إئتلافيّون أم أنفاليّون جدد في عفرين؟

الأربعاء 21-02-2018 | AM 11:13 صورة أرشيفية

صورة أرشيفية

كتب: 5

د.آزاد أحمد علي

لا أود الاسترسال في سردية مكررة لجانب من مأساة شعوبنا، فالمشهد السوري بات من الوضوح ما يبهر نظر الضرير، لكن ثمة أحداث، لقطات، صورة وأخبار تبدو للمراقب الموضوعي في غاية الغرابة وربما الهزال والنفور. فالكثير من الحركات والمواقف، النشاطات التي يقوم بها عناصر من (المعارضة السورية) المرتهنة للخارج تتسم بالشذوذ حقاً، ترسم معاني هي بالضد من كل ما هو وطني بل إنساني. وإلا ما المعنى لزيارة شخصيات من قيادة الائتلاف السوري (المعارض) التابع لحكومة أردوغان إلى جبهات القتال في منطقة عفرين. ما المعنى السياسي والأخلاقي لهذه الزيارة؟! المشهد صادم: مجموعة من هواة السياسة المتسكعين على أبواب أنقرة يتمخترون في قرية كردية إيزيدية مهجورة من سكانها، بدت مدمرة، عناصر من (ائتلاف المعارضة) تقوم بزيادة لقرية سورية منكوبة ومنهوبة من قبل مجموعات مأجورة متعطشة للدم السوري، في مشهد يبحث عن معناه الحقيقي، فلا  يظهر في الأفق سوى ما هو مدّنس وساقط معنويّاً! في سياق البحث عن المعاني الضائعة في المحنة السورية، ماذا تود الزيارة رسمه في صفحة جديدة من دفتر المأساة! ما الجديد الذي تم أضافته؟ قبلهم زار الدكتاتور الجديد أردوغان غرفة علميات هاتاي (لواء اسكندرون) وخاطب جنرالاته: أنتم هنا لرفع مجد الأمة التركية... فما الذي يمكن إضافته إلى ما نطق به سلطان الدجل الإسلاموي الطوراني؟! ألا تندرج هذه الزيارة تماماً في مشروع تقسيم الشعب السوري، محاولة غبية لصب نار الكراهية على الجمرة المشتعلة أصلاً. أي أخطاء قاتلة يتم تكرارها من قبل المجموعة التي تدعي السياسة والحكمة أحياناً!  الصورة الجديدة زادت من تعقيد المشهد السوري خاصة أنها جاءت بعد تخويل مجموعة الائتلاف وفد حكومة أنقرة لتمثيلها في مؤتمر سوتشي، فبعد أن باعت وتاجرت أغلب قيادات المعارضة بآخر قطرة دم سوري، لم يتمكنوا من البقاء والدفاع عن مناطقهم لأيام، لأنهم يفتقدون لأي قاعدة أو فضاء شعبي، ألم يخجل هؤلاء المهزومين من الظهور في قرية كردية مهجورة، كيف نسوا أنهم غادروا مناطقهم لتسقط الواحدة بعد الأخرى ضحية للدمار والقصف والجوع. أي معنى كاريكاتوري للصورة الإعلامية؟! ليس ثمة معنى بين المعاني سوى أن هذه المجموعة المتسكّعة على أبواب حكومة أنقرة قد توهمت بأن بوابة العودة وربما تحقيق امتياز مستقبلي تمر عبر القرى الكردية البائسة، أي معنى للسير بين جثث الأطفال والشابات المدافعات عن منازلهم وزيتونهم، أي معنى يبقى لهذا التبختر سوى السقوط المؤكد في فخاخ الجريمة والارتزاق إلى جانب السقوط الأخلاقي المُشين. لماذا هذا الاستسهال لحرمة الجيران؟! أي غيمة من الوهم وسوء التقدير يلف أنظار مجموعة الضالين عن طريق الوطنية والإنسانية. المعنى الآخر وليس الأخير يفصح عن تعطشهم المجنون للسلطة، حتى تبختروا ومشوا متخيليين أنهم في أرض محررة فعلاً، وأنهم سيبنون سلطتهم الوهمية عليها، كما توهموا في جوارها القريب بمنطقة إعزاز – جرابلس التي لم تعد تخص السوريين بعرف التركي. واهمٌ من يفترض أن احتلال مناطق (الأكراد)  بوابة سهلة للعبور نحو السلطة والمال.ربما لكل منا قراءته وتتباين آراؤنا، لكن تظل لهذه الزيارة معنى عميق لن تندثر بقايا تلويثها للأرض المقدسة عند أهلها. لقد أخطأ عشاق السلطة وهواة السياسة والتبرج الإعلامي بأي مكان وفي أي زمان مرّوا. إنها قرية قستل جندو، المطلة على مدينة أعزاز، البعيدة 25 كيلومتر عن عفرين، حارسة مدينة كلس، محتضنة قلعة جنبلاط بك. لقد أخطأوا التقدير عندما مروا بجبل (بارسي خاتون)، حيث معابد الايزيدية ومقابر أمراء مملكة كلّس الكردية في شمال حلب ( 1200 – 1600) م. أنهم تماماً مثل أسيادهم الغزاة لم يتعرفوا بعد على ذاكرة وروح هذه الجبال. لم يقرأوا تاريخ هذا الشرق الجميل، إن لعنة طاوس ملك وأرواح الأمراء الجنبلاطيين ستلاحقهم حتما.لقد أخطأوا التقدير، فالقرية سجلٌ متجسّد لمقاومة الغزاة، أنها صفحة من أسطورة البقاء والديمومة. لقد أخطأ المستعربون الجدد، العثمانيون الجدد، عندما لم يدركوا تماماً معنى الزيارة.لقد جاءت غزوة عفرين بكل ما فيها من مآس، ليس فتحاً مبيناً للحكومة التركية ومرتزقتها، وإنما لحقيقة أن من تصدر مشهد المعارضة السورية هم أول من أضر ويضر بمصلحة الشعب السوري، خاصة في المعاني الجديدة التي يتم عبرها التأسيس لصراعات وشروخات عميقة.إن الحديث عن معنى الزيارة قد يؤدي بنا للاسترسال والإسهاب، لكن ثمة ما هو ضروري للتوقف عنده، ما الذي حوّل السيد رياض سيف، الدمشقي المدني الحضاري، الذي كان يقول أبان رومانسية ربيع دمشق: ليس لديه الاستعداد لإلقاء حجرة على الحكومة السورية، إلى أن يتحول إلى جندرمة متنمر على رؤوس الفقراء الكرد؟! كيف يرضى أي وطني، أي مدني، أي إنسان سوي أن يتحول إلى غطاء أو ستارة إعلامية لمجموعات غازية مارست وتمارس القتل والفتوى بالقتل منذ سنوات!؟ كيف لمجموعة تدعي العمل للصالح السوري العام أن يساهموا في نقل معركة حكم أردوغان الدكتاتوري السلطوي مع شعبه إلى أرض عفرين وبالتالي إلى داخل سورية. مشهد مجموعة من رجال السياسة المدنيين العرب السنة وهم يتجولون في قرية قسطل جندو الكردية الإيزيدية بمنطقة عفرين، هذا المشهد المريب لن يغيب عن ذاكرة الكرد الشرفاء، الكرد البسطاء. فمن بارك بهذا الغزو وتبختر في أراض سورية، كغطاء للغزو التركي الفاشي أثبت شراكته فعداوته لكل السوريين قبل المكون الكردي.المعنى الأخير:التجول في قرية سورية دمرتها الطائرات ومدفعية الجيوش التركية، كونه انتصاراً وفتحاً إعلامياً مبيناً!؟ تعيد دورة الأسئلة الصعبة من جديد، من انتصر على من؟ أي دور لهذه القرية الكردية الايزيدية البائسة في تغيير المعادلات السورية المعقدة؟ هزيمة هؤلاء المتعطشين للسلطة أمام نظام الحكم في دمشق، لا يعني بالضرورة تمجيد احتلال عدة قرى كردية، إذ لن تعيد لهم كرامتهم المهدورة، هذا إذا كان لديهم أصلاً قيم وأخلاق، فضلاً عن الكرامة.تدنيس أرض قرية قستطل جندو الكردية الإيزيدية من قبل هذه الزمرة العميلة لأنقرة وبحراسة الطائرات التركية من الجو والدبابات والمدافع التركية على الأرض يذكرنا أيضاً، وسكان القرية الإيزيدييّن على نحو خاص، بجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ( الدولة الإسلامية- داعش) بحق الإيزديين في منطقة سنجار/شنكال في كردستان العراق؛ فمازالت الذاكرة الإيزيدية والكردية طرية جداً إزاء الجينوسايد الذي ارتكب ضدهم. لا أهمية كبرى للفروقات الشكلية بين قستل جندو وشنكال فجوهر الممارسة والمنهج واحد. فقد رأينا شعاراتهم الجهادية وهتافاتهم العنصرية ولحاهم المسترسلة وهم يتوجهون لغزو و(فتح) عفرين، ورأيناهم وهم يجمعون الغنائم من خيرات أرض عفرين، تماما كما حصل في شنكال.المعنى الأخير لهذا المشهد - الاستعراض الأجوف تذكر بجولات المقبور صدام حسين وأزلامه في جبال كوردستان قبل وبعد عمليات الأنفال، تذكر الدارس لتاريخ العنف في شرقنا المنكوب بالقصف الكيميائي لحلبجة ودهوك. تذكرنا بحملات الإبادة ضد الكورد (المسلمين) عندما لم يكن هنالك pkk ولا ypg في جوار تركيا، المشهد في آخر ما تستخرجه من الذاكرة: سحب المقبور صدام من حفرته... فالأنفاليون الجدد وأسيادهم في أنقرة سيحاكمون يوماً ما، وإن لم يتم، فإن أرواح ودماء الأبرياء من السوريين ستكون دين وأثقال من نار تطوّق رقابهم. • باحث أكاديمي سوري

أحدث الدراسات