروز)، بينما شرحت لنا امرأة أخرى، صور لقادة السياسيين كان يتم إبقاءهم في الخفاء وإخراجهم في الليل فقط. لكن عند نشوب الحرب الأهلية، كانت المنظمات الكردية السورية مستعدة لتولي السيطرة. بعد ذلك، أوضحت سارة  أن عبارة "إذا تم رفع الصخرة، البراعم الخضراء سوف تنضج من تحتها"، خير مثال على إرادة الشعب المتعطش للحرية، والآن يمكن أن تنفجر.

تعاليم "أوجلان" أعطتهم القوة والهدف لبدء بناء مجتمع إنساني جديد، لكن العقبات التي سحقتهم لم تكن جميعها من صنع النظام. كان يجب تحرير أنفسهن من الهياكل الذكورية التقليدية ضمن ثقافتهم وعوائلهم، وتحرير المرأة أصبح المحور الرئيسي والمركزي لأيديولوجية عبدالله أوجلان والثورة الكردية. ويشمل ذلك ضمان مشاركة المرأة من خلال الحصص والرئاسة المشتركة في جميع الهياكل الجديدة، ومن خلال منظمات نسائية منفصلة.

في المنظمات التي زرناها، رأينا الكثير من الأمثلة على العلاقات السلسة والاحترام المتبادل بين الجنسين، لكن هناك حاجة إلى التحول في الوعي الاجتماعي بشكل كبير. وبينما تشجع النساء للوقوف ضد العنف المنزلي، سمعنا شكاوي من الرجال في ارتفاع معدلات الطلاق.

إن المجتمع الذي يتم تأسيسه على أسس ديمقراطية، يشجّع أكبرعدد ممكن من الناس على المشاركة بنشاط في تشكيل مجتمعهم. ذهبنا إلى منظمة نسوية محلية أو كومون، جمعت النساء من 11 شارع وكانت واحدة من 65 كومونا مماثلة في كوباني. التقينا في القاعة الصغيرة التي لم يكن بها سوى أرضية خرسانية وكراسي بلاستيكية. صور الشهداء معلقة على الجدران الذين قتلوا وهم يدافعون عن الحرية لمجتمع أفضل، مع الشهداء الذين استشهدوا في عائلات النساء، باعتباره تذكيرا مستمرا للمبادئ التي ماتوا من أجلها.

تأتي النساء إلى هنا للتنظيم والتعلم ومشاركة وحل المشكلات والنزاعات في المجال الاقتصادي، من أولويات المجتمع الجديد الحاجة الاجتماعية وزيادة نسبة مشاركة المرأة. وقد تم إنشاء مخبز تعاوني للنساء في المنطقة. وهم يرتدون الثياب الطويلة والأوشحة الزهرية، تبدو النساء العاديات ثوريات بشكل لا يصدق، ولكن لم يكن هناك شك في التزامهن وتضامنهن. لا يختلفون كثيرا عن القادة. تم الإجابة على أسئلتنا من قبل أشخاص مختلفين يقولون إنهم قطعوا شوطا طويلا ويشعرون بأنهم يتمتعون بالسلطة، لكن لا يزال أمامهم طريق طويل.

كل مدينة لديها مقبرة لشهدائها، حيث يمكن للمجتمع التجمع كمبادرة لإبداء الاحترام لشهداء الحرب ودعم عائلاتهم. إن المقبرة في كوباني لا تضم الناس الذين فقدوا حياتهم للدفاع عن مدينتهم، ولكن أيضا تضم صفوفاً كثيرة من الناس في كوباني الذين ماتوا من أجل تحرير أماكن أخرى، مثل منبج والرقة. بالنسبة لشعب كوباني، الشعار الكردي هو "المقاومة هي الحياة"، وهو أكثر من مجرد استعارة.

بحلول الوقت الذي تم فيه طرد "داعش" من كوباني، ثلاثة أرباع المدينة كانت مدمرة. لقد كانت عملية إعادة البناء مدهشاً، خاصة مع الصعوبات التي واجهتها في الحصول على مواد البناء، ومع ذلك فقد تركت المنطقة التي تحملت وطأة الهجوم كمتحف ولكن المنطقة التي استكملت كاملة مع الدبابات المؤقتة المهجورة. أسماء جدية للشوارع، تخليداً لذكرى الرجال والنساء الذين لقواحتفهم هناك. إنه نصب تذكاري قاسٍ وحاد، لكنه أكثر إثارة للخوف. على بعد بضع مئات من الأمتار فقط، عبر الحدود التركية، هناك علم أحمر كبير بهلال أبيض يذكر الأكراد دائمًا بأن ثورتهم تواجه تهديدًا وجودياً. تقدم الحكومة التركية دعماً فعالاً لـ"داعش" ولا تخفي خيبة أملها حيال نجاة كوباني من الحصار.

في هذا العام، نفذت تركيا غزوًا لا مبرر له لـ"عفرين"، أقصى غرب الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا. حتى ذلك الوقت، كانت عفرين قد وفرت ملاذاً للسلام، وترحب باللاجئين من جميع أنحاء سوريا. وكانت الثورة الاجتماعية قد تطورت بشكل كامل.

والآن، يعيش معظم أكراد عفرين مشتتين في مخيمات اللاجئين، في حين تُعطى منازلهم للعائلات الجهادية واللاجئين العرب كجزء من عملية تطهير عرقي مزمع. تعيش هذه العائلات تحت حكم "داعش". خطاب الانتخابات التركية يهدد بخطط لتمديد الغزو إلى كوباني وخارجها. ومع ذلك، في نفس الوقت الذي كنا فيه في سوريا، تم دعوة الرئيس رجب طيب أردوغان لزيارة رسمية الى المملكة المتحدة وكان مرحباً به من قبل الوزراء الذين يتوقون لتوقيع صفقة تجارية لتعزيز مبيعات الأسلحة البريطانية.

بدون مقاومة شعبية واسعة، ستواصل الحكومات الغربية الانحناء لمطالب تركيا. يتطلب الكفاح الذي يقوده الأكراد من أجل عالم أفضل أن يكون معروفًا ومفهومًا قبل أن يفوت الأوان.

 

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات