اتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل وتداعياتها على منطقة الشرق الأوسط

الخميس 17-05-2018 | PM 12:25 السادات وكارتر وبيجن قبيل توقيع اتفاق السلام

السادات وكارتر وبيجن قبيل توقيع اتفاق السلام

كتب: رودي عثمان ووليدة حسن

التوجه نحو السلام؛ جملة اختلفت حولها دول عربية واسلامية بين من رأى فيها حنكة سياسية وقراءة واقعية للمتغيرات، وبين من رأى فيها استسلاما وخنوعا للعدو وشق للصف العربي. ورغم ذلك اختار السادات طريقه نحو التسوية المنفردة وتحمل تبعاتها.

يبدو أن السادات كان مقتنعا بأن الحلول هي بيد أمريكا وحدها - "99% من أوراق اللعب في العالم بيد أمريكا"؛ لذا توجه إلى توطيد العلاقة معها من خلال تحريك ملف التسوية مع إسرائيل، لكن قراره لم يحظ برضى الدول العربية وحتى قيادات من الصف الاول في ادارته كوزراء خارجيته ورئيس اركان جيشه في زمن حرب اكتوبر سعد الدين الشاذلي. ويتضح مدى القطيعة والخلاف بين مصر والدول العربية من خلال العبارة التي قالها السادات عن الدول العربية "لا فائدة من العرب". وعن موقف العرب من اقدامه على الاتفاق مع إسرائيل منفردا قال: "عشرات المليارات نازلة علينا وبحمد الله من غير الأمة العربية، مضت السنين العجاف".

لكن قراره التوجه بشكل منفرد الى التفاوض مع إسرائيل اثر على القضية الفلسطينية بشكل مباشر واضعف موقفهم وهامش الحركة لديهم ايضا؛ حيث قطعت مصر العلاقات مع الفلسطينيين بعد اتفاقية كامب ديفيد، وتركت كامب ديفيد اثرا مباشرا على القضية الفلسطينية، وهذا ما ذهب اليه عضو هيئة التفاوض بطرس غالي "مما لا شك فيه أنه بتحقيق المعاهدة، تم تهميش الفلسطينيين، فمصر ستحصل على السلام، بينما لن يحصل الفلسطينيون على حقوقهم".

بعد اتفاقية كامب ديفيد والقطيعة العربية تصاعدت وتيرة المساعدات المقدمة من أمريكا لمصر لتشمل معونات عسكرية ايضا، لكن هل بقيت دول المقاطعة على موقفها أم تبدل موقفها؟ لقد تلا اتفاقية كامب ديفيد عمليات تفاوض وتسويات متعددة، فقد اعلن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات امام المجلس الوطني الفلسطيني في اجتماعه بالجزائر في 15 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1988 الدولة الفلسطينية على أراضي الـ 1967. 

وجرت في مدريد مفاوضات بين العرب (سوريا، مصر، لبنان، الاردن وفلسطين باستثناء منظمة التحرير)، وإسرائيل ما بين 30 أكتوبر/تشرين الأول وحتى 1 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1991، رعتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق. وفي خريف عام 1992 خسر جورج بوش الانتخابات الرئاسية الأميركية التي فاز فيها منافسه مرشح الحزب الديمقراطي بيل كلينتون، وفي إسرائيل خسر شامير الانتخابات لصالح إسحق رابين، وانتهى مسار مدريد فعليا.

واثناء ذلك أقام الإسرائيليون اتصالات سرية بـ ياسر عرفات، وبدأ مسار آخر سري، وهو المسار الذي أفضى إلى توقيع اتفاق أوسلو عام 1993. لحق اوسلو اتفاقية وادي عربة بين الاردن وإسرائيل في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 1994.ثم اتفاق طابا؛ في 28 سبتمبر/ ايلول 1995 بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وعرف هذا الاتفاق باتفاق المرحلة الثانية من انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية. حيث تعهدت إسرائيل بالانسحاب من 6 مدن رئيسية و400 قرية بداية 1996، وانتخاب 82 عضوا للمجلس التشريعي، والإفراج عن معتقلين في السجون الإسرائيلية.

ثم اتفاق واي ريفر الاول؛ حيث مهد لهذا الاتفاق باجتماع رئاسي في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1998 ضم الرئيس الفلسطيني عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي بيل كلينتون في منتجع واي ريفر. وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول تم التوقيع على الاتفاق المشهور "باتفاق واي ريفر". تلاه اتفاق واي ريفر الثاني؛ الذي وقعه مع السلطة الفلسطينية رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك على نفس الأساس الذي عقدت عليه "اتفاقية واي ريفر الأولى".

خارطة الطريق؛ أطلقت مبادرة السلام في الشرق الأوسط عام 2002 تحت مسمى خارطة الطريق. وقد كان هدف المبادرة بدء محادثات للتوصل إلى حل نهائي لتسوية سلمية من خلال إقامة دولتين إسرائيلية وفلسطينية على أن تتم التسوية النهائية بحلول عام 2005، وهو ما لم يحصل حتى الان. والخارطة عبارة عن خطة سلام أعدتها اللجنة الرباعية التي تضم كلا من (الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي وروسيا).

مؤتمر أنابوليس في العام 2007 دعا الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش إلى عقد مؤتمر للسلام يطلق مباحثات من أجل الوصول إلى حل الدولتين، وبناء دولة فلسطينية ذات حدود متصلة وقابلة للحياة. انطلقت مفاوضات ماراثونية بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس وزراء إسرائيل إيهود أولمرت، وفي نهاية 2008 توقفت المفاوضات بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة.

لا تزال الأزمة مستمرة والمفاوضات المتعثرة تتوالى ولم تصل إلى مرحلة النهاية، من خلال هذه المقدمة الموجزة اردنا سرد المحطات التي مر بها ولا يزال الصراع العربي الإسرائيلي وتأثيره على منطقة الشرق الاوسط. كما ان تخبط النظام السياسي العربي في سياسته تجاه استقراء المتغيرات والتعامل معها كان احد اسباب الحروب التي اندلعت، ومن ثم الذهاب الى التفاوض في ظروف معينة اثرت على مواقفهم التفاوضية ايضا.

- موجز لمرحلة ما قبل اتفاقية كامب ديفيد:

في 27 نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1947 صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على القرار 181 القاضي بتقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية على 56% من مساحة فلسطين باستثناء مدينة القدس. وفي ذات اليوم الذي اعلنت فيه بريطانيا انسحابها من فلسطين اعلن ديفيد بن غوريون (اول رئيس وزراء لإسرائيل) قيام دولة إسرائيل في 14 مايو/أيار 1948، وقد سارعت كلا من واشنطن وموسكو للاعتراف بها. بعد هذا الاعلان سارع العرب الى أعلن الحرب على إسرائيل بمشاركة جيوش خمس دول عربية هي (مصر، سوريا، الأردن، العراق ولبنان). بعدها أعلنت الهدنة الأولى بين العرب وإسرائيل في 12 يونيو/حزيران 1948، لكنها سرعان ما انهارت واستمر القتال حتى صدور قرار مجلس الأمن في 16 يوليو/تموز 1948 بوقف القتال في غضون ثلاثة أيام، وهو ما وافقت عليه الحكومات العربية.

انتهى العدوان الثلاثي على مصر -من قبل إسرائيل وبريطانيا وفرنسا عام 1956- بموافقة إسرائيل على طلب الأمم المتحدة بالانسحاب من غزة وسيناء وشرم الشيخ في أول مارس/آذار 1957 دون قيد أو شرط. لكن التوتر تواصل واندلعت حرب 5 يونيو/حزيران 1967 التي على إثرها احتلت إسرائيل قطاع غزة والضفة الغربية في فلسطين وشبه جزيرة سيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية.

وفي 8 مارس/آذار 1969 بدأت مصر حرب استنزاف ضد إسرائيل على جبهة قناة السويس، بينما توالت المعارك على الجبهة السورية الإسرائيلية في الجولان، واجتاحت إسرائيل جنوب لبنان يوم 12 مايو/أيار 1970. وفي هذه الأجواء المتوترة أعلن عن مبادرة وزير الخارجية الأميركي وليم روجرز لوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، وقد رفضت منظمة التحرير والعراق وسوريا خطة روجرز التي قالت إنها "تقوم على تشجيع إسرائيل على الانسحاب مقابل ضمانات الأمن اللازمة".

وقعت مصر وإسرائيل في أول سبتمبر/أيلول 1975، اتفاقا ينهي حالة الحرب بينهما على أن تفتح قناة السويس أمام السفن الإسرائيلية غير العسكرية، وانتقدت منظمة التحرير الاتفاق، فرد الرئيس المصري أنور السادات بإغلاق إذاعة فلسطين ثم مكتب المنظمة وحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في القاهرة. تحركت بعدها الدبلوماسية العربية عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة ونجحت في 10نوفمبر/تشرين الثاني 1975 في استصدار قرار يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية.

وفي أول اجتماع بمجلس الأمن حضره الفلسطينيون وتغيبت عنه إسرائيل في الفترة ما بين 12 و27 يناير/كانون الثاني 1976، أقر الفلسطينيون بحق الوجود لكل دول المنطقة بما فيها إسرائيل، وفي 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1977، أعلن السادات أمام مجلس الشعب المصري استعداده للتوجه إلى إسرائيل. وبدأ بالفعل زيارته لإسرائيل مساء 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1977، فقررت "جبهة الصمود والتصدي" في أول قمة لها في ديسمبر/كانون الأول 1977 بطرابلس الغرب بمشاركة سوريا والعراق ومنظمة التحرير والجزائر وليبيا- تجميد العلاقات الدبلوماسية مع مصر.

هزيمة (نكسة) 5 حزيران 1967: في الخامس من حزيران 1967 شنت إسرائيل حربا دامت لستة ايام على ثلاث دول عربية هزمتهم فيها. وكان من نتائجها خسائر بشرية ومادية كبيرة، واحتلال أجزاء واسعة من الأراضي العربية، وتدمير أغلبية العتاد العسكري العربي. أسباب الحرب: هناك جملة أسباب وفق الخبراء والمؤرخين؛ أدت إلى نشوب حرب 1967، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر.

أ- الأسباب غير المباشرة: تتمثل في اعتبار إسرائيل أن الأحداث التي تلت حملة سيناء عام 1956 (العدوان الثلاثي) تشكل تهديدا لأمنها، ومن أبرز هذه الأحداث جهود التسليح التي تبذلها مصر بقيادة جمال عبد الناصر، ونشاط سوريا ضد المستعمرات الإسرائيلية على الجبهة السورية وأمام الجبهة الأردنية. ومن هذه الأحداث أيضا قرار القمة العربية 1964 في القاهرة بتحويل مياه نهر الأردن في كل من سوريا ولبنان وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية 1965.

ب- الأسباب المباشرة: تقف في طليعتها قرارات وأحداث مهمة وقعت منذ منتصف مايو/أيار 1967، من بينها: مطالبة مصر بسحب قوات الأمم المتحدة من سيناء وبدء حشد جيشها في سيناء، وإغلاقها في 22  مايو/أيار "مضيق تيران" بالبحر الأحمر في وجه الملاحة الإسرائيلية، وهو ما اعتبرته إسرائيل بمثابة إعلان رسمي للحرب عليها.  وأثر ذلك بدأ تخطيط إسرائيل لشن الحرب على دول الجوار العربي مع مطلع يونيو/حزيران عام 1967، حيث أبلغ وفد سوفياتي مصر أن إسرائيل حشدت 11 لواء على الحدود السورية، وإعلان مصر تدخلها لمساندة سوريا وما تلاه من أحداث.

الخسائر العربية: اعتمدت إسرائيل في حربها على الطيران وعلى جيشها البري في كافة الجبهات العربية المحيطة بها، وشملت نتائج الحرب احتلال مساحات كبيرة من الأرض، الأمر الذي زاد من صعوبة استرجاعها حتى الآن؛ كما هو الشأن في كل من فلسطين وسوريا، وحتى ما استرجع منها (سيناء) كانت استعادته منقوصة السيادة. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها كانت إسرائيل تحتل المناطق التالية: شبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان والضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) وقطاع غزة، بإجمالي مساحة 96347 كم2.

وكما هو واضح، فقد استولت إسرائيل أثناء الحرب على مساحة شاسعة من البلاد العربية تقدر بـ (69347 كم2)، وإذا قارناها بما استولت عليه عام 1948 وأقامت عليه دولتها (20700 كم2) فإنه يتضح أن هزيمة يونيو/حزيران أضافت لإسرائيل ما يعادل ثلاثة أضعاف ونصف ضعف مساحتها التي كانت عليها يوم 4 يونيو/حزيران 1967.

حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973:

حرب تلت نكسة حزيران واريد من خلالها استعادة الاراضي المحتلة من قبل إسرائيل وإعادة الهيبة للدول التي خسرت المواجهة مع إسرائيل (سوريا، الأردن، مصر). وبالرغم من أن حرب اكتوبر/تشرين الاول حققت مكاسب على جبهات القتال الان ان البعض يراها انتصار جزئي بالمقارنة مع النتائج والاثار التي خلفتها هزيمة حزيران 1967.

أسباب الحرب؛ هناك العديد من الأسباب التي جعلت كلا من مصر وسوريا تخططان لقيامهما بالحرب، وهي: عدم قبول الدول العربية بالهزيمة التي منوا بها وبدأ حرب استنزاف في العام 1969 حتى العام 1970. اتفاق الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي على العمل من أجل وضع حد للحرب وفقا لصيغة "وقف إطلاق نار" التي تبناها مجلس الأمن الدولي في (تموز/يوليو 1970).

في العام 1973 قرر كل من الرئيس المصري محمد أنور السادات، والرئيس السوري حافظ الأسد إعلان الحرب على إسرائيل لاستعادة الأراضي التي احتلتها في العام 1967. بدأت الحرب في الساعة الثانية وخمس دقائق في 6 من أكتوبر/تشرين الاول، وكانت ساعة الصفر لبدء حرب أكتوبر بالنسبة لكل من الجيشين المصري والسوري، مصادفة ليوم الغفران الذي يحتفل به اليهود. وانتهت الحرب بعد تدخل الولايات المتحدة بقرار وقف إطلاق النار.

- اتفاقية كامب ديفيد للسلام وملحقاتها بين مصر وإسرائيل:

استمرت القمة الثلاثية في منتجع كامب ديفيد ثلاثة عشر يوما (5-18 سبتمبر/ايلول 1978) وشهدت مفاوضات وصفت بأنها شاقة ومتعبة وكادت تفشل أكثر من مرة. وقد شارك في هذه المفاوضات بالإضافة إلى الرؤساء الثلاثة كارتر والسادات وبيجن، وزراء خارجيتهم وكبار مستشاريهم السياسيين والعسكريين والقانونيين. ولكن القرارات الحاسمة كانت تتخذ من قبل الرؤساء وحدهم. في يوم 18 سبتمبر/ايلول 1978 أعلن الرؤساء الثلاثة اتفاقهم على وثيقتين أساسيتين معلنتين سميت الأولى "إطار عمل للسلام في الشرق الأوسط" وجاءت الثانية تحت عنوان "إطار عمل لقعد معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل". وبموجب الاتفاقية وافقت إسرائيل على إعادة سيناء التي احتلتها عام 1967 إلى مصر، وتم تنفيذ الأمر عام 1982، كما وافقت الدولتان على التفاوض بشأن الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتمت التحركات الفعلية بهذا الشأن في التسعينات. وتعهد بموجب الاتفاقية الطرفان الموقعان بإنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات ودية بينهما تمهيدا للتسوية.

نص الاتفاقية:

"إن حكومتي جمهورية مصر العربية ودولة إسرائيل، اقتناعا منهما بالضرورة الماسة لإقامة سلام عادل وشامل ودائم في الشرق الأوسط وفقا لقراري مجلس الأمن 242 و338، إذ تؤكدان من جديد التزامهما "بإطار السلام في الشرق الأوسط المتفق عليه في كامب ديفيد" المؤرخ يوم 17 سبتمبر/أيلول 1978، وإذ تلاحظان أن الإطار المشار إليه إنما قصد به أن يكون أساسا للسلام ليس بين مصر وإسرائيل فحسب، بل أيضا بين إسرائيل وأي من جيرانها العرب -كل في ما يخصه- ممن يكون على استعداد للتفاوض من أجل السلام معها على هذا الأساس.

ورغبة منهما في إنهاء حالة الحرب بينهما وإقامة سلام تستطيع فيه كل دولة في المنطقة أن تعيش في أمن، واقتناعا منهما بأن عقد معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل يعتبر خطوة هامة في طريق السلام الشامل في المنطقة والتوصل إلى تسوية للنزاع العربي الإسرائيلي بكافة نواحيه.

وإذ تدعوان الأطراف العربية الأخرى في النزاع إلى الاشتراك في عملية السلام مع إسرائيل على أساس مبادئ إطار السلام المشار إليها آنفا واسترشادا بها، وإذ ترغبان أيضا في إنماء العلاقات الودية والتعاون بينهما وفقا لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي التي تحكم العلاقات الدولية في وقت السلم.

مضمون الرسائل المتبادلة بين الاطراف المتفاوضة في كامب ديفيد 1979:

الرسالة الأولى: موجهة من السادات إلى كارتر وحاول فيها تسجيل موقفه " من الوضع القانوني لمدينة القدس من حيث ضرورة اعتبارها جزءا لا يتجزأ من الضفة الغربية ووجوب احترام واعادة الحقوق العربية الشرعية والتاريخية إلى المدينة واعتبارها تحت السيادة العربية، وعلى أن تتوافر لجميع الشعوب حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة لكل دين من الأديان الثلاثة تحت ادارة واشراف ممثلي الأديان.

الرسالة الثانية: موجهة من بيجن إلى كارتر، وقد رفض فيها بيجن موقف السادات السابق "مؤكدا أن القدس تعد، وفق القوانين الإسرائيلية الصادرة في 28 يونيو/حزيران 1967 "مدينة واحدة غير قابلة للتقسيم، وأنها عاصمة دولة إسرائيل".

الرسالة الثالثة: موجهة من كارتر إلى السادات وأرسل نسخة منها إلى بيجن. وفيها أعلن أن موقف الولايات المتحدة بشأن القدس "يظل الموقف الذي أعلنه السفير غولدبيرك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 يوليو/تموز 1967 وأكده من بعده السفير بوست أمام مجلس الأمن في الأول من يوليو/تموز 1969. (وهذا الموقف الذي عبر عنه كارتر بهذه الطريقة الغير مباشرة، يقوم على اعتبار القدس جزءا من الأراضي التي احتلتها إسرائيل بالقوة عام 1967).

كذلك تم تبادل رسالتين حول الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد وجه السادات الرسالة الأولى إلى كارتر وأكد فيها أنه " من أجل ضمان تنفيذ البنود المتعلقة بالضفة الغربية وغزة، ومن أجل حماية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ستكون مصر على استعداد للاضطلاع بالدور العربي الذي تحدده هذه البنود، وذلك بعد المشاورات مع الأردن وممثلي الشعب الفلسطيني". وأما الرسالة الثانية فكانت من بيجن إلى كارتر وفيها سجل الأول أن كارتر أبلغه أنه سيفسر ويفهم عبارات الفلسطينيين، أو الشعب الفلسطيني، الواردة في كل فقرة من وثيقة اطار التسوية المتفق عليها بأنها تعني "عربا فلسطينيين". ولكن بيجن لا يشير إلى أنه يوافق على هذا التفسير الأمريكي. غير أنه لا ينسى أن يؤكد "أن الحكومة الإسرائيلية تفهم وستفهم تعبير الضفة الغربية في أي فقرة يرد فيها من وثيقة إطار التسوية على أنه يعني يهودا والسامرة".

وتبادل كارتر والسادات، وكارتر وبيجن رسائل أخرى حول موضوع المستعمرات الإسرائيلية في سيناء. فقد طالب السادات بإزالة هذه المستعمرات كشرط مسبق لبدء مفاوضات السلام التي تستهدف الوصول إلى معاهدة نهائية مع إسرائيل في حين أجاب بيجن أنه غير مخول بالبت في هذا الموضوع مالم يعرضه على الكنيست الإسرائيلي. وقد أخذ كارتر علما بهذا الموقف الإسرائيلي ونقله بدوره إلى السادات. وقد وافق الكنيست الإسرائيلي على إخلاء القرى الإسرائيلية في سيناء وإعادة توطين ساكنيها فاتحة الطريق بذلك للحكومتين المصرية والإسرائيلية للمضي في خطوات التسوية الثنائية التي تبلورت في معاهدة 26 مارس 1979.

- الآثار التي ترتبت على اتفاقية كامب ديفيد:

ظهرت آراء متباين خلال حرب اكتوبر/تشرين الاول 1973، ومنها الخلاف بين أنور السادات ووزير الحربية أحمد إسماعيل من جهة، والفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الاركان القوات المصرية من جهة اخرى. الشاذلي اعترض على تقدم القوات وطلب الحفاظ على الوضع الذي حققه الجيش المصري، لان التقدم خارج مظلة الدفاع الجوي كان بمثابة كشف للقوات المصرية ولن تستطيع التخفيف "حسب رايه" عن الجبهة السورية، بينما انور السادات اراد التخفيف عن الجبهة السورية التي انكسرت امام الهجوم الإسرائيلي وتحول مسار المعارك ابتدأ من 10 اكتوبر/تشرين الاول لصالح إسرائيل.

كانت علاقة الشاذلي سيئة بانور السادات بسبب الخلافات الحادة التي نشبت بين الطرفين إبان إدارة حرب أكتوبر، وبالذات عقب ثغرة الدفرسوار، وتجاهل السادات لاقتراحاته بخصوص إجراء انسحاب جزئي من سيناء الى غرب القناة. كما رفض الشاذلي اتفاقية كامب ديفيد لاحقا واتخذ القرار بترك منصبه سفيرً لدى البرتغال والذهاب إلى الجزائر كلاجئ سياسي. العداء بين الاثنين زاد من حدته أصدر أنور السادات مذكراته (البحث عن الذات) واتهامه فيها القائد العسكري بالتخاذل وتحميله مسؤولية التسبب بالثغرة، ووصفه بأنه عاد منهارا من الجبهة يوم 19 أكتوبر موصيا بسحب جميع القوات في الشرق. وقام الشاذلي بالرد عليه بنشر مذكراته (حرب أكتوبر)، اتهمه فيها باتخاذ قرارات خاطئة رغم جميع النصائح من المحيطين به من العسكريين، بالإضافة إلى تدخله المستمر بالخطط العسكرية أثناء سير العمليات على الجبهة، ما أدى إلى التسبب في الثغرة وتضليل الشعب بإخفاء حقيقتها وتدمير حائط الصواريخ وحصار الجيش الثالث لمدة فاقت ثلاثة أشهر، حيث كانت تصلهم الإمدادات تحت إشراف الجيش الإسرائيلي. كما اتهمه بالتنازل عن النصر والموافقة على سحب أغلب القوات المصرية إلى غرب القناة في مفاوضات فض الاشتباك الأولى، ووصل الأمر إلى أن الشاذلي أنهى كتابه ببلاغ للنائب العام يتهم فيه السادات بإساءة استعمال سلطاته مما أدى إلى محاكمته غيابيا في عهد  مبارك عام 1983 بتهمة إفشاء أسرار عسكرية، وحكم عليه بالسجن ثلاثة سنوات مع الأشغال الشاقة ووضعت أملاكه تحت الحراسة، وتم حرمانه من التمثيل القانوني وتجريده من حقوقه السياسية. وبعد ان امضى الشاذلي 14 سنة منفيا في الجزائر (سنتان في عهد السادات، و12 سنة في عصر مبارك) عاد إلى مصر في مارس/اذار 1992، وقبض عليه فور وصوله الى مطار القاهرة وصودرت منه جميع الأوسمة والنياشين وأجبر على قضاء الحكم بالسجن الحربي، افرج عنه لاحقا بموجب عفو عام.

(الثغرة: فتحة أحدثت بين الجيشين الثاني والثالث المرابطين في شرق قناة السويس بعرض 25كم في 16 اكتوبر/تشرين الأول، وقد اتهم المصريين أمريكا بتصوير خطوط الجبهة بواسطة طائرات الاستطلاع وإعلام الجانب الإسرائيلي عن وجود ثغرة بين الجيشين تمكن من خلالها الإسرائيلين من اختراق صفوف المصرين والعبور إلى غرب القناة ومحاصرة القوات المصرية شرق القناة)

 

كما استقال كلا من إسماعيل فهمي وزميله محمود رياض وزير الدولة للشؤون الخارجية احتجاجا على الزيارة للسادات في نوفمبر/ تشرين الثاني 1977 لمدينة القدس. وعشية التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد استقال محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية وعضو هيئة التفاوض المصرية، وقد كتب كامل في مذكراته عن عملية التفاوض (وقع السادات في النهاية على ما لم يكن ليراود الإسرائيليين في أكثر أحلامهم تفاؤلًا).

من جانب اخر كانت حرب اكتوبر ايضا حربا بين الترسانة العسكرية الامريكية والسوفيتية حيث استخدمت الاسلحة السوفيتية لإثبات جدارتها وقدرتها على تغير مجريات الاحداث في المعارك ايضا.

الآثار المترتبة على القضية الفلسطينية: لقد حاولت الاتفاقية الخاصة "بإطار السلام في الشرق الأوسط" التي وقعها السادات وبيجن وشهد عليه كارتر أن تغيير موضع قضية فلسطين كقضية قومية لكل العرب وقضية شعب يناضل من أجل حقوقه الوطنية إلى قضية سكان أراضي محتلة فحسب؛ (وفق راي القوميين العرب واغلبية الدول العربية الرافضة للاتفاق المنفرد) ويستندون في رايهم هذا الى النقاط التالية:

1-  لم تأت الاتفاقية على ذكر الشعب الفلسطيني إلا في جملتين فقط، وحتى هاتان الجملتان فرغتا من أي معنى حيث مضت الاتفاقية في كل موضع تركز على سكان الضفة والقطاع، أو فلسطيني المنطقتين، وتمنحهم حق الحكم الذاتي لا أكثر، ويلاحظ أن الحكم الذاتي جعل للسكان، فحسب، مما يفسح المجال أمام إسرائيل للنقاش حول شمول حق السكان في الأرض التي يقيمون عليها.

2- استبعدت الاتفاقية منظمة التحرير الفلسطينية من أي دور في التسوية، وهي المنظمة التي اعترف لها وحدها بتمثيل الشعب الفلسطيني من قبل الدول العربية بلا استثناء، ومن معظم دول العالم ومنظمة الأمم المتحدة.

3- تنكرت الاتفاقية لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وبذا تكون الاتفاقية قد سعت لإلغاء جميع المكاسب والمنجزات على كافة الصعد. فهي اذ حصرت حق الفلسطينيين في الضفة والقطاع في الحكم الذاتي. فثمة فرق جوهري بين الحكم الذاتي والاستقلال.

4- لم تتطرق الاتفاقية إلى حق الفلسطينيين المطرودين من ديارهم في العودة دون قيود. وهو حق اعترفت لهم به الأمم المتحدة منذ قرارها 194 لعام 1948 وحتى الآن (حق العودة).

5- ما ورد في الاتفاقية حول حقوق الفلسطينيين ليس إلا تكرارا لمشروع بيجن للحكم الذاتي الذي تظاهر السادات برفضه في الاسماعيلية. ثم ان الاتفاقية لم تعط ممثلي السكان في الضفة والقطاع أي حق في اتخاذ قرارا يتعلق بمصيرهم غير الموافقة على اقتراحات تقدم لهم من قبل إسرائيل ومصر والأردن مجتمعين وهذا يعني فعليا أن مصريهم رهن بالقرار الإسرائيلي والدول الاخرى الواردة اسمائها.

6- تناست الاتفاقية مدينة القدس. وهذا التناسي يشكل تنازلا من جانب السادات عن الحقوق العربية والقومية والتاريخية والدينية والقانونية في المدينة، وتسليما بمزاعم إسرائيل بجعلها عاصمة لها. ولا يخفف من هذا ما تبادله السادات وكارتر من رسائل. فقد اكتفى كل منهما بمجرد تسجيل موقف. وأما الطرف المعني الآخر إسرائيل فقد أكدت موقفها تجاه القدس.

الأراضي العربية التي تم احتلالها: تبنت الاتفاقية فعليا التفسير الإسرائيلي للقرار 242 الصادر في 22/11/1967 حول الانسحاب من الأراضي المحتلة. وبذلك حاولت القضاء على جميع المكتسبات التي حققها العرب بعد هزيمة 1967، سواء أكان ذلك على الصعيد العسكري أم على الصعيد السياسي، (وفق رأي القوميين العرب واغلبية الدول العربية الرافضة للاتفاق المنفرد)، ويستندون في رأيهم هذا الى النقاط التالية:

1- لم تتطرق الاتفاقية إلى مصير المستعمرات الإسرائيلية في الضفة والقطاع ولا تعرضت لموضوع الهجرة اليهودية إليهما. وهذا يعني أن سيل الاستيطان سيستمر أو أنه لن يحد منه شيء على الأقل. كما أن المستعمرات الحالية ستبقى. وفي هذا تثبيت للمفهوم الإسرائيلي حول ما يسميه "الحقوق التاريخية" في أراضي فلسطين، ويتضح ذلك من  إصرار بيجن على وصف الضفة الغربية "بـ يهودا والسامرة".

2- ربطت الاتفاقية مستقبل الضفة الغربية والقطاع بموافقة الأردن على الاشتراك في المفاوضات المقترحة. وهذا يعني استمرار الوضع القائم اذا لم يوافق الأردن على هذا الاشتراك. وهذا ما حدث فعلا وحمل مصر على التفاوض باسم الجانب العربي دون أن تملك سلطة تخولها بذلك قانونيا.

سيناء في سطور: تبلغ مساحة شبه جزيرة سيناء نحو 60.088 كم2، ويسكنها حوالي 380 الف نسمة، وبخلاف أهميتها العسكرية، فسيناء تضم أكبر مخزون على أرض مصر من الثروات المعدنية، مثل المنغنيز والنحاس والبترول؛ فمنذ أول عملية تنقيب عام 1910 وسيناء تعتبر منجم للبترول والغاز المصري. ويغطي غازها الطبيعي أكثر من 40% من شبكة الكهرباء في إسرائيل.

مسار كامب ديفيد: بحضور الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر وفي 26 مارس/اذار 1979 وقع السادات ومناحيم بيجن على اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية التي بدأت باعتراف القاهرة بوجود دولة إسرائيل، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من سيناء مع التأكيد على حق السفن والشحنات الإسرائيلية المرور بقناة السويس وخليج العقبة ومضيق تيران دون عوائق.

أدت كامب ديفيد لموجة استياء عربي واسعة وصلت لحد مقاطعة مصر ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس. كما انها أثارت انتقادات واسعة ليس فقط لفكرة "السلام المنفرد" بعد حرب وحدت العرب، لكن أيضا بسبب نصوص الاتفاقية نفسها، وفي ظل العزلة العربية، وصلت مصر إلى "السلام المنفرد" مع إسرائيل. رحل السادات بعدها قتيلا بيد الجماعات الإسلامية، وتولى بعده مبارك الحكم حتى خلعه في 11 فبراير/شباط 2011 من قبل المتظاهرين المصريين، بينما ظلت سيناء مقسمة إلى ثلاث مناطق أمنية بحكم اتفاقية السلام طيلة 33 عاما، وتنص اتفاقية السلام على تقسيم سيناء إلى 3 مناطق رئيسية، وتلتزم مصر بتسليح محدد ومعروف مسبقا في تلك المناطق، ولا يجوز رفعه إلا باتفاق الطرفين (وفق ما تم الاتفاق عليه في ملحقات اتفاقية كامب ديفيد). والمناطق الثلاث هي:

المنطقة الأولى وتعرف بالمنطقة (أ): تبدأ من قناة السويس وحتى أقل من ثلث مساحة سيناء، وفيها تلتزم مصر بعدم زيادة التسليح عن فرقة مشاة ميكانيكية واحدة ومنشآتها العسكرية، وتحصينات ميدانية، وعلى أن تتكون الفرقة من: 3 ألوية مشاة ميكانيكي، لواء مدرع واحد، 7 كتائب مدفعية ميدان لا يزيد عدد القطع بها على 126 قطعة، 7 كتائب مدفعية مضادة للطائرات تتضمن صواريخ فردية أرض/جو وحتى 126 مدفع مضاد للطائرات عيار 37 مم فأكثر.

وكذلك لا يجوز لمصر أن تزيد عدد الدبابات في تلك المنطقة المفتوحة حتى 230 دبابة، ولا عدد ناقلات الأفراد المدرعة إلى ما فوق 480 مركبة من كل الأنواع. وحسب الاتفاقية تلتزم مصر بسقف 22 ألف جندي في تلك المنطقة.

المنطقة الثانية وتعرف بالمنطقة (ب): تضم منطقة شاسعة؛ حيث تبدأ جنوبا من حدود شرم الشيخ وتتسع على شكل مثلث مقلوب لتصل إلى العريش، اي وسط سيناء بالكامل أو أغلبه، وتضم أيضا الممرات الاستراتيجية التي تتحكم في شبه الجزيرة.

وتنص الاتفاقية أن تلتزم مصر بحد أقصى من التسليح يتمثل في 4 كتائب بأسلحة خفيفة وبمركبات على عجل (وليس المجنزرات التي تسير بشكل أفضل على الرمال) تعاون الشرطة المدنية في المحافظة على النظام في المنطقة وتتكون العناصر الرئيسية لكتائب الحدود الأربع بحد أقصى من 4000 فرد.

ويمكن لمصر إقامة نقاط إنذار ساحلية أرضية بشرط أن تكون قصيرة المدى، وذات قوة منخفضة لوحدات الحدود على ساحل هذه المنطقة التي تضم العريش.

المنطقة الثالثة، وتعرف بالمنطقة (ج): تضم الشريط الحدودي كله بالإضافة لهضاب منطقة وسط سيناء الشهيرة، ومدينتي طابا وشرم الشيخ الاستراتيجيتين، ومدينة رفح المصرية التي تعتبر بوابة قطاع غزة. في تلك المنطقة، حسب الاتفاقية من غير المسموح لمصر نشر قوات عسكرية، حيث تتركز في تلك المنطقة قوات شرطة، وقوات أمم متحدة فقط، على أن تكون الشرطة المدنية المصرية مسلحة بأسلحة خفيفة أداء المهام العادية للشرطة داخل هذه المنطقة التي تعتبر أبرز مناطق الفراغ العسكري في سيناء رغم أنها تضم أقل من ربع مساحة شبه الجزيرة بقليل، وكامل خط الحدود بين مصر وفلسطين.

- الدور الأمريكي قبل وما بعد الاتفاقية:

لمصر دور استراتيجي وفعال في الساحة العربية وفي المنطقة لا يمكن تجاوزه، كما انها جغرافيا تحد إسرائيل من الجهة الجنوبية الغربية. ولدورها هذا كانت مصر محط انظار الدول الغربية ومنها أمريكا التي بدأت بمدها بالعون الاقتصادي منذ الاعلان عن دولة إسرائيل، وبعد اتفاقية كامب ديفيد بدأت بتقديم المساعدات في المجال العسكري ايضا. مركز البحوث التابع لـ"الكونغرس" الأمريكي يسرد التواريخ والمبالغ الممنوحة لمصر من قبل أمريكا بشكل تفصيلي ويظهر من خلالها اهمية مصر بالنسبة لأمريكا. ورغم ان تقرير المركز الصادر في مارس/آذار عام 2017، ذكر أن توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 لا ينص على أي التزام أمريكي بأي مساعدات للدولتين، إلا أنه اعتبر أن ما تقدمه أمريكا يندرج ضمن موقفها كراعي لاتفاق السلام ولضمان "الاستقرار والتعاون الأمني بين البلدين". وقد بدأت المساعدات الأمريكية لمصر بمبلغ  1.4 مليون دولار عام 1948، وكل تلك الفترة لم تكن أي من هذه المساعدات في صورة عسكرية، لكن مع حلول عام 1979 وتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، بدأ تدفق المساعدات العسكرية بقرض قيمته 1.5 مليون دولار وقيمة مساعدات بلغت 2 مليار و588.5 مليون دولار.

ومع عام 1985 بدأت قيمة المعونات العسكرية تتخطى المليار دولار، فوصلت في ذلك العام إلى 1.175 مليار دولار مع توقف القروض العسكرية، ووصلت في عام 1987 إلى 1.3 مليار دولار وهي القيمة المستمرة تقريبًا بنفس المعدل حتى اليوم.

وفي الفترة من 1998 حتى 2013، بلغت قيمة المساعدات الأمريكية في جميع المجالات 73 مليار و174 مليون دولار. ووصلت المساعدات العسكرية في عام 2013 إلى 1،234.3 مليار دولار. وفي عام 2015 وصلت قيمة المساعدات الاقتصادية لمصر 200 مليون دولار، فيما جاء مبلغ المساعدات العسكرية ثابتًا ووصل إلى 1.3 مليار دولار.

ما بين عامي 1948 و2016، منحت الولايات المتحدة الأمريكية الحكومات المصرية 77.4 مليار دولار كمساعدات تضمنت 1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية سنوية منذ عام 1987. وقد قررت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حجب مساعدات عن مصر بقيمة نحو 291 مليون دولار، لعدم إحرازها تقدما على صعيد احترام حقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية. وحسب الخارجية الامريكية فانه تقرر تجميد مساعدات عسكرية خارجية لمصر بقيمة 195 مليون دولار كانت للعام المالي 2016، وستودع تلك الأموال في حساب إلى حين إحراز مصر تقدما في أولويات أساسية "كـ قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية".

الالتزام الامريكي تجاه إسرائيل: كشفت بروتوكولات أمريكية سرية بالتوازي مع اتفاقية كامب ديفيد سر البنود السرية التي لم تتدخل مصر فيها بل رفضتها بقوة في نفس يوم التوقيع.

وقد وردت تلك البنود في إطار اتفاقية أمريكية-إسرائيلية توصلت إليها أجهزة المعلومات المصرية فجر ليلة التوقيع النهائي على الاتفاقية ونقلت تفاصيلها للسادات، الأمر الذى شكل صدمة للوفد المصري. وطبقا لسجلات الكواليس السرية الأمريكية تقدم الدكتور مصطفى خليل في الساعات الأولى من فجر يوم 26 مارس/اذار 1979 يوم التوقيع على اتفاقية السلام مع إسرائيل بخطابين أرسلهما بشكل رسمي إلى وزير الخارجية الأمريكي "سيروس فانس" اعتبرا شديدي اللهجة، رفض فيهما الدكتور مصطفى خليل باسم الحكومة والوفد المصري التوقيع الأمريكي-الإسرائيلي يومي 25 و26 مارس 1979 سرا على اتفاقية ثنائية خلف ظهر الرئيس السادات ودون علم مصر أو حتى استطلاع رأيها والتشاور معها.

ومن فقرات تلك البنود السرية للاتفاقية بين أمريكا وإسرائيل:

تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام حق الفيتو -حق الاعتراض- على أي قرار يصدر مستقبلاً بهدف إدانة دولة إسرائيل في مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة.

تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية بتحديث وتطوير جيش الدفاع الإسرائيلي، خاصة سلاح الطيران بما يحقق له التفوق الدائم على الجيوش العربية المختلفة وقت السلم والحرب. مع ضرورة التشاور مع إسرائيل لاستطلاع رأيها أولاً بشأن قوائم طلبات السلاح العربية المقدمة لأمريكا.

في حالة نشوب حرب شاملة بمنطقة الشرق الأوسط من مصر والسعودية ضد إسرائيل تلتزم واشنطن بفتح مخازن سلاحها الاستراتيجي للجيش الإسرائيلي. وطبقا للاتفاقية السرية تقوم وزارة الدفاع الأمريكية سنوياً بتجديد الأسلحة المكدسة في تلك المخازن وما يستبدل منها ويكون غالبا بحالة المصنع يورد كمعونات عسكرية للدول التي تحصل على المعونات العسكرية الأمريكية ومنها مصر وإسرائيل.

المساعدات الأمريكية لإسرائيل: منذ قيام دولة إسرائيل في عام 1948أصبحت أكبر متلق للمساعدات الخارجية من أمريكا حيث وصلت المساعدات  إلى 121 مليار دولار، وكلها تقريبا على شكل مساعدات عسكرية. ووفق نتائج تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونجرس عام 2014؛ فقد أنشأت إدارة بوش في عام 2007 حزمة مساعدات عسكرية لإسرائيلية تمتد لـ10 سنوات، بمقدار 30 مليار دولار للسنوات المالية 2009 وحتى عام 2018.

وعند المقارنة بين المساعدات الأمريكية لمصر والتي بلغت 77.4 مليار دولار ما بين اعوام 1948- 2016، والمساعدات الامريكية لإسرائيل التي بلغت 121 مليار دولار ما بين اعوام 1948-2015. نرى مدى الالتزام الامريكي تجاه إسرائيل في دعمها سياسيا وعسكريا واقتصاديا، ومدها بالأسلحة الحديثة والمتطورة.

- التطبيع مع إسرائيل:

ساعدت التسوية إسرائيل على تحسين مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع بلدان العالم منذ اتفاقية كامب ديفيد ومن بعدها مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. وحتى مطلع الألفية الجديدة أقامت إسرائيل علاقات دبلوماسية مع 62 دولة في عقد واحد فقط، ومن بين هذه الدول (روسيا، الصين، الهند، إندونيسيا وطاجيكستان)، والتي تضم ما يقرب نصف عدد سكان العالم تقريبا. وقد ساعدت هذه الأوضاع على تحقيق الكثير للاقتصاد الإسرائيلي وللأمن القومي الإسرائيلي ككل، ومن المكاسب التي حققتها إسرائيل من التسويات التي بدأت بـ"كامب ديفيد":

1- زيادة تدفق المهاجرين إلى إسرائيل، وخصوصا من روسيا بكل ما فيهم من عمالة ماهرة وأكاديميين وعلماء.

2- تدفق الاستثمارات الخارجية على إسرائيل.

3- ارتفاع حجم الناتج الإجمالي الإسرائيلي السنوي لمستويات أكبر من الناتج المحلي لإندونيسيا.

4-   تحسين مستوى العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل ودول العالم.

في العام 2009 أَصدرت دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، بعض الإحصائيات العامة حول العلاقات الاقتصادية والتجارية بينها وبين الدول العربية والإسلامية للعام 2008 وللأشهر العشرة الأولى من العام 2009، وكشفت عن أن إسرائيل تصدر منتجاتها مباشرة إلى 16 دولة عربية وإسلامية، بقيمة 2.1 مليار دولار، وهي: مصر، الأردن، المغرب، تونس، موريتانيا، الكويت، لبنان، سوريا، العراق، عمان، السعودية، قطر، البحرين، تركيا، ماليزيا، إندونيسيا. وتستورد منتجات من 6 دول عربية وإسلامية، بقيمة 3.24 مليار دولار في العام 2008، وهذه الدول هي: مصر، الأردن، المغرب، تركيا، ماليزيا، إندونيسيا. والشريك التجاري الأول لإسرائيل من الدول العربية والإسلامية، هو تركيا.

إن حجم المبادلات التجارية بين عدد من الدول العربية وبين إسرائيل يفوق حجم هذه المبادلات البينية بين الدول العربية ذاتها. ففي العام 2008 بلغ حجم التبادل التجاري بين إسرائيل ومصر نحو 292 مليون دولار، بزيادة قدرها 18% عن العام 2007، بينما لم تتجاوز التجارة البينية بين الجزائر وليبيا 40 مليون دولار عام 2009. وبخلاف مصر والأردن، يحتل العراق موقعا متقدما في التجارة الخارجية لإسرائيل بنسبة 43% من إجمالي المبادلات الإسرائيلية- العربية، ولكن ذلك يتم من خلال استبدال علامات بلد المنشأ على المنتجات الإسرائيلية، حيث يتم تصدير هذه السلع أولا إلى قبرص أو وجهة أخرى مماثلة؛ ويتم استبدال علامات المنشأ عليها ثم يتم إعادة تصديرها إلى العراق. وبحسب تقرير لمعهد التصدير الإسرائيلي فإن هذه الطريقة تتبعها إسرائيل أيضا لإدخال منتجاتها إلى الدول الثلاث التي لا تزال تتبنى سياسة المقاطعة الكاملة لإسرائيل، وهي: (إيران وسوريا ولبنان).

مما سبق نرى أن سياسة الاختراق التي تنتهجها إسرائيل في مواجهة الدول العربية تتضح من خلال حجم المبادلات التجارية والعلاقات الخفية بينهم، فمن مقاطعة مصر لابرامها اتفاق سلام مع إسرائيل نرى كيف سارعت الدول العربية لاحقا لاقامة علاقات تقترب للطبيعة مع إسرائيل. فيما كان لأمريكا دور مهم وحيوي في الدفع باتجاه اقامة علاقات شبه طبيعية مع إسرائيل، والتي تعتبر مدخلا لاقامة علاقات قوية مع أمريكا. من جانب اخر تنتهج الدول العربية سياسة نشر العداء لإسرائيل ضمن مجتمعاتها، وايهام الشعوب العربية والاسلامية بأن إسرائيل هي العدو الذي يجب مواجهته، ويتم تغذية التيارات القومية والاسلامية التي ترى في إسرائيل عدو يجب محاربته، وتعتبر هذه السياسة وسيلة فعالة بيد الانظمة العربية لاستمرارها، حيث ترسل برسائل للعالم ولإسرائيل بانه لولا هذه الانظمة؛ فالشعوب العربية والإسلامية ستبتلع إسرائيل. لكن يبدو ان النظام العالمي وبعد ربيع الشعوب الذي اجتاح البلدان العربية انتهج سياسة موازية، وهي نقل الصراع الى داخل حدود الدول العربية واستنزافها داخليا.

 - آثار السياسات الغربية على منطقة الشرق الأوسط:

بعد سرد اتفاقية كامب ديفيد ووجهات النظر حولها؛ نرى بان السبب البنيوي للازمة التي يعانيها الشرق الأوسط هو التمترس القومي والديني وانشاء الدولة القومية. لقد قامت إنكلترا بدعم المشايخ العرب في شبه الجزيرة العربية - المتسمة بموقع استراتيجي على طريق الهند- وتعاملت معهم كحصان طروادة للوصول الى ماربها في البدء بضرب اركان السلطنة العثمانية بدءا من مطلع القرن التاسع عشر، وقد باشرت بدعم تشكيل دول قومية عربية مستفيدة بذلك من مساندة الطبقة النافذة بين العرب والمتمثلة بشيوخ القبائل. كما كانت لها في نفس الوقت محاولات مثيلة مع زعماء الطرائق الدينية، كالنقشبنديين والقادريين المنحدرين من مدينة السليمانية عن طريقِ كردستان. ووطدت رقابتها على جنوبي المملكة الإيرانية ايضا. كما استخدمت رجال الدين الأرثوذوكس ذوي الأصول الإغريقية المتواجدين في البلقان، ودعمت اليونان على اساس قومي ومذهبي. وهكذا، فإن المرحلة المبتدئة بالتمردات، استمرت بوجودها مع أنظمة الانتداب بعد الحرب العالمية الأولى، ولتترسخ الدولة القومية بشكلها النهائي مع الحرب العالمية الثانية.

ما بعد السلطنة العثمانية: بعد انهيار السلطنة العثمانية حدث فراغ في المنطقة. وكانت إنكلترا قد اعدت مخططها مسبقا للسيطرة على المنطقة وعدم تترك أية قوة منافسة وندة لها، وقامت بهيكلة المنطقة على شكل دول قومية، فكان لتركية نصيب فيها حيث تم اعلان الجمهورية التركية، فيما تم تقسيم وتهميش كردستان، والمناطق العربية تحولت الى دول تحت الانتداب، واصبح لليهود دولة بمساندة بريطانيا (وعد بلفور 1917). وكانت الجمهورية التركية أول دولة اعترفت بإسرائيل وكأنها بذلك تؤكد جوهرها من حيث كونها إسرائيلا بِدئية.

إن القوى التي دعمت قيام إسرائيل هي نفسها القوى التي انشأت اثنين وعشرين دولة عربية. وبالتالي، فعلاقاتها وخلافاتها مع إسرائيل تتسم بالتمويه. ونظرا لتشاطرها النظام المهيمن عينه من حيث المضمون فإن تناقضاتها تلك لا تكتسب معناها مهما كانت جدية، إلا عندما تتجاسر للخروج على إطار الهيمنة العالمية (الحداثة الرأسمالية). وإلا، فكيف لك أن تنضوي تحت كنف هيمنة الحداثة الرأسمالية عينها دون أن تعترف بإسرائيل.

إن الصراع العربي–الإسرائيلي أو الفلسطيني–الإسرائيلي لا يزال يدور في حلقة مفرغة لعدم استطاعت الاطراف المتنازعة الخروج على ادوات نظام الهيمنة العالمية والمتمثلة في الدولة القومية؛ التي باتت منبعا لتصعيد القضايا الوطنية والاجتماعية وزيادة وطأتها وتجذيرها، وجعلها عقيمة لا مخرج لها، لان الدولة القومية لا تحل القضايا؛ بل تنتجها. والنظام العالمي نفسه لا يقتصر على تأليب دول الشرق الأوسط بعضها على بعض، بل هو وسيلة لتأجيج نعرات الصدام بين شعوب المنطقة واستنفاذ قواها، وهذا ما يحدث اليوم في الشرق الاوسط وبشكل خاص في سوريا، فالأزمات المستعصية التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط لازالت قائمة ويتم تغذيتها بالأفكار والايديولوجيات العنصرية والمتطرفة لإدامة الصراع في المنطقة.

ان طريق السلام والعيش المشترك هو طريق الخلاص بالنسبة لشعوب المنطقة عامة، ولكن تيهان البوصلة والعمى السياسي والفساد والانحطاط الخلقي الذي يضرب مفاصل الدول والمجتمعات بات عائقا يستوجب نهضة فكرية حقيقية للولوج من الازمة.

المصادر:

- موقع قناة الجزيرة

- موقع تبيان/ خديجة يوسف

- موقع الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب/د. عادل ابراهيم عامر

- موقع روز اليوسف/توحيد مجدي

- موقع المصري اليوم/ احمد محجوب

- موقع مصر العربية/ صلاح عبد اللطيف

- موقع مصراوي/ محمد الضباغ

- موقع مصر اولا

- موقع رأي اليوم/ زهير أندراوس

- موقع شبكة فلسطين للحوار

- عبد الله اوجلان/ مانيفستو الحضارة الديمقراطية المجلد الخامس

أحدث الدراسات