علي ناجي

تركيا ودورها بالانتخابات العراقية لضمان تمددها السياسي والعسكري

جنود العراق يحتفلون بالانتخابات العراقية - صورة أرشيفية
كتب: علي ناجي
الخميس 17-05-2018 | PM 02:59 |

لتركيا حيز كبير في التدخلات الخارجية بالانتخابات العراقية التي أجريت في 12 من مايو/آيار الحالي، لعودة نفوذها للعاصمة العراقية "بغداد"، بعدما ضعُفَ أو أصبح قليلاً بإبعاد حلفاؤها وأصدقاؤها من السياسيين العراقيين من المناصب التنفيذية والتشريعية العليا في الدورة الحكومية والتشريعية المنتهية ولايتهما، وقد حضرت "أنقرة" لدعم هذه الكتل (أصدقائها وحلفائها) بالسباق الانتخابي، بشكل يسبق جميع دول الجوار والدول الإقليمية التي تتدخل بالشأن العراق.

الحكومة التركية تسعى لحصول هذه الكتل الموزعة على القوميات العراقية، ومنها التي تربط سلالة تاريخية بهم أو جمعتهم  الإيديولوجية الإسلامية معهم أو مصالح اقتصادية، على منصب من المناصب المهمة التي منها يمر اتخاذ القرار العراقي سواء المتعلق بالقضايا الداخلية كالمناطق المتنازع عليها، خاصة بشمال العراق التي تتواجد بها معسكراتهم، أو القوانين والاتفاقيات التي يبرمها بلاد الرافدين مع دول جواره.

أولا: التركمان أبناؤهم

تصنف "أنقرة" أبناء القومية التركمانية بالعراق وخاصة السُنّة منهم، بأنهم امتداد للإمبراطورية العثمانية التي انهارت وبقي أولادها في وادي الرافدين التي كانوا يحتلونها، أو تعتبرهم أتراك يحملون الجنسية العراقية. والعمل على حصول التركمان على حقوقهم والحفاظ عليهم وعلى مناطقها، كان جزءًا من مسؤوليات تركيا، والدليل تأكيد رجب طيب أردوغان الرئيس التركي بأنه لا يمكن ترك إخواننا من العرق نفسه في "تلعفر" و"كركوك" و"الموصل" وحدهم في العراق[1]، كذلك قول إبراهيم كالين الناطق الرسمي باسم الرئاسة التركية بشأن شمول مدينة كركوك بالاستفتاء الكردي الذي حصل في 25 آيلول 2017، بأن "كركوك مدينة تركمانية ويقطنها التركمان والعرب والكرد"[2].

وتعد الجبهة التركمانية الممثل الرسمي للقومية التركمانية في العملية السياسية العراقية وبقية المجالات الأخرى، التي تضم العديد من الأحزاب القومية واليسارية والإسلامية، لكن جميع هذه الأفكار المتقاطعة يجمعها هدف واحد هو "مصالح التركمان". واستطاع ممثلو الجبهة أن يرفعوا من صوت أبناء قوميتهم، خاصة في الفترة الأخيرة بأوضاعهم الاجتماعية والسياسية، كما أن قادتها لديهم علاقة قوية مع الجمهورية التركية عامة والحزب الحاكم التركي حزب "العدالة والتنمية" من خلال الزيارات المتبادلة بين الطرفين المعلنة وغير المعلنة.

والأولويات الأكثر جماهيرية لدى القومية التركمانية، وخاصة من أبناؤها السنة، بجانب السياسيين المدافعين والمؤيدين للأفعال والتصريحات التركية تجاه العراق، خاصة بالمنطقة الشمالية منها، هي إبعاد حزب العمال الكردستاني "pkk" من الأراضي العراقية، واعتبار رئيس الجبهة وجود عناصر الحزب بالعراق مهددا للأمن القومي العراقي، والعمل على إثارة النعرات القومية بين مكونات العراق لفقدان السيطرة على الأمن لكي تضمن بقاءها بالعراق[3]. كذلك الإشادة بالدور التركي تجاه العراق بحل أزماته، وأن تحذو دول الجوار حذو تركيا[4].

نجحت المساعي التركية في توحيد البيت التركماني السياسي بشقيه السني والشيعي، بعقد مؤتمر تركماني عام  بتاريخ 17 مايو/آيار 2017، اشتركت فيه جميع الأحزاب السياسية وممثلي منظمات المجتمع المدني والعديد من الشخصيات التركمانية من مثقفين ورجال فكر ورؤساء عشائر والقادة الميدانين للحشد الشعبي التركماني، وتم الاتفاق على تشكيل هيئة تنسيقية تركمانية تعمل على تحقيق مصالح الشعب التركماني[5]، وكان للهيئة اجتماعاً مع الرئيس التركي "أردوغان"  في ديوان رئاسة الجمهورية التركية بأنقرة بحضور مسؤولين أتراك، ومنهم رئيس جهاز المخابرات التركي حاقان فيدان، ودعت هيئة التنسيق التركمانية وفقا للبيان الصادر منها، الرئيس التركي إلى استمرار دعم التركمان في هذه الأوضاع الحساسة والمصيرية التي تمر بها مناطقهم[6].

وعلى صعيد الانتخابات، شهد تصويت الخارج للانتخابات العراقية في تركيا، الخروقات الأكبر، ومنها منع دخول عدد من ممثلين الكيانات الانتخابية لمراكز الاقتراع والسماح لآخرين من دون هويات تعريفية[7]، كذلك أشارت المفوضية العليا لحقوق الإنسان إلى أن الكثير من المحطات الانتخابية خارج البلاد وعلى وجه الخصوص تركيا، سمحت بالتصويت للعراقيين باعتماد الهوية التعريفية فقط وليس بطاقة الناخب الالكترونية التي أصدرتها مفوضية الانتخابات[8].

وكذلك أكدت تركيا خلال تهنئتها للشعب العراقي بإجراء الانتخابات، أهمية فتح المفوضية العليا للانتخابات العراقية تحقيقًا بشأن ادعاءات التزوير المذكورة (في إشارة منه للاعتراض التركماني على النتائج الأولية لانتخابات كركوك)[9].

ثانيا: الكرد أصدقاؤهم:

للحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه رئيس إقليم كردستان السابق مسعود بارزاني علاقة جيدة مع الجانب التركي، وازدهرت هذه العلاقة بعد تصدير النفط من الإقليم إلى تركيا بعيداً عن الحكومة الاتحادية العراقية بمعدل 15 ألف برميل يوميا إلى تركيا، لمبادلته بمشتقات نفطية تحتاجها كردستان[10]. وتطورت العلاقات الاقتصادية إلى أكثر من تصدير النفط، حيث وصلت الاستثمارات التركية بالإقليم إلى أكثر من 40 مليار دولار سنويا، عن طريق عبر أكثر من 1300 شركة تركية أو شراكة مع رجال أعمال كرد بمختلف المجالات مثل شركات البناء والمصارف المالية[11]، وتدافع تركيا عن أغلب افعال وتصرفات حكومة الإقليم، ومنها مطالبة الرئاسة التركية للحكومة العراقية بإرسال 17% من موازنة العراق المالية إلى الإقليم، معزية ذلك إلى أن "أنقرة" لا ترغب في إلحاق الضرر بمواطني الإقليم، لذا لم تقم بإيقاف تصدير النفط عبر الأنابيب[12].

واتضح الموقف التركي الداعم للإقليم أكثر بعد رد فعل "أنقرة"، برفضها إجراء استفتاء الانفصال الكردي عن العراق، والرد لم يتطور للواقع، وكان مجرد تصريحات عكس بقية الدول الأخرى. ووفق المتغيرات التي حصلت بالعراق، خاصة بعد إقرار البرلمان العراقي إجراءات عقابية ضد الإقليم لإجرائه الاستفتاء، منها إغلاق جميع المنافذ البرية مع الإقليم، ونشر قوات في مناطق النزاع مع الكرد، ومنع شركات النفط من العمل في الإقليم[13]، بعدها بدأ الحزب الديمقراطي الذي يعد الكتلة الكردستانية الأكثر عددا بالبرلمان العراقي، يطالب بشغل منصب رئيس البرلمان بدلاً عن رئيس الجمهورية في الدورة الانتخابية المقبلة، لأن جميع القرارات والقوانين المهمة والحساسة التي تتعلّق بالإقليم ستمرّر في البرلمان المقبل، عكس منصب رئيس الجمهورية الذي فشل حتى في منع العقوبات أو تعديل الموازنة المالية أو اقتراح تشريع  قانون ينظم العلاقة النفطية بين المركز والإقليم[14].

ثانياً: سنة المدافعين عن أنقرة

المكون العربي السني بالعراق، ينقسم إلى عدة أقسام لكن أبرز جناح فيه هو "سُنة تركيا" أو "سُنة أردوغان" كما يسموها بالإعلام العراقي، الذي يتزعمه نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي، وهم أكثر المدافعين عن أي خطوة تقوم بها أنقره تجاه بغداد، مثل استقرار القوات التركية في بمحافظة نينوى شمال العراق التي اختارها "النجيفي"، بناءً على طلب من شقيقه محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي والحكومة العراقية، لتقوم القوات التركية بتدريب مقاتلين محليين تحت لواء الحشد الوطني بقيادة "النجيفي"، استعدادً لتحرير الموصل[15]، على الرغم من أن الحكومة نفت وجود مثل هكذا طلب وتعارض التدخل التركي بملف نينوى وطالبت تركيا مرارا بإنهاء تواجدها العسكري في المحافظة التي هي ثاني أكبر مدن العراق من حيث عدد السكان، لم يتوقف دور "النجيفي" عند الدعم، بل أشاد بالدور التركي لمكافحة الدور "التخريبي" لحزب العمال الكردستاني "pkk" في العراق، على حد قوله[16].

أما سياسياً، فتعتقد هذه الطبقة التي تعد امتداداً لإيديولوجية "الإخوان المسلمين"، أن الدور التركي في العراق عكس مصداقية تركيا التي ترسخت في أذهان كافة مكونات الطيف العراقي، ما عزز العلاقات المستقبلية في كافة المجالات[17]، وبسبب كثرة التدخلات التركية والدفاع عنها من قبل هذه الطبقة السياسية، وصف بعض السياسيين "آل نجيفي" بأنهم وكلاء تركيا في العراق[18].

خاض "النجيفي" الانتخابات البرلمانية العراقية ضمن قائمة "تحالف القرار العراقي"، مع حليفه الجديد خميس الخنجر زعيم المشروع العربي وصاحب المليارات المثير للجدل لدعمه جهات خارجة عن القانون، كما أنه مقرب من قطر ومن كبار المستثمرين في تركيا، ويطمح الأخير أن يكون زعيماً لعرب السنة أو ممثلهم في السلطة التنفيذية بشغله منصب رئيس الجمهورية كأول عربي يشغل هذا المنصب بعد 2003.

ثالثا: نتائج فوز حلفاؤها

تركيا تدرك جيداً أنها ليست صاحبة النفوذ الأكبر في بغداد، خاصة بوجود الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ، لكن من خلال دعمها المتنوع لمختلف القوائم الانتخابية العراقية التي هي ربما الاقوى سياسياً ضمن عدد للمكونات العراقية، سيمكنها تحقيق مكاسب لم تحصل عليها مثل إعطاء عذر شرعي لوجودها العسكري المنتشر في شمال العراق وبقائها فيه بعدما انتهت العمليات العسكرية ضد تنظيم "داعش" الإرهابي، أو توغلها بالأراضي العراقية بحجة مقاتلة العمال الكردستاني.

وتتحقق هذه المكاسب، بتنصيب شخصيات موالين لها أو مقربين منها بمواقع رئاسية مهمة خاصة المتعلقة بتشريع القرار مثل رئاسة الجمهورية او مجلس النواب الذي منه تصدر القرارات والقوانين الملزمة للحكومة وإبرام الاتفاقات مع الدول ومراقبة الدور التنفيذي للحكومة والهيئات المستقلة.

وبالتالي ستضمن "أنقرة" عدم وجود معارضة برلمانية وحكومية على سياساتها تجاه العراق، كاستمرار خرقها المستمر للسيادة العراقية وبقاء قواعدها العديدة التي لا يعرف عن عدد محتواها الداخلي، فضلا عن سياستها المائية بتقليل الحصة المائية العراقية، كذلك عن التعاون غير معروف التفاصيل مع إقليم كردستان العراق.

*علي ناجي.. باحث بالشأن الكردي

[1] http://www.rudaw.net/arabic/middleeast/turkey/11112016[2] http://www.aljazeera.net/news/arabic/2017/8/17/تركيا-كركوك-تركمانية-وشمولها-بالاستفتاء-غير-دستوري.[3] http://almadapress.com/ar/news/76605/الجبهة-التركمانية-تطالب-بـطرد-الـpk.[4] https://www.aa.com.tr/ar/الدول-العربية/رئيس-الجبهة-التركمانية-العراقية-يشيد-بدعم-تركيا-لهم-بأزماتهم/703440 [5] http://afkarhura.com/?p=5772.[6] http://www.shafaaq.com/ar/Ar_NewsReader/3decb6d4-631e-4e6f-94db-d7364e91ed97.[7] http://yaqein.net/politics/109131.[8] https://www.sotaliraq.com/2018/05/12/مفوضية-تؤشراً-خرقاً-سيئا-في-تصويت-الخ/.[9] http://www.trtarabic.tv/تركيا-تأمل-أن-تعود-نتائج-الانتخابات-با/.[10] https://www.alarabiya.net/ar/aswaq/oil-and-gas/2013/01/14/كردستان-يعترف-بتصدير-النفط-لتركيا-منفردا.html.[11] https://www.alaraby.co.uk/economy/2017/9/24/انفصال-كردستان-يهدد-استثمارات-تركية-بـ-40-مليار-دولار[12] https://arabi21.com/story/1046859/تركيا-على-بغداد-إعطاء-إقليم-كردستان-17-من-الموازنة.[13] https://www.skynewsarabia.com/middle-east/983312-البرلمان-العراقي-يرد-بـإجراءات-عقابية-ضد-كردستان.[14] https://www.alaraby.co.uk/politics/2018/3/19/أربيل-تطمح-برئاسة-البرلمان-العراقي-وبرهم-صالح-يخطط-للجمهورية.[15] http://www.kurdistan24.net/ar/news/c4d5b77d-4194-4ab2-a7ac-1bba7087d7ec.[16] http://www.shafaaq.com/ar/ar_newsreader/ca378e98-c3c8-44af-a601-1ab2685eb5ce.[17] https://www.albayan.ae/one-world/arabs/2010-12-20-1.4802.[18] https://www.alsumaria.tv/news/184040/اللويزي-يدعو-لعدم-الخوض-بشكل-إدارة-نينوى/ar.

أحدث الدراسات