مرحلة ما بعد عفرين: الاستراتيجية التركية في سوريا والعراق

صورة أرشيفية

د. جواد كاظم البيضاني

السبت 07-04-2018 | PM 04:12 |

مما لا شك فيه هو ان المقاتلين الاكراد وحلفاؤهم كان لهم الفضل في ايقاف تمدد "داعش"، وتحجيم دوره في المنطقة. ويبدو ان العمليات التي كانوا يقومون بها احدثت خللا في الاستراتيجية مما دفع القوى الدولية والاقليمية الفاعلة على الساحة السورية الى التعامل معهم، فالانتصارات التي حققوها، وقدراتهم المتنامية، وقضمهم السريع للارض، وقدرتهم الكبيرة على المناورة، فضلاً عن اجادتهم الكبيرة لفنون الحرب الحديثه، كل هذه العوامل جعلتهم رقماً صعباً في المعادلة السورية لا يمكن التغاض عنه، وبالتالي فرض هؤلاء المقاتلون واقعاً جديداً اربك مخططات الدول الاقليمية وقلب معادلاتها .ولعل هذا الامر كان محفزا لتركيا للقول ان تنامي قدرات قوات سوريا الديمقراطية يمثل تهديدا على امنها القومي، لانهم يسعون الى بناء دولة كردية، او على الاقل اقليم على غرار اقليم كردستان العراق. وهذا الاقليم وفقاً لتركيا يتخطى المناطق الكردية، ويمتد الى مناطق عربية وتركمانية. فهل صحيح ان للكرد مشروعهم في سوريا؟ ام ان ما يقال بهذا الصدد هو مجرد ادعائات ؟ واذا كانت قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على ربع مساحة الاراضي السورية تشكل تهديدا على الامن القومي التركي،  فهل شكل اقليم كردستان تهديداً مماثلاً على الاراضي التركية؟

وهل تتعامل تركيا مع اقليم كردستان العراق على المدى البعيد على الاقل بنفس تعاملها مع قوات سوريا الديمقراطية؟. ام ان تركيا  تخطط  لتواجد دائم في عفرين؟ ما هو رد قوات سوريا الديمقراطية على هذا التواجد؟.ان سيطرة القوات التركية والمليشيات التابعة لها على عفرين ادخل الصراع مرحلة خطرة جداً، فقوات سوريا الديمقراطية ربما تتبنى استراتيجية مغايرة لحروب المواجهة بسبب التبايبن الكبير في قدراتهم العسكرية مع الجيش التركي، وربما يعتمدون اسلوب حرب (الكر والفر)، وهذا النمط من القتال يشل الجانب التركي الذين لا يعرفون تضاريس المنطقة، فضلا عن تقاطعهم  القومي والعرقي مع السكان المحليين، فيدفع الامر الى عدم التمييز بين الحليف والخصم، فيوقعوا كل من يقف امامهم تحت نيران سلاحهم، وهذا هو الهدف من هكذا نمط في الحرب، لانه يشتت قدرات العدو ويضعف من فعاليته.

لقد صمدت قوات سوريا الديمقراطية (58) يوماً امام ثاني قوة عسكرية لحلف شمال الاطلسي، واستطاعت ارباك خطوط الجيش التركي، فضلاً عن تامينها انسحاب سهل للسكان الاكراد من هذه المدينة. هذا الاسلوب في الحرب لم يات من فراغ، فهؤلاء المقاتلين اكتسبوا قدرات عسكرية كبيرة مكنتهم من تعزيز قدراتهم على المناورة في ساحات المعركة والصمود في ميدانها لانهم مسلحين عقائدياً ومعنوياً، وهم اكثر انضباط في المعركة من المليشيات الموالية لتركيا، ولعل هذا الامر كان سبباً في انسحابهم امام عُنجهية تركيا وتغطرسها .ويبدو ان الاتراك بسبب سياساتهم ومواقفهم المتشنجة تعرضوا الى نقد كبير من دول العالم، وكانوا يجاهرون بعدائهم الصريح للاكراد، ولم يلتزموا بالقرارات الدولية، وآخرها موقفهم الرافض لقرار مجلس الامن الدولي رقم ( 2401) الذي صدر يوم السبت الموافق 24 فبراير / شباط 2018 والذي نص على وقف الاعمال القتالية على كافة الارضي السورية بما فيها مدينة عفرين.

ولعل هذه السياسة هي التي دفعت المستشارة الالمانية  أنجيلا ميركل الى انتقاد هذه التصرفات، وتحذيرها تركيا من السير والانجرار بهذا المنحى الخطير. ميركل لم تكن الاولى التي انتقدت تركيا، ولعلها لم تكن الاخيرة ، فالرئيس الفرنسي كان واضح في نقده لسياسات اوردغان. فماذا تهدف تركيا من وراء هذه السياسات؟. وهل صحيح ان مشروعها في المنطقة يستهدف التمدد من حلب حتى كركوك؟. لماذا تحجم روسيا عن انتقاد الموقف التركي في سوريا ؟ هل صحيح ان الاتراك ينفذون مشروعهم بالتوافق مع الروس؟.الحقيقة ان تركيا لم تفصح عن مشروعها في المنطقة، ولكن تمددهها باتجاه سنجار ومدينة منبج دفعنا للقول ان هناك توافق واتفاق بين الروس والاتراك يخفي خارطة جديدة للشرق الاوسط، تتقاسم فيها تركيا النفوذ مع حليفها (المخادع) وعدوها التقليدي. فهل ينجح الاترك في تطبيق مشروعهم ؟

تحدث جميل باييك الرئيس المشترك لمنظومة المجتمع الكردستاني  بصورة واضحة محذراً من تداعيات خطيرة تتعرض لها المنطقة بسبب المشروع التركي منوها الى ان (حزب العمال الكردستاني ) سينقل المعركة الى تركيا، وان اي عسكري تركي سيكون هدفا لقوات حزبه فيما لو تصرف ارودغان بهذه السياسة.  هناك من يقول ان الروس يرمون بتركيا الى مستنقع لا يمكن لها الخروج منه. فهل فهم الاتراك العبر؟.يقول الاتراك، وعبر ما تحدث به مسؤليهم، بان تركيا تستهدف حماية امنها القومي، وان مشروعها هو الوقوف بوجه تطلعات حزب العمال الكردستاني، بيد ان السؤال الذي يطرح نفسه: لو ان العراق بنفس قوته السابقة، وان سوريا كسابق عهدها، هل يجرؤ الاتراك على هذا الفعل؟

لماذا لم يتدخل الاتراك في المناطق الايرانية التي فيها جيوب للمعارضة الكردية؟.  الاتراك لم يتعضوا بما يقوله القادة الاكراد وآخرهم مراد قريلان ( رئيس لجنة الدفاع في منظومة المجتمع الكردستاني) والذي قال بصراحة ان خطوط الامداد التركية مستهدفة ؟.واذا عدنا الى اللاستراتيجية التركية في العراق، فالعراق عام 2014 يختلف عن العراق في عام 2018 ، وعلى الرغم من هذا التغيير في الميزان الاستراتيجي، بيد ان تركيا لم تقدر ذلك حيث جاهر اوردغان، علناً وامام حزبه، بان تركيا ستدخل اراضي عراقية جديدة.

 

*حاصل على الدكتوراه جامعة بغداد كلية الآداب. له ١٥ كتاب منشور. حاصل على وسام المؤرخ العربي وجائزة أدب الرحلات، فضلا عن كتب شكر من أكاديمية العلوم في يريفان وكتب شكر من مؤسسات دولية. يدير المعهد العراقي للدراسات الكردية في بغداد. ترجمت بعض كتبه إلى الفارسية والإنكليزية.

أحدث الدراسات