ثغرات سياسية وخدمية في المناطق المحررة من داعش

السبت 20-01-2018 | AM 11:18

تتوقف الإجابة على درجة الاستقرار التي تحققها السلطات المسؤولة في هذه المناطق. وبنظرة أولية تبدو المناطق التي استعادتها قوات سوريا الديمقراطية هي الأكثر نشاطاً من ناحية الخدمات والتنظيم مقارنة مع المناطق الأخرى، وتبدو المناطق التي استعادتها القوات العراقية هي – من الناحية الخدمية – الأسوأ حتى الآن نظراً لسعة المساحة الجغرافية المحررة أولاً، وتنوع القوى المسلحة المتواجدة في هذه المناطق.
ولم تعد قوات البيشمركة متواجدة سوى في مساحات صغيرة حررتها من تنظيم داعش بسبب انسحاب البيشمركة من مساحات واسعة أما القوات العراقية في أكتوبر تشرين الأول الماضي.
في مناطق سيطرة النظام هناك حالة هجرة جماعية لكل من هم في سن الخدمة العسكرية وكذلك من يخشى على نفسه من الاعتقال وهي حالات حدثت على نطاق واسع. غالبية من يتبقى في المناطق التي سيطر عليها النظام من تقطعت بهم السبل ولم يجدوا مخرجاً للهروب، لكن حركة العودة إلى هذه المناطق، مثل ديرالزور، ما زالت معدومة، حيث يواجه كل المدنيين مساءلات أمنية ولا ضمانة لأحد من أن لا يطاله الاعتقال لأبسط الأسباب.
وفق هذه المعطيات فإن توصيف ما يجري في مناطق "سوريا الديمقراطية" يندرج تحت اسم "تحدي الثقة"، وهي عملية تجري تحت إشراف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بما في ذلك انتخابات محلية وتشكيل مجالس مدنية وتقليص صلاحيات القوات العسكرية على أطراف المدن مقابل تأهيل قوات شرطة محلية.
في مناطق النظام هناك أزمة ثقة عميقة بين السكان والسلطة. عمليات الاعتقال التي تستهدف الشباب سواء تحت ذريعة التجنيد أو اتهامات بالتعامل مع داعش أو قوى المعارضة.
أما مناطق سيطرة القوات العراقية فإن إرث داعش ما زال يلقي بظلاله على الأوضاع في تلك المناطق من حيث حجم الدمار الكبير وأيضاً التهمة التي تلاحق السكان من قوات غير نظامية بالتعامل مع التنظيم. ويترك بطء حركة إعادة الخدمات إلى المناطق المدمرة استياء لدى السكان العائدين، خصوصاً في الجزء الغربي من الموصل بحسب ما أوضحت تقارير ميدانية. وهذا الاستياء ينتقل إلى النازحين في المخيمات المنتشرة قرب أربيل ودهوك وأطراف الموصل. فالرسالة التي ينقلها العائدون إلى النازحين: لا تعودوا!
المظهر الآخر للصعوبات التي تواجه إعادة الاستقرار في بعض المناطق المحررة من تنظيم داعش ارتفاع نسبة الجرائم الجنائية. ووفق إفادة لمسؤول في وزارة الداخلية العراقية مطلع الشهر الحالي فإن "90% من الجرائم التي شهدها العراق خلال الأشهر القليلة الماضية دوافعها مادية، تقوم بها جماعات مسلحة تنتمي لبعض المليشيات المتنفذة". فيما شبه خبير امني الوضع في العراق بعد داعش من حيث استمرار عدم الاستقرار بالوضع في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
قد تأخذ عملية الاستقرار في بعض المناطق وقتاً طويلاً نتيجة حجم التدمير الذي خلفه داعش وتشبثه بالبلدات والمدن التي احتلها حتى تم تدمير معظمها خلال المعارك، إلا أن بوادر خطيرة تظهر قد تشكل ثغرة ملائمة للخلايا الإرهابية المهزومة. فالتوترات السياسية بين الأحزاب السياسية تشكل غطاء لعودة التفجيرات وعمليات العنف، خصوصاً أن بعض العمليات تصب مباشرة في خدمة أطراف سياسية، سواء بالصدفة أو عن تنسيق مسبق، وهو ما يفقد المدنيين الثقة بالعملية السياسية برمتها، وهو وضع ينعكس سلباً في العراق، فيما لم تظهر فعلياً في المناطق المحررة بسوريا حتى الآن عدا أحداث متفرقة لا تشكل انهياراً أمنياً، وتقتصر على عمليات قريبة من مناطق الجبهة. إلا أن تصاعد التوتر السياسي بين الأطراف الشرعية الرئيسية تشكل فرصة للتنظيمات الإرهابية للعمل مجدداً على شكل عمليات دامية انتقائية. وغالباً تقوم الأطراف السياسية بإلقاء اللوم على خصومها السياسيين بالوقوف أو التواطؤ مع الهجمات الإرهابية. هذا السيناريو يوفر بيئة غير سليمة للاستقرار.
إن عدم وجود عملية سياسية شاملة للحل وإعادة الاستقرار وتقاسم السلطة يترك ثغرة أمنية كبيرة لعودة الانفلات الأمني، وقد تصبح جماعات إرهابية أداة لبعض الأطراف السياسية من أجل تحقيق أهدافها في الضغط على الخصم السياسي، وهذا من أخطر السيناريوهات المستقبلية في المناطق المحررة بسوريا بأن يتحول الإرهاب إلى أداة لتحقيق الأهداف لبعض الجماعات السياسية. وهناك تجارب عالمية وصلت إلى حد استخدام عصابات المخدرات في بعض دول أميركا الجنوبية لأغراض التنافس.
المسار الوحيد لضمان عدم عودة تنظيمات على شاكلة داعش لا يكمن فقط في تحقيق الانتصار العسكري، بل رعاية دولية للعملية السياسية في المناطق المحررة وضبط اللعبة السياسية بين التيارات المتنافسة بحيث لا يفكر فيها طرف عديم المسؤولية يوماً ما بفتح الباب أمام تنظيمات إرهابية ليحق من خلالها ما عجز عن تحقيقه بالسياسة المشروعة، وهي وقائع حدثت في السابق، وكانت من مقدمات ظهور داعش.  
 
صحافية كردية


أحدث الدراسات