السعي وراء الاستقرار بتكلفة مُحتَمَلة

السبت 13-05-2017 | AM 09:18 صورة أرشيفية

صورة أرشيفية

كتب: 5

 

ملخص تنفيذي

تشير استطلاعات الرأي إلى بروز اتجاهين فطريين لدى الرأي العام الأمريكي حيال الشرق الأوسط: الأول، المنطقة هي الخطر الأكبر على الأمن القومي الأمريكي. الثاني، على الولايات المتحدة تجنب أي تورط أكبر في تلك المنطقة.(1) الاختلافات الواضحة بين وجهات النظر هذه تكشف غموضاً حول كيفية وسبب وحتى إذا ما كان يجب على الولايات المتحدة أن تتورط أكثر في الشرق الأوسط. وتزايدت حالة الغموض هذه مجدداً عبر استخدام نظام الأسد للسلاح الكيماوي بداية شهر نيسان 2017 والضربات الأمريكية الانتقامية التي تلت الهجوم، وهو الأمر الذي أثار نقاشات حامية الوطيس حول المصالح الأمريكية في المنطقة وتكاليف ومنافع الدخول إلى المنطقة. هذا النقاش ضروري. الإشارة إلى الأنماط التاريخية للسياسة الخارجية الأمريكية لا يكفي لتوجيه الإستراتيجية المستقبلية وهي غير كافية لتبرير نفقات جديدة من الدم والمال. وتعتبر عملية إعادة تقييم واقعية للمصالح الأمريكية القومية الأساسية الحالية في الشرق الأوسط، إن وجدت، وإمكانية تأمين هذه المصالح بشكل معقول، أمراً بالغ الأهمية لصنّاع القرار الأمريكي المكلَّفين بمطابقة الوسائل مع الغايات الإستراتيجية، وللرأي العام الأمريكي المُطَالب بدعم هذه السياسات والدفع لتنفيذها. وجمعَ مركز سياسية الحزبين فريق العمل هذا لإعادة تقييم المصالح والأهداف والإستراتيجية الأمريكية في مواجهة حالة عدم الاستقرار الشديدة في الشرق الأوسط، وبشكل خاص في سوريا والعراق. توصلنا إلى استنتاج مفاده أن الولايات المتحدة لا تزال تملك مصالح قومية حيوية مستمرة لم تتغير إلى حد كبير في المنطقة، إلا أن إستراتيجيات حماية هذه المصالح يجب تحديثها في ضوء هذه التهديدات المعقدة والمُهلكة المنبعثة من تلك المنطقة كما ويجب وضع تقييم عملي لكيفية تخفيف مخاطر هذه التهديدات.وتملك الولايات المتحدة الأمريكية مصلحة مستمرة وعميقة في ضمان إمداد ثابت للنفط من الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية ومواجهة الإرهاب ومقاومة انتشار أسلحة الدمار الشامل إضافة إلى مصلحتها في دعم أمن وازدهار حلفائها في المنطقة. تمثل الحكومة الإيرانية والمجموعات السنية الراديكالية الإرهابية الخطرين الأساسيين على المصالح الأمريكية بسبب محاولاتهم لزعزعة الاستقرار والأهم من ذلك تعديل النظام الإقليمي. ورغم أن هاتين القوتين هما فاعلان مستقلان، إلا أنهما مترابطان بشكل وثيق: التوسع الإيراني يغذي التطرف السني، والتطرف السني يسهّل التوسع الإيراني. ولا يمكن تجاهل هاتين القوتين أو حلهما بسرعة مهما كان حجم القوة التي يتم استهدافهم بها. ويمكن القول إنه يبقى تحقيق النجاح في أعقاب الغارة الأمريكية على إحدى القواعد الجوية السورية، ممكناً فقط عبر تواجد أمريكي طويل الأمد يسعى إلى تأسيس نظام مستدام قادر على مقاومة التهديدات بناء على أساس يمكن تحمُّل تكاليفه مالياً وعسكرياً وسياسياً. فكلّما ازدادت قوة النظام الإقليمي، ستكون التدخلات الأمريكية أقل احتمالاً وأقل كلفةً. وفي إطار السعي إلى إقامة نظام إقليمي مُستدام يمكن تحمل تكلفته، تقترح مجموعة العمل المبادئ الإستراتيجية التالية لصنَّاع القرار الأمريكي الذين يقررون كيفية التعامل مع تحديات الشرق الأوسط. ستقوم فرقة العمل في الدراسات اللاحقة باقتراح سياسات دقيقة متطابقة مع هذه المبادئ التوجيهية.     مواجهة التوسع الإيراني والتطرف السُني معاً في كل من سوريا والعراق. على الولايات المتحدة تعطيل هذه الديناميكيات المزعزعة للاستقرار بين إيران ومنافسيها من السنة التي تهدد المنطقة بأكملها. إذا ما حاولت واشنطن مواجهة أي طرف "داعش" أو إيران لوحده، النتيجة ستكون تعزيز الطرف الآخر. إضافة إلى ذلك، يجب استهداف كِلا الطرفين على حد سواء واختيار الطرف الأكبر خطراً أولاً في العراق وسوريا. ولكن تحقيق نجاح مُستدام ضد هذه التهديدات يتطلب توجه أكبر من السيطرة على الرقة، النجاح يتطلب التعامل مع الديناميكيات الكامنة (الضمنية) لما يقارب عشرين مليون سني يعيشون بين بغداد ودمشق.(2)    تفادي نشوب صراعات إقليمية جديدة. لا يجب أن يحجب التركيز على التوسع الإيراني والإرهاب السني نقاط التوتر الأخرى في المنطقة عن عيون مركز القرار في واشنطن. السياسة القائمة على استهداف تهديد واحد ولكن إشعال صراع جديد – سواء أكان بين الأتراك والكرد أو الفصائل الكردية في العراق، أو بين إيران ودول الخليج – لن يخدم غاية النظام الإقليمي.    إدراك حقيقة أن روسيا ليست المسبب الرئيسي وكذلك ليست الحل لخلل النظام في المنطقة. تزايد الحضور الروسي في الشرق الأوسط يؤثر سلباً على المصالح الأمريكية لأنه يقّوي إيران ويؤدي فقط إلى تفاقم مشكلة الإرهاب السني. من المهم لواشنطن مقاومة الوقوع كفريسة لوهم أنه بإمكانها كسب أي فائدة في حالة التودد إلى  موسكو بعيداً عن طهران – بكل تأكيد لن يؤدي ذلك إلى أي نتيجة بتكلفة دبلوماسية مقبولة – أو بالاعتماد على بوتين كشريك موثوق في مكافحة الإرهاب.    السعي إلى تحقيق الاستقرار عبر الحكم الجماعي (الديمقراطي): لا يضمن الدعم الأعمى للقادة السلطويين ولا الدمقرطة السريعة الاستقرار السياسي في المنطقة. ولكن ما يبدو أنه يضمن عدم الاستقرار في المنطقة هو الحكم المحصور بفئة معينة والقائم على تقسيم المجتمعات،  وهو الضعف الذي استغلته إيران والجماعات السنية المتطرفة للإخلال بالنظام الإقليمي. لمنع حدوث ذلك، يجب على واشنطن أن تشجع أشكال الحكم الموثوقة والخاضعة للمسائلة على مستوى الدولة والدولة الفرعية.    أولوية النظام الإقليمي لا الحدود: على صنّاع القرار الأمريكي تعزيز تقاسم السلطة وتفضيل بقاء الحدود القائمة على حالها. ولكن يجب أن لا يكونوا مُطلقين. إذا ثبتت استحالة الحفاظ على الاستقرار في سوريا والعراق بحدودهما الحَاليتين، يجب على الحكومة الأمريكية أن لا تواصل اعتبار التشكيك بالحدود الحالية لهذه الدول وتغييرها محرماً تاماً.     خلق هدف مشترك بين حلفاء الولايات المتحدة: تتقاسم كل من إسرائيل والأردن والسعودية ودول الخليج مسبقاً التزاماً مشتركاً قائماً على صد العدوان الإيراني. على واشنطن أن تشجع وتستفيد من هذا الاصطفاف المتزايد بين حلفائنا لاحتواء إيران ووضع حجر الأساس لنظام إقليمي أقوى وأكثر تعاوناً.بإتباع هذه المبادئ من اجل مشاركة مستمرة ومستدامة، يمكن للمشرعين الأمريكيين المساعدة في عكس الانزلاق الحالي نحو الفوضى في الشرق الأوسط والمساعدة في الحد من الأضرار التي تصيب الازدهار والأمن الأمريكيين، والمنبثقة من تلك المنطقة. ومن شأن الفشل في تحقيق ذلك أن يؤدي إلى تضاعف الأخطار، مما سيستدعي تدخلاً وتكلفة أكبر في المستقبل.المصالح الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية عبر سياساتها باتساق إلى تأمين إمدادات نفطية مستمرة من الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية كما وتسعى إلى منع سقوط المنطقة تحت سيطرة أي قوة معادية مُحتَملة. وسعياً وراء تحقيق هذا الهدف السياسي، لعبت الولايات المتحدة دوراً نَشِطاً في محاولة الحفاظ على الاستقرار، سواء أكانت بين الدول في الشرق الأوسط أو بمستوى زمني في المنطقة. بمرور الوقت، أضيفت كل من محاربة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ودعم الأمن الإسرائيلي وقطاع الطاقة إلى قائمة المصالح الأمريكية الأساسية في الشرق الأوسط.ولكن ومع زوال الاتحاد السوفيتي كمنافس إقليمي، وتحول جيوبوليتيكا الطاقة- وبشكل خاص مع تعزيز الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة لأمن الطاقة الخاص بها – وعدم قدرة دول الشرق الأوسط الواضحة على معالجة مشاكلهم الخاصة، يدفع إلى تزايد الإجماع حول التشكيك بهذه السياسة التي يتم تبنيها منذ زمن طويل.ويقود تحليل مركز سياسة الحزبين إلى الاستنتاج بأن المشهد الإستراتيجي تغير، لذلك تتطلب المصالح الأمريكية الطويلة الأمد في الشرق الأوسط انخراطاً أمريكياً مستمراً في المنطقة. ولا تزال واشنطن مهتمة بشدة في دعم الاستقرار في الشرق الأوسط لتأمين حسن سير الاقتصاد العالمي، ولمنع سقوط المنطقة تحت سطوة القوى المنافسة المناهضة للولايات المتحدة، والحماية من المخاطر المفروضة من الإرهاب العالمي، ووقف انتشار أسلحة الدمار الشامل والدفاع عن حلفاء الولايات المتحدة.أمن الطاقة

عندما بدأت الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة مُصدّراً للنفط. ولكن على الرغم من ذلك، أعطى صنّاع القرار الأمريكي الأولوية للدفاع عن الشرق الأوسط لأنهم أدركوا بأنه سقوط المنطقة تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي سيكون له عواقب لا تُحتمل بالنسبة لاقتصاد حلفائها في أوروبا الغربية الذين كانوا يعتمدون على استيراد النفط من الشرق الأوسط.(3) نظراً لهذه المخاطر سعى السياسيون الأمريكيون ولفترة طويلة إلى ضمان عدم تمكن قوى معادية من السيطرة على إنتاج الطاقة في الشرق الأوسط وبالتالي إمكانية تحويل الطاقة إلى سلاح مُضاد. ففي عام 1990 على سبيل المثال، عندما غزا صدام حسين الكويت، لم يغب خطر احتمال فقدان أكثر من ثلث نفط العالم عن بال صنَّاع القرار الأمريكي.(4)وبطريقة مماثلة سعت الولايات المتحدة إلى تقليل مخاطر استهداف إمدادات الطاقة العالمية نتيجة الصراعات الإقليمية. حدث ذلك عندما استخدمت واشنطن وجودها العسكري في الخليج الفارسي إبان الحرب العراقية – الإيرانية لمنع تصعيد "حرب الناقلات" التي استهدف فيها كل طرف ناقلات النفط التابعة للطرف الآخر.(5)  اليوم وفي ظل اقتصاد عالمي أكثر ترابطاً حيث لا يزال الشرق الأوسط ينتج 35 % من إمدادات النفط العالمية، ستكون هنالك عواقب كارثية في حال حدوث أي خلل كبير في صادرات النفط من المنطقة.(6)الولايات المتحدة ولسوء الحظ لا تستطيع وقاية نفسها بشكل كامل من مخاطر حدوث أي توقف في صادرات النفط. حتى إذا كانت واشنطن قادرة على إنتاج الكمية النفطية التي تحتاجها ، سيكون لديها مصلحة في الحفاظ على تدفق ملائم لسببين الأول لأن حلفائها يعتمدون عليه والثاني لتجارة النفط في السوق العالمية. أي نقص مفاجئ وعنيف في إمدادات النفط الشرق أوسطية سيؤدي في نهاية المطاف إلى تهديد الازدهار الأمريكي الاقتصادي – سواء عبر رفع أسعار الطاقة الأمريكية، تباطؤ الاقتصادات الأوروبية وشهيتها على المنتجات الأمريكية، حرمان الصين من الطاقة اللازمة لإنتاج السلع للأسواق الأمريكية، أو عبر الحد من وفرة الوقود لسفن الشحن التي تمكن التجارة العالمية من الاستمرار.(7)  وسيتطلب تجنب صدمات الطاقة على الاقتصاد الأمريكي، باختصار، جهود أمريكية متواصلة لحماية التدفق الحر للنفط في منطقة الشرق الأوسط.الوقاية من الإرهابأدى صعود الإرهاب الإسلامي المتطرف كتهديد عالمي إلى إثارة انتباه الولايات المتحدة بشكل أكبر في المنطقة. محاربة هذا الخطر يعتبر هدف أساسي للعمليات الأمريكية الحالية في المنطقة الأوسع، ومن ضمنها سوريا والعراق إضافة إلى شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وجنوب آسيا وأماكن أخرى. ناقدون ربما يجادلون بأن الحركة الجهادية العالمية ظهرت بشكل رئيسي أو خاص استجابة لـ – وتمت تغذيتها من قبل – التحالف الأمريكي مع إسرائيل، التدخلات الأمريكية العسكرية في المنطقة أو الدعم الأمريكي للأنظمة السلطوية مثل المملكة العربية السعودية ومصر.(8) ربما لعبت هذه العوامل دوراً ولكن في نفس الوقت بالنسبة لكل الذين جذبتهم فكرة بأن الولايات المتحدة يمكن لها أن تنجو من خطر الإرهاب ببساطة عبر الخروج الكامل من الشرق الأوسط ، هذا التصور مُخادع. الإسلاميون المتطرفون أعلنوها صراحة بأنهم يملكون نطاق واسع من المظالم "الأخلاقية" و"الثقافية" ضد الولايات المتحدة الأمريكية والتي ستبقى طويلاً حتى وإن خفَّضت الولايات المتحدة حضورها العسكري بشكل دراماتيكي في المنطقة. العداوة الإيديولوجية التي تواجهها واشنطن من أجيال الإسلاميين المتطرفين الحاليين الصاعدين سيجعل مصالحها وحلفائها هدفاً للإرهابيين لعقود قادمة.خط الدفاع الأول ضد الإرهاب الذي يستهدف الولايات المتحدة يجب أن يكون المنطقة التي ينشأ فيها هذا الإرهاب. استمرارية الالتزام الأمريكي في الشرق الأوسط يؤدي إلى استدامة تحالفاتها وحضورها العسكري وهي الأمور التي يتوقف عليها النجاح في عملية مكافحة الإرهاب الإسلامي المتطرف. إضافة إلى ذلك يمكن للدعم الأمريكي أن يساعد في منع ظهور الدول الفاشلة والفراغ الأمني الناتج عنها والذي يؤدي إلى تفاقم الخطر الإرهابي.إيقاف أسلحة الدمار الشامل

إن خطر الانتشار النووي يكمن في تقاطع المصالح الأمريكية المتعددة في الشرق الأوسط. وجود أسلحة نووية في يد قوة متمردة ومعادية للولايات المتحدة الأمريكية مثل إيران من شأنه أن يؤدي إلى بتر النفوذ العسكري والسياسي الأمريكي في المنطقة، ويضع حلفاء واشنطن في خطر إضافة إلى إجبارهم على التكييف مع المصالح الإيرانية عبر إرعابهم، وزيادة أسعار الطاقة وأخيراً من المرجح أن تشعل سباقاً إقليمياً للتسلح النووي.(9) علاوة على ذلك، الخطر الذي تفرضه أسلحة الدمار الشامل (WMD)، ليس مقتصراً فقط على الأسلحة النووية أو فاعلي الدول. استخدام الأسلحة الكيماوية في الصراع السوري من قبل كليهما، النظام السوري وتنظيم "داعش"، لا يظهر جلياً فقط الرعب الذي تحدثه أسلحة الدمار الشامل الغير نووية بل تظهر رغبة وقدرة المجموعات الإرهابية بالحصول على هذه الأسلحة واستخدامها.(10) لحسن الحظ، لم تستخدم أسلحة الدمار الشامل (WMD) التي صُنِعَت في الشرق الأوسط خارج نطاق هذه المنطقة. لضمان إبقاء الوضع على حاله – وردع الاستخدام المستقبلي للأسلحة الكيماوية ضمن المنطقة – يتطلب الأمر اليقظة وجهود كبيرة لعدم الانتشار إضافة إلى التزام إقليمي مستمر.  حماية الحلفاء

تملك الولايات المتحدة الأمريكية أسباباً إستراتيجية وأخلاقية وقانونية قوية للبقاء ملتزمة بالحفاظ على أمن واستقرار حلفائها الشرق أوسطيين. كأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي (NATO)، تركيا والولايات المتحدة ملزمتان بتقديم المساعدة لبعضهما البعض. إسرائيل، بوصفها مَعقِل الديمقراطية النابض بالحياة في الشرق الأوسط، تتقاسم مع الولايات المتحدة الالتزام بالقيم الأساسية. ولعل الأهم من ذلك هو قيام واشنطن بحماية ودعم شركائها في الشرق الأوسط لضمان تلقي المساعدة من حلفائها هناك لتأمين مصالحها الإقليمية الخاصة.منذ فترة ما قبل العام 2000، قدمت الدول الحليفة للولايات المتحدة القواعد العسكرية المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي وفي بعض الحالات الجنود لمحاربة خطر الإرهاب الإسلامي الراديكالي المشترك.(11) ومع ذلك فإن هذه العلاقات الإقليمية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة سَهَلّتها توقعات بقاء واشنطن ملتزمة بالمنطقة. شركاء واشنطن الأساسيين في الشرق الأوسط (إسرائيل – الأردن – العراق – مصر – تركيا – السعودية) استفادوا من الدعم الأمريكي العسكري والتزامات الدفاع ولدرجات متفاوتة اعتمدوا على الدعم الأمريكي لمواجهة الأخطار المستقبلية التي يواجهونها. الفشل في مواجهة الأخطار في الشرق الأوسط يمكن أن يهدد أيضاً حلفاء واشنطن في الأجزاء الأخرى من العالم. في الواقع، من بين الجوانب الأكثر ضرراً في الصراع السوري تعتبر موجات اللاجئين الساعين إلى الوصول إلى الشواطئ الآمنة والنجاح في الوصول إلى الدول الأوروبية، الأمر الذي يضع هذه الأمم الأوروبية تحت ضغط تكاليف اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية كبيرة. في نفس الوقت، الحرب نفسها باتت جاذبة للمتطرفين الإسلاميين الأوروبيين، ممن يحصلون على تدريب عسكري على الساحة السورية قبل العودة إلى أوروبا وفي بعض الحالات تكون تأثيراتها مميتة.(12)عبر مساعدة حلفائها ضد الأخطار النابعة من الشرق الأوسط والتي تعرضهم للخطر، تساعد الولايات المتحدة الأمريكية في حماية نفسها أيضاً. ولتحقيق ذلك تعتبر حقيقة وإدراك الدعم العسكري والسياسي المتواصل لهؤلاء الحلفاء أمراً حاسماً. بالطبع لا يمكن أن يتم التشكيك بهذا الدعم – أن نكون أصدقاء جيدين يعني أن نشجع شركائنا على التصرف بمسؤولية في الداخل والخارج كليهما

.التوسع الإيراني والتطرف السني

الأخطار المتشابكة على المصالح الأمريكية

تمثل الحكومة الإيرانية والمتطرفين السنة في الشرق الأوسط اليوم، القوتين الأكثر خطراً واللتان تسعيان إلى زعزعة الاستقرار وتغيير النظام الإقليمي في نهاية المطاف.هذين الطرفين يقودان تقريباً كل الأزمات الإقليمية – سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، سيناء والخليج الفارسي. وبالتالي هما يمثلان تهديدين رئيسيين على المصالح الأمريكية المعرّفة أعلاه – ليس فقط بسبب الضرر الذي يحدثانه في النظام الإقليمي ولكن لأنه إذا ما بقي ما يحصل اليوم في الشرق الأوسط على حاله بدون قيود فإنه لن يبقى هناك.إيران دولة فاعلة عدوانية سعت إلى الحصول على قدرات نووية ومصممة على توسيع نفوذها الإقليمي على حساب شركاء الولايات المتحدة التقليديين. نهج النظام الإيراني الحالي العدائي يُمَثّل خطراً قصير الأمد بالنسبة للأنظمة السنية الجارة ولإسرائيل أيضاً، لكن تشكل أفعال إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة خطراً طويل الأمد على مصالح الغرب والولايات المتحدة الأمريكية. سلاح إيران الرئيسي ديمغرافي – السكان الشيعة والمتعاطفون الآخرون عبر المنطقة المستعدين لتنفيذ أوامر إيران.الإرهاب الراديكالي السني النوع يثير القلق بشكل أكبر من إيران في مخيلة الشعوب الغربية بفضل قدرتها على إثارة الخوف العميق ونفوذها الكبير في تغيير نمط الحياة الخاصة. (13) وبالتالي يمثل الإرهاب السني تهديداً فورياً ومتنامياً بالنسبة للولايات المتحدة وأصدقائها الإقليميين.  وأثبت المتطرفون السنة قدرتهم على زرع بذور العنف في الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية الأخرى وقاموا مسبقاً بإحداث إضرار جسيمة في الدول الضعيفة عبر المنطقة، مما يمهد الطريق لمزيد من الإرهاب للوصول إلى شواطئ الدول الصديقة لواشنطن وحتى للولايات المتحدة نفسها.الإرهاب السُني والسياسة التوسعية الإيرانية كل منهما يملك زخم مستقل خاص به ولكن من الأهمية أيضاً فهم العلاقة الكامنة بين الاثنين، حيث أن انضمام إيران ووكلائها من الشيعة في فترات زمنية معينة إلى القتال ضد المجموعات السنية المتطرفة مثل "داعش" يخفي مدى استفادة كل منهما من الآخر: التوسع الإيراني يغذي التطرف السني والأخير يسهّل التوسع الإيراني. وهذا لا يعني بالضرورة أن الانتصار على أحد الخَصْمَين سيزيل فجأة التهديد الذي يفرضه الطرف الآخر ولكن على العكس أي تقليص كبير لخطر أحد الطرفين دون بتر متزامن لقوة وانتشار الطرف الآخر سيكون من الصعب التعامل مع نتائجه.ولفهم علاقة التهديدات الإرهابية السنية والإيرانية، يجب النظر في علاقتهما التكافلية في سوريا والعراق.(14) قادت مجموعات المعارضة المعتدلة، ومن ضمنهم العلمانيين والمتحمسين ديمقراطياً، الانتفاضة ضد بشار الأسد عام 2011 ساعين بذلك إلى الحصول على تنازلات سياسية من الحكومة السلطوية في دمشق. الأسد نفسه، كان تواقاً إلى تجريد معارضه من الثقة عبر تقديمهم كإرهابيين، أطلق سراح العديد من المتطرفين السنة من سجونه، ممن ساروا وعززوا دعايته بالمضمون عبر تعبئة تنظيم "داعش" ومجموعات راديكالية أخرى والتي ازدادت قوتها بشكل كبير. ومع اشتداد الصراع، بدأت مجموعات المعارضة بتلقي الدعم من الحكومات السنية القلقة من تنامي النفوذ الإيراني والتي استشعرت وجود فرصة مواتية للإطاحة بعميل إيراني قديم (الأسد). هذا الدعم العسكري والمالي على حد سواء، كان في غالبه غير موجهاً نحو المجموعات الراديكالية، ولكن أقلق المسؤولين الأمريكيين رغم أنه حدث حتى قبل ظهور تنظيم "داعش". وفي نفس الوقت، واجهت إيران التصعيد الطائفي بشكل أكبر عبر تقديم الدعم المتزايد لنظام الأسد من خلال الحرس الثوري الإيراني الإسلامي (IRGC) وتنظيم حزب الله الإرهابي المدعوم إيرانياً إضافة إلى المقاتلين الشيعة من مناطق أخرى، مما أدى وبشكل تدريجي إلى تقليص قدرة دمشق وتحويلها إلى حالة التبعية لإيران.في العراق، أدى تصاعد مماثل في التوترات السنية – الشيعية في نهاية المطاف إلى تعزيز كليهما (إيران والمتطرفين السنة) على حساب الآخرين جميعاً.(15) ومكَّن الدعم الإيراني لحكومة بغداد، رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي من تبني سياسات طائفية متزايد والتي قادت في المقابل إلى نفور السنة العراقيين. وقوض المالكي العديد من المكاسب التي تحققت وكلفت العراقيين والأمريكيين ثمناً باهظاً على حد سواء في سنوات ما قبل الانسحاب الأمريكي عام 2011، عندما اعتقلَ المالكي منافسيه من السنة وشنَّ حملات تطهير ضدهم في الحكومة، وتجاهل التعهدات التي قطعها على نفسه للمقاتلين السنة في "حركة أبناء العراق" كما وأطلق العنّان للمجموعات الشيعية التي أساءت للسنة في غالب الأحيان.(16)وأتاح الغضب السني الخلفية التي تمكن "داعش" من خلالها التوسع بشكل دراماتيكي عام 2014، حيث أجتاح التنظيم مدن مثل الموصل التي كان سكانها مستاءين من تعصب التنظيم إلا أنهم اعتبروا المجموعة شكلاً من أشكال الخلاص من حكم المالكي المسيء.(17) وكما في سوريا، وظفت إيران مكاسب المتطرفين لصالح أغراضها الخاصة. وفي الوقت الذي ساعدت فيه إيران باستبدال المالكي نفسه بشخصية أقل إثارة للانقسام، ساعدت إيران في تنظيم المقاومة ضد "داعش" وضَمَنت تنامي سلطة المجموعات الشيعية التي رعتها طهران عن طريق لعب دور في تحرير المناطق الواقعة تحت سيطرة "داعش". (18) وبنفس الطريقة، عندما هاجم تنظيم "داعش" إقليم كردستان العراق، زادت إيران من نفوذها المحلي وهيبتها عبر تقديمها المساعدة الحيوية قبل التدخل الأمريكي وفي الوقت الذي لم تكن فيه لا الحكومة العراقية ولا التركية مستعدة لفعل ذلك.(19)لم تقم طهران والمجموعات السنية المتطرفة باستثمار الاستياء الطائفي وضعف الدولة فقط، بل يتشارك الطرفان بسمة مشتركة أخرى: كلاهما مهتم بتدمير وتغيير النظام الإقليمي الذي تقوده واشنطن والذي كان ميزة للشرق الأوسط في العقود السبعة المنصرمة. إضافة إلى ذلك، بينما يمتلك الطرفان أهدافاً مختلفة جداً على المدى البعيد لإعادة صياغة هذا النظام، إلا أنهما يستفيدان من إضعاف هذا النظام على المدى القريب. في الواقع لو كان النظام الإقليمي الحالي أقوى لكانت مخاطر التعديل من الدول والكيانات الغير حكومية أقل بكثير. ولكن طهران كما هي عليه الآن خلقت الفوضى ووظفته لصالحها لإعادة توجيه الشرق الأوسط نحو توازن قوى جديد، في حين استخدمت الجماعات الراديكالية الإسلامية نفس التكتيكات لتحقيق هدفهم المتمثل باستعاضة نظام الدول الحالية القائمة في المنطقة بالخلافة الإسلامية. ومن هنا ولكي تستطيع واشنطن صون مصالحها الأساسية، يجب على عليها مساعدة أمم الشرق الأوسط في إعادة بناء نظام قادر على مقاومة هذه الهجمات المترابطة.

نظام مستدام بتكلفة يمكن تَحَمّلها

موازنة الأهداف الإستراتيجية

نظراً لنطاق التهديدات التي تواجه المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، يجب أن يكون الاعتراف بعدم وجود حلول بسيطة لهذه التهديدات أساساً في السياسة الأمريكية. ومن شأن البحث عن طرق مختصرة لحلها أن يؤدي إلى تفاقم المشاكل في المنطقة وخلق تهديدات جديدة وأكثر خطورة على الولايات المتحدة وبالتالي سيستلزم تدخلاً أكبر وأكثر كُلفة في المستقبل. وستُجبَر واشنطن على البقاء في الشرق الأوسط على المدى المنظور.النجاح في الشرق الأوسط، كما هو عليه، سيتحقق من خلال السعي إلى إقامة نظام إقليمي مستدام قادر على مقاومة التهديدات الرئيسية بتكلفة سياسية وعسكرية ومالية يمكن تحملها. ويعتبر هدف التغلب على  التهديدين المزدوجين المتمثلين بـ السياسة الإيرانية التوسعية والتطرف السني بعيد المنال على المدى القريب. السياسة التوسعية الإيرانية يقوده نظام الجمهورية الإسلامية المتزمت والأوتوقراطي الثوري، أما التهديد الآخر فينطلق ويزدهر من التحريف الإيديولوجي للإسلام. ولا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية هزيمة أي تهديد منهم بشكل أساسي الآن ولكن يجب مواجهة التهديدين وإبطالهما.وكانت مخاطر الحضور الأمريكي الكبير والمحدود قد توضحت في المنطقة خلال العقد والنصف الماضي. تعريف الأهداف الأمريكية الإستراتيجية في نطاق جغرافي واسع والسعي إلى الإطاحة بالأنظمة وغرس الديمقراطية في المنطقة – سيكلف الولايات المتحدة نفقات لا نهاية لها سواء أكانت تكلفة بشرية أو مادية وستكون نتائجها عديمة الفائدة لدرجة الصدمة. من ناحية أخرى فإن تبني إستراتيجية شديدة الضيق – قائمة فقط على استهداف مجموعة إرهابية محددة ولا تستهدف الديناميكيات التي تؤدي إلى تنامي المجموعة في مكانها – لن تمهد إلا لتدخلات متكررة وتكاليف متزايدة.ليست هنالك وصفة سحرية يمكنها إيجاد التوازن الصحيح بين هذين الطرفين المتطرفين. بدلاً من ذلك، يتطلب الأمر أن تُظهِر واشنطن رأياً سياسياً جيداً قائماً على تجنب المبالغة والموقف السلبي معاً في مواجهة التهديدات الإقليمية. وبالنسبة لأي مشاركة أمريكية في الشرق الأوسط لخدمة المصلحة القومية الأمريكية، يتوجب أن تكون قد قيست ووجهت نحو تهيئة الظروف التي يمكنها ومع مرور الوقت أن تساعد في تقليل الفوضى وبالتالي تقليص مستوى الانخراط الأمريكي في الحرب إلى الحد الذي يمكن أن تتحمله واشنطن براحة أكبر. بدلاً من القضاء على هذه التهديدات، يجب على واشنطن أن تسعى جاهدة لن�

أحدث الدراسات