ما وراء أسطورة الشراكة: إعادة النظر في سياسة الولايات المتحدة تجاه تركيا

الأربعاء 08-02-2017 | PM 01:17

 

    تنصل من المسؤولية:
المعلومات، الآراء والتوصيات الواردة في هذا البحث لا تعبر بالضرورة عن آراء ووجهات نظر مؤسسي المركز أو مجلس الإدارة.

المحتويات
    ملخص عن البحث
    خلفية حول موضوع البحث
    إزالة الالتباس عن الأفكار الخاطئة (أساطير)
    إطار جديد للسياسة الأمريكية: مواجهة التسلط بصراحة سعيا وراء الاستقرار
    استنتاج: إيضاح التحدي المتناقض


    المصادر


ملخص البحث

 

وسط المخاطر المستمرة التي تهدد المصالح والأمن القومي الأمريكي في الشرق الأوسط، ستبقى وعود الشراكة والتعاون مع تركيا – كما كانت على مدى الإدارتين السابقتين – خياراً مغرياً لصنّاع القرار الأمريكي. ولكن من المستبعد جداً أن تحقق العلاقة الأمريكية – التركية أي منفعة إستراتيجية متعلقة بهذا الأمر. فبدلاً من تقّيد نفسها بالالتزام بالشراكة الأمريكية – التركية الغير عملية بشكل متزايد، يجب على الإدارة الأمريكية الجديدة أن تُدرك حقيقة وعمق التحديات التي تواجه تركيا، وإعادة تقويم العلاقات لزيادة نفوذ واشنطن، وتركيز طاقتها على التآكل المتواصل للديمقراطية التركية.
تختلف الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا اليوم وعلى كافة الأصعدة فيما يتعلق بالقضايا الإستراتيجية الإقليمية. بشكل خاص، دخل الطرفان في حرب التصريحات بعد توجه واشنطن إلى هزيمة تنظيم "داعش" عبر التعاون مع وحدات حماية الشعب الكردية السورية YPG، إضافة إلى اختلاف مقاربتهما حول الحرب الأهلية السورية. رغم ما سبق، تتأثر هذه التباينات الحادة في السياسة الخارجية التركية بديناميكيات داخلية أيضاً والتي يبدو أنها لن تتغير في الأمد القريب.
بالنسبة لأنقرة، السياسة الخارجية الأهم هي تأمين سلطة الحكومة في الداخل، والتي تعتمد على تعزيز السلطوية وتدمير أي حزب سياسي معارض مؤثر. وبالتالي فإن الحرب التركية ضد حزب العمال الكردستاني PKK، وامتدادها إلى الأراضي السورية، والحملة ضد تنظيم "داعش" وحركة فتح الله غولن، ليست إلا جزءاً من هذه الأجندات التي تستهدف تأمين السلطة.
تقوية أساس الأجندات الداخلية التركية تواجه عملية تحول لا يمكن تجنبها وبشكل متزايد في القيم. حيث أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وبالإضافة إلى السعي وراء السلطة بسبب مصالحه الشخصية، يسعى إلى تحويل الدولة التركية، المجتمع وموقعها في العالم. جهود أردوغان الساعية لإنشاء "تركيا الجديدة" (في وقت تعجزُ فيه واشنطن الإصغاء بالقدر المطلوب للمطالب التركية أو استخدامها غير الملائم للنفوذ المتوافر لديها) تؤدي وبشكل متواصل إلى خلق صراع بين أنقرة وواشنطن. وعلى الأرجح ستواصل مصادر التوتر هذه الاستمرار. أضف إلى ذلك، فإن حاجة أردوغان إلى تعزيز السلطة، وعقيدته القائمة على إخفاء الأعداء السياسيين واستمرار في تبني سياسة معادة الولايات المتحدة الأمريكية تعني أن محاولات واشنطن لتهدئة قلقه لن تجدي نفعاً ولن تخلق أساساً لعلاقة عملية بين الطرفين. ويمكن القول إن معركة تركيا مع واشنطن حول تسلم فتح الله غولن، توجد خلفها حقيقة إشكالية أكبر، حيث أن العديد من المسؤولين داخل الحكومة التركية وربما أردوغان من ضمنهم يعتقدون ودون ريب أن واشنطن كانت وراء انقلاب الخامس عشر من تموز 2015.(1)
وحتى ولو حققت واشنطن المطالب الفورية لأردوغان، مثل قضية تسليم فتح الله غولن ووقف التعاون مع وحدات حماية الشعب YPG، سيؤدي ذلك فقط إلى تشجيع أردوغان إلى طلب المزيد في المواجهات المستقبلية بدلاً من اغتنام واشنطن. إذا ما أعادت واشنطن فتح الله غولن إلى تركيا، سيجد أردوغان أعداءً آخرين بارزين. إذا ما اتجهت واشنطن لقطع الدعم عن المجموعات الكردية السورية، سيؤدي ذلك إلى زيادة عدوانية أنقرة في محاولاتها لمواجهتهم. باختصار، من الضروري التميز بين الأمور حيث أن غولن ووحدات حماية الشعب أعراض أكثر مما يكونوا سبباً الانهيار الحالي في العلاقات الثنائية بين البلدين.
ولكن الأسوأ لم يأتي بعد، حيث أن التدهور في العلاقات الأمريكية – التركية ليست المصيبة الوحيدة لعملية التحويل التي ينفذها أردوغان. هنالك خطر حقيقي يتجاوز مسألة تشكيل دولة سلطوية مستقرة، حيث أن سياسات أردوغان ستؤدي وبشكل خطير إلى تقويض الاستقرار التركي بدلاً عن ذلك، وبالتالي تفاقم الوضع في منطقة مشتعلة مسبقاً. وذلك من خلال إثارة الانقسامات الاجتماعية عبر خطابه العدواني، غض الطرف عن تنظيم "داعش"، زيادة خطاب العداوة والكراهية ضد الغرب وتقويض أساسات الاقتصاد التركي عبر الفساد. ساعد أردوغان على زرع بذور الصراع الداخلي في تركيا.
وللمحافظة على مساحة لعودة الديمقراطية في النهاية إلى تركيا، يتطلب ذلك عملية إعادة تأطير شاملة للسياسة الأمريكية تجاه تركيا. ومثل هذا التغيير في السياسة قابل للتحقيق فقط عند التوصل إلى فهم لمجموعة من الحقائق الجديدة على الأرض، مثل عدم إمكانية أن تؤدي الشراكة مع تركيا إلى مزيد من التقدم في المصالح الأمريكية الآن، الحكومة التركية تواجه الآن أخطاراً حقيقية، والحكومة التركية تتحمل مسؤولية الاثنين. في حال لم يتعامل صنّاع القرار الأمريكيون مع حقيقة التحدي الذي يواجه العلاقات الأمريكية – التركية – التحدي الذي يستمر في تعقيد الأمور عبر أفكار خاطئة حول تركيا، حكومتها، وفعالية أدواتها بالنسبة لترتيبات الحكومة الأمريكية – سوف يُحكم عليهم بإدارة الأزمات إلى الأبد وهو الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى حدوث الأسوأ بالنسبة للطرفين.
أضف إلى ذلك، توجه واشنطن إلى تشتيت نفوذها بهدف محاولة ترغيب تركيا بالعمل ضد "داعش"، على سبيل المثال، يهدد بتفاقم المشكلة ويزيد من سلطوية أردوغان، وهو الأمر الذي سيقود واشنطن حتى إلى بذل المزيد من الجهود واستخدام نفوذها المتضائل لإدارة التداعيات. وبالتالي فإن الخطوة الأولى هي دراسة الأفكار الخاطئة التي لا تزال تحيط بالعلاقة الأمريكية – التركية. لسنوات وخلال فترات حكم العديد من الإدارات من كلا الحزبين الرئيسيين، بالغت واشنطن في إدارتها في ثقتها بقدرة وحجم المساعدة التي تستطيع أنقرة تقديمها أو  التي تريد تزويدها في وجه التحديات الجيوسياسية الخطيرة. وقاد هذا الأمر غالباً صنّاع القرار الأمريكي إلى إرهاق دبلوماسيتهم على الساحة الدولية عبر بذل جهود عديمة الفائدة لكسب التعاون التركي في حين كان بإمكانهم تركيز جهودهم بشكل أكثر فعالية في مكان آخر.
حان الوقت للإقرار بأن الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا لم يعودوا يتقاسمون نفس القيم المشتركة أو الأولويات الإستراتيجية، وبالتالي لدى واشنطن القليل فقط لتقديمه لأردوغان كي يصبح شريكا أكثر مسؤولية ومتعاوناً. كما ويجب على صنّاع القرار في أمريكا التخلي عن الاعتقاد السائد لديهم بأن واشنطن بحاجة إلى أنقرة أكثر من حاجة الأخيرة لهم. أخيراً، من الأهمية بأمر أن لا تخلط واشنطن قوة أردوغان مع الاستقرار في تركيا عند تطبيق نفوذها.
سعت واشنطن ولمدة طويلة إلى تجنب الاعتراف بالتحديات التي تواجها في تركيا، وكنتيجة لذلك، تعاقبت السياسة الأمريكية بين إثارة العداوة مع أنقرة وبعدها محاولة إرضائها بلهفة. على الإدارة الأمريكية القادمة مواجهة هذه التحديات عبر تجاوز هذه الأفكار الخاطئة (الأساطير) بأن تركيا تحت قيادة أردوغان ستكون نموذجاً لوضع معين، أو شريكاً لها في مواجهة تحديات الشرق الأوسط. على الرغم من مواصلة تركيا لعب دور مركزي في بعض التحديات الأساسية التي تواجه السياسة الخارجية الأمريكية، ولكن بات من غير الممكن تسمية الدعم التركي في هذه الحالة حليف لواشنطن. ولهذا السبب تحتاج واشنطن إلى إطار سياسي جديد بالنسبة للتعامل مع تركيا، سياسة تؤكد على أن تركيا لا تعمل بمصالح متناقضة مع واشنطن وسياسة تمنع سقوط تركيا ضحية بشكل ذاتي للفوضى الداخلية التي أتلفت استقرار العديد من جيرانها وتصبح، بداخلها وبنفسها، جزءاً إضافياً للفوضى الإقليمية.


خلفية


 منذ سقوط الاتحاد السوفيتي في تسعينات القرن المنصرم، خمَّن بعض المراقبين بأنه ومع اختفاء التهديد الأساسي الذي يوحد البلدين، ستبدأ العلاقات الأمريكية – التركية بالتراجع. لكن التعاون استمر بين البلدين خلال فترة التسعينات، مُركِزين بشكل محوري على منطقة أوراسيا وبشكل أساسي منطقة الشرق الأوسط، وغالباً ما كان الالتزام المشترك للحفاظ أو لبناء نظام إقليمي مستقر الدافع الذي قاد البلدين لتطور العلاقة بينهم.
وشاركت تركيا في عملية عاصفة الصحراء عبر السماح للحلفاء باستخدام قواعدها التي كانت حاسمة في العملية، والتي أدت إلى فرض المنطقة الآمنة ضد نظام صدام حسين لاحقاً. (3) كما ودعمت أنقرة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال تزويد عمليات الأمم المتحدة بالجنود ونشرهم في الصومال ويوغسلافيا السابقة. ومع كفاح تركيا لتطوير اقتصادها وديمقراطيتها وسط الصراع المستمر مع الانفصاليين الكرد، قدمت واشنطن الدعم لتركيا عبر مساعدتها في إلقاء القبض على عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني عام 1999 وعبر تأمين حزمة من صندوق النقد الدولي لترسيخ الاستقرار في تركيا في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي عصفت في البلاد.
ومع انتخاب حزب العدالة والتنمية AKP عام 2002، وبتعزيز الرخاء الاقتصادي وتشجيع الديمقراطية في البلاد، تأمل العديد في واشنطن أن يقوم الحزب بتحقيق تقدم مستمر للمصالح الأمريكية عبر إدخال تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ونشر قيم التحرر في الشرق الأوسط.(4) وفي العقد الأول من فترة حكم الحزب، وفر العدالة والتنمية الأسس لكل من التفاؤل والقلق. واستمرت السياسة الداخلية في تركيا في العمل على دمقرطة البلاد خلال عامي 2007 – 2008، ولكن بالرغم من ذلك، كانت الدلائل واضحة على سلطوية أردوغان وغريزته المفعمة بالكره ضد الغرب. وفي سياستها الخارجية، كانت الرغبة التركية بشكل مماثل، للتصالح مع خصومها في وقت ما (روسيا – سوريا) مفتوحة على تفسيرات مختلفة: هل كانت خطوة براغماتية لترسيخ الاستقرار وتوفير الفرص الاقتصادية الجديدة أو توجه إيديولوجي انطلق من ولاء تركيا للغرب؟
وفيما يتعلق بهذا الوضع، تفاءلت إدارتا الرئيسين الأمريكيين، جورج دبليو بوش وباراك أوباما وتأملوا بأنهم قادرين على العمل مع تركيا وحزب العدالة والتنمية لتقديم أجندات مشتركة. ولكن وبحلول عام 2013،  قادت حالة السلطوية الصاعدة من قبل الحكومة التركية من خلال رد فعلهم العنيف على احتجاجات حديقة جيزي إضافة إلى أولويات السياسة الخارجية المتضادة مع السياسة الأمريكية، وبشكل خاص تلك المتعلقة بدعم أنقرة للمجموعات المتطرفة في سوريا، إلى تحول في التفكير وباتت حالة الإحباط والخيبة من تركيا أمراً اعتيادياً.(5) فيما بعد، دفعت محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز 2016، سلطوية أردوغان إلى أضعاف ما كانت عليه سابقاً، ما نتج عنها موجة من عمليات القمع التي لم تقتصر فقط على القوات العسكرية التركية بل شملت معارضي أردوغان في القضاء، البرلمان، الصحافة والنظام التعليمي كالجامعات. كما وشمل ذلك فصل أكثر من 100 ألف موظف مدني، في حين اعتُقِلَ العديد من البرلمانيين الكرد.(6)
بالرغم مما سبق، يبدو أن واشنطن لا تزال تؤمن بأنه طالما بقي العمل مع تركيا مهما جداً لتحقيق المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وخاصة الانتصار على تنظيم "داعش"، يجب عليها الحفاظ على تسوية وظيفية مؤقتة مع أنقرة حتى وإن شعرت واشنطن بالإحباط. ففي مواجهة الغضب التركي حيال الدعم الذي تقدمه واشنطن للكرد السوريين على سبيل المثال، حاولت واشنطن وبطرق متعددة منها استخدام أسلوب الإشادة والتملق، وفي بعض الأحيان التجاهل إضافة إلى الإرضاء في حالات أخرى.
في أفضل الأحوال، مَكَّنت هذه الإستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن من تجنب صراع كبير بين حليفي واشنطن من الكرد والأتراك. وبالتصرف بهذه الطريقة، أخفت واشنطن الاختلافات بين المجموعتين وساعدت كل طرف منهم على تغذية الاستياء المتبادل الغير قابل للتحمل ظاهرياً ضد الآخر. في غضون ذلك، لا تملك واشنطن خطة بديلة للتعامل مع مرحلة عدم القدرة على إدارة هذا الاستياء بين الطرفين.
نتيجة لذلك باتت مخاطر الحصول على سياسة تركية تتناسب مع مصالح واشنطن عالية في هذه المرحلة. بغض النظر عن النتيجة، سوف تبقى تركيا تلعب دوراً مركزيا في بعض التحديات الأساسية التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية، ابتداءً من إيجاد حل للحرب الأهلية السورية إلى هزيمة تنظيم وانتهاء باحتواء كل من روسيا وإيران. إذا ما لم تكن واشنطن قادرة على طلب المساعدة التركية لمواجهة هذه التحديات كحليف لأمريكا، يجب على صنّاع القرار أن يكونوا شديدي الذكاء في تأمين التعاون التركي عندما يكون متاحاً وضمان أن تركيا لا تعمل وفقاً لمصالح تتعارض مع المصالح الأمريكية. وبنفس الأهمية، سيتوجب على صناع القرار الأمريكيين وبنفس الوقت التأكد من عدم وقوع تركيا ضحية لحالة عدم الاستقرار الداخلي التي أنهكت العديد من جيرانها وتصبح هي نفسها داخلياً طرفاً في قيادة الفوضى الإقليمية.


تبديد الأساطير
    


لا يمكن إعادة النظر في السياسة الأمريكية تجاه تركيا طالما بقيت تُدار بناء على أساطير دائمة تمكنت من الاستمرار طوال فترة الإدارتين السابقتين. من الحكمة أن تقوم الإدارة الجديدة بتبديد هذه الأوهام قبل أن تسبب ضرراً دائماً للتحالف الأمريكي – التركي، المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ولتركيا نفسها.


أسطورة


تركيا تشارك الولايات المتحدة الأمريكية في مصالحها وقيمها


منذ بدء الحرب الباردة، كان التحالف الأمريكي – التركي مفهوماً جداً في كلا البلدين على أنه ثمرة المصالح والقيم المشتركة والتي تمثلت بـ عداوة ثنائية تجاه الاتحاد السوفيتي، مقترنة بالالتزام التركي الناقص ولكن المقبول بالديمقراطية، وهما العاملان اللذان اعتُبرا أساس التحالف بين البلدين. لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، خَدَمَت عملية دمقرطة تركيا، الالتزام بالاستقرار الدولي والإقليمي والاندماج في الاتحاد الأوروبي كأهداف مشتركة جديدة لعبت دوراً أساسياً في صون استمرارية التحالف بين واشنطن وأنقرة.
ولكن انقسمت المصالح الأمريكية والتركية بشكل كبير الآن. حتى أن قيادة حزب العدالة والتنمية AKP، تقوم وفي أكثر لحظاتها براغماتية، بإظهار تعاطف غير مسبوق مع المجموعات الإسلامية والتي تتعارض غالباً مع الغرب. تحت قيادة أردوغان، استضافت أنقرة قيادات حماس وسعت علانية إلى التصرف كراعي مسؤول عن المجموعة في غزة. وفي أعقاب بدء الربيع العربي، احتضنت تركيا الإخوان المسلمين في مصر وبدت تواقة لإعادة انحياز سياسي كان من شانه أن يفتح الطريق لأفرع الحركة لانتشار في المنطقة. وعلى نحو أكثر للقلق، دعمت تركيا خلال السنوات الماضية وبنشاط القوات المتطرفة المرتبطة بتنظيم القاعدة، مثل جبهة النصرة سابقاً. كما وغضت الطرف عن تنظيم "داعش" آملة أن يلعب التنظيم دوراً قيّماً في تعزيز موقف تركيا ضد القوات المنحازة لحزب العمال الكردستاني PKK في سوريا.(7) وفي تحول بالسياسة التركية مؤخراً يهدف إلى إعادة تلطيف العلاقات مع روسيا، اقترح أردوغان فكرة شراء الأسلحة الروسية والسماح للطائرات الروسية باستخدام قاعدة إنجرليك الجوية. وبشكل أوسع، أدى الالتزام المشترك بالازدهار الإقليمي، الاندماج والاستقرار عندما كانت المصالح الأمريكية والتركية مشتركة، ولكن تركيا ومنذ الربيع العربي، أصبحت أكثر تقلباً في الاستجابة إلى البيئة السياسية المتحولة، وراغبة بشكل أكبر إلى مخاصمة القوى الإقليمية وإثارة العداوات وأصبحت تميل إلى دعم الفاعلين من غير الدول لتحقيق مصالحها.
بالنسبة لأنقرة، الهدف الأساسي في السياسة الخارجية والداخلية هو تعزيز نظام الحكم. وبالتالي أظهرت أنقرة رغبة بالعمل مع أي شريك يمكن أن يساعدها في دفع أهدافها المحلية إلى الأمام. وطالما بقيت الحكومة التركية تركز على شؤونها الداخلية، فإن هذا السلوك الممارس يجب أن يكون متوقعاً وسيزداد الوضع خطورة في وقت يزداد فيه الشرخ بين المصالح الأمريكية والتركية. وصرح أردوغان مؤخراً قائلاً إن نعته بـ "الدكتاتور" من قبل الغرباء يعتبر أمر غير مهم لديه وأنه لا رؤية تهمه سوى رؤية الله. (8)  وبهذا الصدد، تجاهل أردوغان وبسعادة انتقادات الإعلام الغربي عندما اعتقل الصحفيين وأغلق المنظمات الغير الحكومية المعارضة أو عندما أسس "النمط التركي" من النظام الرئاسي التنفيذي والتي ستنهي عملية الفصل بين السلطات تماماً. وبشكل أكثر دقة، أعلن أردوغان دعمه الكامل لإعادة عقوبة الإعدام التي من شأنها أن تنهي محادثات الانضمام للاتحاد الأوروبي.
وإذا ما تعمقنا في الأمر، فإن عمليات التطهير المتواصلة التي تنفذها الحكومة التركية في قطاعات القضاء، التعليم والجيش، أظهرت وبكل وضوح تفضيل تعزيز نظام الحكم على حساب استمرار عمل الدولة. نظرا لعمليات التطهير التي حدثت في الجيش التركي، على سبيل المثال، فإن فعالية قدرات الجيش التركي لم تعد واضحة حتى ولو دخل في معركة مباشرة ضد تنظيم "داعش". وبشكل مماثل، فإن عمليات الفحص الدقيقة لقوات الأمن والاستخبارات التركية تمت بناء على إعطاء الأولوية للمولاة على حساب الكفاءة، وهو الأمر الذي سيضعف تركيا في مجال مكافحة تنظيم "داعش" وخلاياه النائمة باتت متغلغلة ضمن حدود الدولة. الأجندات الداخلية التركية جعلتها بشكل متزايد شريك متقلب، غير متعاون وعاجز، نزعة لا تظهر أي إشارات بالزوال.
وبالتالي، فإن خطر تصارع واشنطن وتركيا على المصالح في المستقبل فقط سيتجه نحو التزايد. حيث أن حكومة كانت راغبة بالانخراط في العمل والتعاون مع تنظيم "داعش" بأمر الواقع لن تلتزم بمبادئ المجتمع الغربي أو بمصالح حلف شمال الأطلسي. فيما يتعلق بإيران مثلاً، لدى تركيا تاريخ من المحاولات للحصول على حصة من الكعكة أيضاً، متكلة على المظلة النووية لحلف شمال الأطلسي لحماية نفسها من مخاطر تسلح إيران بالنووي، ولكنها وفي نفس الوقت عارضت وقوضت العقوبات الغربية المفروضة لكبح برنامج إيران النووي.(10) والمحاكمة المستمرة لرجل الأعمال التركي – الإيراني رضا زاراب تزودنا بمثال مُعَبّر عن كيفية حدوث ذلك. ورشا زاراب مسؤولين مقربين من حزب العدالة والتنمية الحاكم للتواطؤ بهدف تسهيل مخطط تهريب الذهب وهو الأمر الذي ساعد النظام الإيراني ومكنهُ من تجنب العقوبات الدولية والقيود المفروضة على العملة. ولم تخدم هذه العملية مصالح فقط حزب العدالة والتنمية عبر الدفعات المالية التي تلقاها أعضاء الحزب، بل مكنت النظام التركي من المحافظة على الروابط التجارية مع إيران في لحظة كانت ستوتر العلاقات فيه. وعندما تم فضح قضية الرشوة ومخططات تهريب الذهب من قبل النواب الأتراك (الذين كانوا مرتبطين وبكل وضوح بحركة غولن)، كان استجابة حزب العدالة والتنمية إلى حد بعيد مركزة على صون النظام،، بدلاً من التأثيرات الجيوسياسية السلبية الأكبر لهذه الجريمة. وبالتالي، أغلقت الحكومة التركية كل قضايا التحقيق في نشاطات زاراب ومن ثم ضغطت على واشنطن لإسقاط التهم عن زاراب أيضاً.(11) وخلال هذه الفترة كلها، أهمية العقوبات على النظام أو مخاطر برنامج إيران النووي، يبدو أنها قط لم تؤخذ في حسابات الحكومة التركية. كما وزاد أردوغان من خطاباته التقليدية المعادية للغرب ولأمريكا بشكل كبير في أعقاب الانقلاب الفاشل، مسهباً في نشر نظرية المؤامرة بأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يمثلون الأخطار الجيوسياسية الرئيسية لتركيا. أي خطر على موقع أردوغان الداخلي في المستقبل سيجبره على زيادة استخدام هذا الخطاب وسيدفعه إلى زيادة هذه التعبيرات خطابية بشكل ملموس في السياسة الخارجية. وغض الطرف عن هذه الديناميكيات سيسمح لها بأن تعرض لتفسد تماماً كما الجرح في جسم الإنسان، مما سيوسع ثغرة القيم والمصالح بين واشنطن وأنقرة. وبالتالي لا بد من الاعتراف بأنه طالما بقي هذا التمزق قائماً دون معالجة سوف يستمر.


أسطورة


أردوغان زعيم ويمكن لواشنطن العمل معه أو إرضائه


رغم الأدلة، قد لا يزال الأمر مغرياً القول إن أردوغان الذي أثبت أنه زعيم سلطوي يمكن لواشنطن إقامة علاقة تعامل متبادلة مفيدة – كما فعلت مع الجنرال المصري عبد الفتاح السيسي على سبيل المثال، أو حتى مع الجنرالات الأتراك الذين قَدِموا إلى السلطة عقب الانقلاب العسكري في ثمانينات القرن المنصرم. في ضوء ذلك، حثَّ العديد من المراقبين على صرف النظر عن معظم مواقف أردوغان الاستفزازية، وبشكل خاص في السياسة الخارجية، لأنها خطاب مصمم للاستهلاك الداخلي ولا تعكس بالضرورة عن مصالح أنقرة الحقيقية. ولكن هذه النظرة التفاؤلية تسيء فهم عمق وصدق توجهات أردوغان المعادية للغرب ومدى تأثير خطابه الشعبوي في تشكيل السياسة. هذا التقييم يتجاهل أيضاً المدى الذي تؤثر فيه عملية تعزيز نظام الحكم التركي من قبل أردوغان على سياسة البلاد التي باتت تسير نحو المجهول وباتت تعتمد على طموحات أردوغان الشخصية، وفي أغلب الحالات تكون بعيدة عن الواقع.(12)
وربما يبدو اعتقاد أردوغان الصريح الواضح حول وقوف الولايات المتحدة خلف محاولة الانقلاب العسكرية ضده، على سبيل المثال، المثال الأكثر تعبيراً عن حجم عمق تفكير أردوغان المعادي لأمريكا وكيفية تأثير ذلك بسهولة على السياسة التركية. وفي أعقاب الفاجعة التي حصلت في الخامس عشر من تموز 2016، حاولت الحكومة التركية عبر خطابها – الذي استخدمه الرئيس، رئيس الوزراء، حزب العدالة والتنمية والإعلام الموالي له – برهنة دعم واشنطن لهذا الجهد بعنف وثبات يشيران إلى إدانة واشنطن بشكل واقعي. وربما كان وزير العمل التركي، سليمان سويلر، الأكثر مباشرة حيث صرح قائلاً "أمريكا تقف وراء الانقلاب."(13) أما رئيس الوزراء بينالي يلدرم كان حذقاً حيث قال "تركيا ستعتبر نفسها في حالة حرب ضد أي بلد يدعم غولن."(14) أما إبراهيم كاراغول – الذي يكتب في جريدة تقع تحت سيطرة عائلة أردوغان – ذهب أبعد من ذلك حاول أن يبرهن ودون أدلة أن الولايات المتحدة الأمريكية حاولت قتل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان. من أردوغان وإلى المواطنين العاديين، بدا حدوث الانقلاب مستحيلاً دون تورط واشنطن في الجريمة، لاسيما وأن العقل المدبر المفترض الذي يقف وراء المحاولة الانقلابية، فتح الله غولن يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية. في التصريحات اللاحقة، جادل المسؤولون الأتراك قائلين إنه طالما بقيت واشنطن توفر ملجأً لـ غولن، لا يمكن اعتبارها صديقاً لتركيا.
ونتيجة هذا الشك هي أنه حتى وإن حاولت الإدارة الأمريكية إعادة طمأنة أنقرة عبر تسليم غولن لها فإنها ستتمسك بشعورها العدائي، الأمر الذي سيشكل تشققاً أساسياً في المصالح. وعلى نحو أكثر أهمية، أدرك أردوغان منذ وقت طويل أن خطاب معادة أمريكا يهيئ لتعبئة قاعدته الشعبية ويضعف الثقة بالمعارضين. وبالنسبة لأردوغان الذي يحاول تعزيز سلطاته كرئيس وتحاشي السقوط الممكن من الانهيار الاقتصادي المحتمل، فإن نهج معادة الولايات المتحدة سيصبح أكثر أهمية بالنسبة لموقعه الداخلي.
حتى وإن تجاهلنا ديناميكية معاداة أمريكا الاستثنائية، هنالك سبب جيد للتشكيك بفعالية إستراتيجية الإرضاء وبشكل خاص في حال إدارة السياسة التركية الخارجية بناء على الشؤون الداخلية. وقد يكون اتفاق اللاجئين الفاشل بين تركيا والاتحاد الأوروبي المثال الأفضل الذي يمثل ذلك. عندما توصل القادة الأوروبيون إلى تسوية مع أنقرة تقتضي بتلقي الأخيرة المساعدة المالية والسياسية لقاء منع تدفق اللاجئين إلى دول الاتحاد، وهو الأمر الذي انتقده مراقبون بشدة ووصفوه بالاستسلام المثير للسخرية، لاسيما أن القادة الأوروبيون فضلوا الصمت على انتقاد تركيا بهدف تأمين نجاة اتفاق اللاجئين.
حتى أن الحكومة الألمانية سمحت باتخاذ الإجراءات القانونية ضد الصحفي الساخر الذي سَخِرَ من رجب طيب أردوغان على شاشة التلفزيون.(15) ولكن إن كانت الاتفاقية مثيرة للسخرية والتهكم فإنها كانت قصيرة الأمد وقصيرة النظر.(16) اللهفة التركية لاعتقال السياسيين الكرد ومؤدي حقوق الإنسان -  الذين يدعون للسلام والذين تفترض تركيا أنهم يدعمون حزب العمال الكردستاني – أفضى إلى استحالة تعديل قانون مكافحة الإرهاب التركي ليتوافق مع الشروط القانونية للاتحاد الأوروبي لإعفاء مواطني تركيا من تأشيرة شينجن.(17) وتزامناً مع رفض تركيا إجراء هذه التعديلات، وبشكل أوسع، مضايقة المنتقدين وقيادة البلاد نحو صراع أهلي مزعزع للاستقرار، واجه المسؤولون الأوروبيون احتمالاً واضحاً جداً حول أن السماح للأتراك بالسفر دون تأشيرة داخل دول الاتحاد سينتج عنه وصول موجة جديدة من اللاجئين الأتراك والساعين للحصول على اللجوء بدلاً من السوريين الذين كان الاتحاد يحاول تحجيم عدد القادمين منهم. كنتيجة لذلك، بات الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن التقدم بإجراءات إلغاء التأشيرة، التي كانت واحدة من أكثر التنازلات المقدمة من الاتحاد تداولاً. أما المسؤولون الأتراك فردوا على هذا الطريق المسدود بتوجيه انتقادات لاذعة للاتحاد وإدانة النفاق الأوروبي والدعم المفترض المقدم للإرهاب.(18) ومن غير المفاجئ أن رد الفعل التركي هذا عمّق حالة التدهور في العلاقات فقط وجعل من الصعب جداً على المسؤولين الأوروبيين المؤيدين لإيفاء الشروط من الجانب الأوروبي، تاركين الاتفاق يتأرجح على حافة الانهيار.(19) باختصار، حتى عندما كان القادة الأوروبيون راغبين برؤية تجاوزات وآثام أردوغان بنظرة أخرى، كانت سلطويته السبب الأساسي في تقويض الأهداف الأمنية التي حاول القادة التعاون مع ت

أحدث الدراسات