الوجود الكردي في شمال سوريا : منطقة جبل الأكراد (عفرين)

الجمعة 25-11-2016 | AM 11:41 جبل الأكراد - صورة أرشيفية

جبل الأكراد - صورة أرشيفية

كتب: د. محمد عبدو علي

 

المقدمة والأهمية

انتشرت في الآونة الأخيرة العديد من الدراسات والمقالات في الأوساط السورية، عن الوجود الكردي في سوريا. ويحصل كثيراً أن يتطرق أحدهم إلى مسألة وجود الأكراد في سوريا، وفي منطقة عفرين تحديداً، بالقول : إنهم قادمون من خارج المنطقة منذ زمن ليس ببعيد، وحلوا محل العرب السكان الأصليين للمنطقة. في الواقع كثرت دراسات ومقالات في الوسط السوري تردد هذه المقولات، وما إن تطلب الأمر ذكر اسم عربيّ واحد كان يسكن المنطقة قديما، ثم تم تهجيره من قبل الأكراد، حتى احتاروا في الجواب، لأنه في الحقيقة لن يشاهد عربيا تعود أصوله القديمة إلى منطقة جبل الأكراد (عفرين) وهُجِرَ منها، سواء من قبل الأكراد أو من غيرهم، سلماً كان أو بالإكراه، لا قديماً ولا حديثاً. بقى الموضوع عالقا في ذاكرتي، متوثبا في خواطري بهذا السؤال: أيمكن أن تحمل وجهة النظر هذه شيئاً من الحقيقية؟ وإن لم يكن كذلك، أليس من الضروري أن يدرك مَنْ يحمل مثل تلك الأفكار، أن الأكراد هم سكان قدماء في هذه المنطقة، قبل أن تولد دولها وحكوماتها الحالية بقرون عديدة.  بالطبع، تثير هذه النظرة استغراباً كبيراً لدى سكان المنطقة؛ لأنه، وعلى سبيل المثال، نحن في عائلتنا نحفظ شجرة عائلتنا في قريتنا في عفرين إلى الجد العاشر، أي إلى فترة لا تقل عن 250 سنة، كما أن هناك أدلة ووثائق تشير إلى وجود كردي في المنطقة لفترة لا تقل عن العهد الأيوبي، أي إلى نحو تسعة قرون خلت. حينها قررت أن أهتم بالموضوع بنفسي، ووضعت نصب عيني إنجاز بحث حول تاريخ السكن والاستيطان في المنطقة، ومعرفة الشعوب التي استوطنتها والدول التي حكمتها عبر التاريخ، والأحداث التي مرت بها.باشرت العمل بالبحث منذ سنوات، واعتمدت في بحثي هذا مصدرين أساسيين: الأول، في مجال التاريخ: المصادر الكتابية التاريخية القديمة والمعاصرة المتوفرة، وجاهدت أن تكون عربية وسورية بقدر ما كان ممكناً ومتاحاً، متوخيا الدقة في نقل المعلومة التاريخية. الثاني، في مجال الأوضاع العامة الأخرى: استندت فيها إلى الاستطلاع الميداني في القرى والمواقع، ومقابلة المعمرين وأولي المعرفة والاهتمام من أبناء المنطقة. وفي الحقيقة، عانيت كثيراً في السنوات السبعة التي استغرقها إنجاز بحثي هذا. أولاً: لعدم توفر المصادر الكتابية التي تبحث في شؤون منطقة صغيرة كعفرين. وثانياً: بغية التأكد من معلومة ما، كنت أضطر السفر إلى القرى البعيدة أكثر من مرة، لمراجعة أكثر من مصدر لها، وهكذا بالنسبة لجمع الصور والوثائق. وأحيانا، كنت أفاجأ بامتناع بعضهم عن الحديث لأسباب قد تتعلق بماضيه الشخصي أو بماضي أسرته، أو سواه...؟ وكان الأمر يتطلب جهداً كبيراً أحيانا لإقناع هؤلاء بأن لاخوف من إظهار المعلومات والروايات التي تتعلق بحادثة ما أو بخاصية من خصوصيات مجتمع جبل الأكراد قديما. سوى ذلك، كنت ألاقي في بعض الأحيان إعراضا عن التعاون، والجفاء من بعضهم الآخر، ولحسن الحظ كانت قليلة.إلا أنه رغم الجهد والمعاناة اللذان بذلتهما خلال سبع سنوات من البحث التاريخي و الميداني، شعرت براحة كبيرة لما توصلت إليه من نتائج، وخاصة في بحث التاريخ، لأنني أعتقد أنها أزالت الكثير من الغموض عن تاريخ جبل الكرد. ورغم النواقص والملاحظات والانتقادات التي قد تتعرض لها، إلا أنها ولا شك تحمل جزءً هاماً من الحقيقة لا يمكن لأحد من الآن فصاعدا إهمالها لدى الحديث عن منطقة جبل الكرد-عفرين، وماضيها التاريخي والاثني وتاريخ وجود الأكراد وأسلافهم القدماء عليها. أما الأبحاث التي تتعلق بالحياة العامة للمنطقة وأحوالها، فأشعر في قرارة نفسي أن هناك الكثير الذي لم أتمكن من جمعه وتوثيقه وتدوينه، وكلي أمل أن يتم تدارك ذلك من قبل أناس آخرين يكملون ما بدأناه، ويتضمن ما لم يكن ممكناً هنا. فجهدي المتواضع هذا، هو الثالث عن المنطقة بعد دراسة السيد روجيه ليسكو في كتابه ((جبل الكرد وحركة المريدين))-1940 وكتاب ((المظالم الفرنسية.. )) ل- جميل كنة البحري-طبع 1967، وهي ورغم أنها دراسات موجزة إلا أنها تعتبر رائدة عن منطقة جبل الكرد-عفرين.ففي هذه الدراسة حاولت ان أضع خلاصة بحثي في موضوع أشغلني للعقود الماضية، وهو ما يخص منطقتي التي انحدر منها ، جبل الكرد- عفرين- شمال حلب، وهي تعد من المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال سوريا،  محاولاً الابتعاد كلياً عن السجال السياسي الراهن حول الوجود الكردي القومي في سوريا.تفترض هذه الدراسة أن الوجود الكردي في هذه المنطقة قديم جداً ، يبلغ عدة قرون ، وليس وليد هجرات حديثة، قبيل وبعيد تأسيس الدولة السورية، كما يزعم البعض . ولضرورات منهجية، وضعنا المنطقة في إطار جغرافي أوسع، وهو مثلث مدن: حلب - عنتاب- انطاكية، وتقع مدينة سيروس "نبي هوري" في مركزه . وتقوم الدراسة بدراسة هذه المنطقة الجغرافية في الحقب التاريخية المتتالية من الألف الثالثة قبل الميلاد، وتعاقب الشعوب والحضارات المختلفة حتى بدايات الانتداب الفرنسي على سوريا .  ويجدر هنا التمييز بين منطقتين تحملان نفس التسمية في سوريا، الأولى هي المنطقة التي تتركز دراستنا هذه عليها، منطقة عفرين، أما المنطقة الثانية المسماة بـ((جبل الأكراد)) أيضاً، فهي في ريف محافظة اللاذقية الشمالي، وتقع بين طريق حلب-اللاذقية في الشمال، وناحية القساطل من الغرب، ومن الجنوب ناحية صلنفة، ومن الشرق المنحدرات المطلة على سهل الغاب. وتضم المنطقة نحو خمسين قرية، ينتمي سكانها إلى عشائر كردية كبيرة كانت ولاتزال معروفة في القسم الغربي من بلاد الأكراد، ويعود بدايات وجود  الكرد في تلك الناحية الى العهد الأيوبي.ولضرورات كتابة الاسم باللغة الكردية إلى جانب العربية، فإن كل ما يرد في الدراسة من تسميات كردية هو بلهجة أهل المنطقة مكتوبة بالأبجدية الكردية اللاتينية .

الفصل الأول: مقدمة جغرافية

1- موقع جبل الكرد :

 

 

تقع منطقة جبل الكرد أو الأكراد أو كردداغ القديمة في أقصى الزاوية الشمالية من الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وتشغل الزاوية الشمالية الغربية من قوس الهلال الخصيب ودولة سوريا، وتعتبر مرتفعاتها من النهايات الجنوبية الغربية لجبال طوروس. تبدأ مرتفعات جبل الكرد من المنابع العليا لنهري عفرين والأسود غربي مدينة ديلوك "عنتاب" داخل الحدود التركية ، وتعتبر امتدادا طبيعيا لجبال Reşa  و  Zagê حيث مناطق الأكراد في الشمال والشرق. وتأخذ مرتفعاته اتجاهاً شمالياً جنوبياً بانحراف قليل إلى الغرب وبطول يبلغ نحو 100 كم إلى نهايته الجنوبية الغربية غربي بلـدة جنديرس- عفرين. أما عرضها فيتراوح ما بين 25 و45 كم. وينضم إلى هذه المنطقة الجبلية ، جبل ليلون وسهل جومه، وقد شكلوا معاً عبر التاريخ منطقة جغرافية واحدة ومتكاملة على طول وادي نهر عفرين. وكانت المنطقة لقرون طويلة، إحدى مناطق العبور الرئيسية من الأقسام العليا من بلاد الرافدين وبلاد الشام إلى ساحل البحر المتوسط وآسيا الصغرى، ومنها كانت تمر الطرق المؤدية إلى انِطاكية من جهتي الشمال والشرق. وهي منطقة غنية بالمياه، أراضيها خصبة. الأمر الذي جعل منها عبر العصور منطقة استيطان هامة، ومحل نزاع وتنافس بين دول وأقوام مختلفة عرقيا وحضاريا، ولذلك شهدت بعض أكبر الأحداث أهمية في تاريخ الشرق الأدنى. ويأخذ جبل الكرد، اسمه من القوم الذي يقيم في أرجائه وهم الأكراد، وهي تسمية قديمة للجبل، ولا نعرف تسمية أخرى غيرها، واستعمله العثمانيون قبل ذلك، ويسميه الأكراد بلهجتهم المحلية "جبل الكرمانج"  ، والكرمانج هي تسمية لإحدى لهجات الأكراد أيضاً.

2- القسم السوري من جبل الكرد: الموقع والمساحة

بعد احتلال القوات الفرنسية لشرقي البحر المتوسط وسوريا، قسمت منطقة جبل الكرد القديمة إلى قسمين: شمالي ضم إلى تركيا، وجنوبي احتفظ به الفرنسيون، [المصور(1)]. وبقيت التسمية العثمانية للجبل "كردداغ" في التداول الرسمي في سوريا حتى السنوات الأولى من استقلالها، ثم ترجم الاسم إلى العربية وأصبح "جبل الكرد"، فعرفت المنطقة بقضاء جبل الكرد ثم منطقة جبل الأكراد. وفي سنوات الوحدة المصرية - السورية أهمل استعمال ذلك الاسم وأصبحت تعرف بمنطقة عفرين نسبة إلى اسم النهر والمدينة. ولكن بقي اسم جبل الكرد كتسمية جغرافية متداولا في كتب الجغرافيا المدرسية وغيرها. وفيما بعد، حينما قامت الحكومة بتعريب الأسماء في مناطق شمالي سوريا، كانت من جملة ما أقدمت عليه أن أطلقت اسم "جبل حلـب" على جبل الأكراد بدلا من تسميته التاريخية، رغم بعده الكبير عن حلب.يقع القسم السوري من جبل الكرد بين خطي الطول 36.33 غربا و 37 درجة شرقاً وخطي العرض 36.20 جنوبا و 36.50 درجة شمالاً. وهو منطقة إدارية تابعة لمحافظة حلب وتعرف باسم منطقة عفرين، وتقع في أقصى الزاوية الشمالية الغربية من دولة سوريا، وتفصلها عن جبال الأمانوس Gewir  السهل المسمى Lêçe  بعرض يتراوح ما بين 10 و 20كم. أما أقرب نقطة في المنطقة إلى البحر المتوسط وميناء اسكندرونة ، فهي قرية قرمتلق غربي شيخ الحديد وبمسافة 38كم كخط نظر. وتبلغ مساحة منطقة عفرين الإجمالية حسب المصادر الرسمية 2050 كم2 .

أبرز ما يميز منطقة جبل الكرد من الناحية الجغرافية، هو: - مناخها المتوسطي ، ويتميز بدرجة حرارة معتدلة ، ومعدلات أمطار تتراوح بين 400-600 ملم. - غناها بالمياه: يعبرها نهر عفرين من الشمال إلى الجنوب ويرفده نهر سابون قرب الحدود التركية في الشمال، ويجري النهر الأسود على حدودها الغربية، كما توجد عشرات الينابيع والجداول في سهولها ووديانها الخصبة. - سهل جومه الخصب: ويمتد لعشرات الكيلومترات على ضفتي نهر عفرين. إضافة إلى المناطق المنخفضة الأخرى بين المرتفعات الجبلية ، وهي صالحة لمختلف أنواع الزراعات الموسمية والأشجار المثمرة. - تضاريسها جبلية قليلة الارتفاع نسبيا، وهي صالحة للسكن والإقامة في مختلف فصول السنة، كما تناسب الرعي، وتتيح سفوحها القليلة الانحدار المجال للزراعات المنزلية الصغيرة والأشجار المثمرة. فمنحت هذه الخصائص الجغرافية مجتمعة، منطقة جبل الأكراد فرصا مواتية للسكن والاستيطان منذ أقدم العصور.

 

الفصل الثاني: منطقة جبل الكرد في العصور التاريخية : التابعية الإدارية والسياسية، هوية السكان، الأوضاع العامة الأخرى :

 1- منطقة مثلث سيروس"نبي هوري"  :

 بغية التعرف على الأوضاع العامة في منطقة جبل الأكراد عبر التاريخ، وضعنا المنطقة في إطار جغرافي أوسع، وهو مثلث مدن: حلب - عنتاب- انطاكية، وتقع مدينة سيروس "نبي هوري" في مركزه. ضمن هذا النطاق، تعتبر مناطق: سهل العمق، وانطاكية، وسهل جومه، وجبل الأكراد، ونواحي سيروس شمالاً، حتى عنتاب... مناطق متصلة جغرافياً، ومتشابهة في المناخ والتضاريس، [المصور (1)]. ونعتقد أن ذلك، "بالإضافة إلى المكتشفات الأثرية الكثيرة المتشابهة"، يوحي بل ويحتم بأنه كان هناك تماثلٌ عرقي، وارتباط ثقافي وسياسي مستمر في تلك المناطق عبر مراحل طويلة من الزمن، خاصة وأنه كانت هناك مملكة قوية في سهل العمق، عرفت باسم "آلالاخ" ظلت تحكم هذه المنطقة، وحافظت على كيانها السياسي خلال الفترة ما بين 2700- 1200ق.م. كما تدل حفريات "آلالاخ" في العمق وسهل جومه، على مدى عمق العلاقة بين سهل العمق، والمراكز المأهولة القديمة في جبل الأكراد وسهل "جومه" وموقع "عيندارا".

 

2- منطقة مثلث سيروس " نبي هوري"  في الألف الثالث ولغاية عام 1200 قبل الميلاد:

تشير التنقيبات الأثرية إلى أنه في الألف الثالث قبل الميلاد، كانت هناك ممالك متفرقة في سوريا الشمالية مثل "أوغاريت، وإيبلا، وكركميش، ومملكة آلالاخ في سهل العمق". وكانت تلك البلاد تسمى " آمورو- الغرب" أي بلاد غربي الفرات. والآموريون: اصطلاح جغرافي يدل على سكان ينتمون إلى أجناس وأعراق مختلفة سكنوا تلك المناطق / د. فرزات، ص121/. وقد أسس سكان العمق منذ سنة 2700ق.م مملكتهم المعروفة في التاريخ باسم "آلالاخ"، [المصور- 5-]. وعن هوية سكان سهل العمق ومملكة آلالاخ في فجر التاريخ، يقول السيد "ووللي" ما مفاده: بأن أبنية آلالاخ القديمة كانت مماثلة لبناء بلاد الرافدين، ولم تكن تشبه نوع البناء في سوريا، كما أن هناك تشابهاً بين فخار بلاد الرافدين وسهل العمق للفترة التي تعود إلى فجر التاريخ، أي أواخر الألف الرابع وبداية الألف الثالث قبل الميلاد، وهو يشير إلى وجود تشابه حضاري وربما قرابة عرقية في تلك الفترة بين سكان المنطقتين.

أما في الثلث الأخير من الألف الثالث ق.م، فقد كان سكانها خليطا من شعوب شمالية وشرقية. وقد بقيت آلالاخ من الناحية السياسية مستقلة طوال الألف الثالث ق.م، سوى خضوعها بعض الوقت للملك الأكادي سارجون الأول، الذي قام بغزوها سنة 2300ق.م لإخضاع ملكها الذي كان يتحكم في أخشاب جبال الأمانوس. ولكن التنقيبات لا تشير إلى أي سكن آكادي فيها. وبقيت آلالاخ مملكة مستقلة لغاية 1900ق.م. وفي هذا التاريخ، احتل الفرعون "سنوسرت" الأول مملكة يمخاض "حلب"، وبلغ آلالاخ، ووضعها تحت وصاية ملك يمخاض المدعو"آبان". وفي فترة تراجع النفوذ المصري عن سوريا 1870- 1750 ق.م، ثار سكان آلالاخ على ملك يمخاض الموالي للمصريين، ولكن ثورتهم قمعت بشدة، وضمت آلالاخ إلى يمخاض مباشرة. بل إن ابن "آبان" المسمى " ياريم ليم" - وتحسبا من هجمات البابليين على حلب- نقل مركز حكمه إلى آلالاخ. وقد أظهرت التنقيبات أن سلالته، بخلاف غالبية سكان آلالاخ الجبليين، بقوا غرباء عن سكان آلالاخ، ولعدم ثقتهم بسكان آلالاخ، كانت حماية المواقع العسكرية في المدينة تسند إلى جنود أجانب يؤتى بهم من عاصمة حكمهم في حلب، ربما لأن الفئة الحاكمة كانت من العنصر السامي، حسب قول ووللي. ورغم ازدهار آلالاخ في ذلك العهد، فإن التنقيبات في تل العطشانة تدل على أن سكانها قاموا بثورة على " نيقميد - إيبوخ ابن ياريم ليم"، وحرقوا قصره للحصول على استقلالهم عن حلب، وذلك في الفترة ما بين 1750 و 1730ق.م.وفي نهاية الربع الأول من الألف الثاني ق.م، كانت المجموعات السكانية الهورية قد انتشرت بكثافة على مناطق واسعة من الشرق الأدنى في وادي الخابور، والجزيرة، وإبلا، وآلالاخ وأوغاريت، ووصلت إلى ساحل البحر المتوسط. وقد اكتشفت في تلك الأماكن رقم كثيرة باللغة الهورية، منها أول نوطة موسيقية مدونة في العالم لأنشودة دينية باللغة الهورية، وبلغت سعة انتشارهم في سوريا في القرنين الخامس والسادس عشر ق.م إلى درجة أطلق المصريون على سوريا وبلاد كنعان اسم "خورو". وكان الهوريون قد أسسوا منذ نهاية الألف الثالث قبل الميلاد ممالك وإمارات، من بينها مملكة نوزي "كركوك" في أقصى الشرق، ومملكة "عنتاب" في أقصى الغرب. وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر ق.م، اكتسح الهوريون بلاد الهلال الخصيب وسماهم الإغريق بالهكسوس، وهم على رأي د. صفدي /ص103/ كانوا خليطا من الهوريين والكاشيين والحثيين الذين ينتمون إلى الأصول الهندو أوربية، فاستولوا على حلب، وعلى مصر في سنة 1730 ق.م. وبعد حركتهم الكبرى هذه، أسسوا مملكة كبيرة في الشرق الأدنى سميت بمملكة "ميتاني" التي امتدت حدودها من جبال زاغروس في الشرق، إلى البحر المتوسط في الغرب. وشملت بذلك شمالي سوريا، وآلالاخ،  وأوغاريت، حتى جبال الأمانوس. وقد عثر في آلالاخ على وثائق مكتوبة مختومة بالخاتم الخاص للملك الهوري "شاوشتار". كما كشفت حفريات "ووللي" النقاب عن معبد خصص للإله الميتاني "ميثرا". وفي سوية البناء العائدة إلى الفترة 1595-1447ق.م عثر على تمثال "لزوجين" من البازلت لرجل وامرأة، وكان قد عثر على تمثالين مطابقين لهما على أحد أبواب دياربكر في قلب البلاد الميتانية، وهذا يدل على ارتباط آلالاخ بالاتحاد الميتاني واعتناقها للديانة الميتانية.وفي عام 1527ق.م غزا الفرعون "تحوتمس" الأول سوريا، واحتل حلب. وتدل الآثار على تمركز قوة مصرية في آلالاخ، ولكن الاحتلال لم يدم طويلا، حيث ثارت الحكومات الهورية والمملكة الميتانية، وتمكنوا من طرد المصريين. وفي عام 1482ق.م، عاد المصريون واحتلوا آلالاخ، ودام حكمهم لشمالي سوريا نحو مائة عام، حيث بقيت آلالاخ خلالها مملكة تابعة للفراعنة، واتسعت حدودها وسميت بمملكة "موكش، أو موكيش"، ونصب الفرعون "تحوتمس الثالث" الملك الهوري المسمى "تاكو" حاكماً لها، وأسس سلالة "نقمي با" الهورية في آلالاخ. بعد وفاة تحوتمس الثالث عام 1447ق.م، قامت ثورة في سوريا على المصريين بتحريض من مملكة ميتاني، فتراجع نفوذ المصريين أمام قوة الميتانيين. وأصبحت آلالاخ مملكة شبه مستقلة ضمن الاتحاد الهوري في ظل حكم ملكها "نقمي با". وكشف النقاب في آلالاخ عن قصر الأمير الميتاني "نقمي با" من فترة أوج المملكة الميتانية، والقصر نموذج من البناء الميتاهوري المسمى "هيلاني". ومن بين الرقم العديدة المكتشفة في آلالاخ من زمن ملكها "نقمي با"، رقيم يتضمن وصفاً لعملية ارتقاء شخص من آلالاخ إلى مرتبة اجتماعية تسمح له بالحصول على مرتبة "هوري". كما تضمن الرقم ذكراً لأرباب الميتانيين، وهذا يوحي بأن آلالاخ كانت خاضعة لمملكة ميتاني مباشرة. وقد أثبتت أبحاث ووللي وفريقه أن العنصر الهوري كان هو الغالب في آلالاخ، كما كانت توجد أعداد كبيرة منهم في منطقة أوغاريت. وكانت اللغة السائدة هي الهورية، /د. فرزات ص141/. ومن الأواني الفخارية السوداء المنقوشة من نموذج " نوزي " التي اكتشفت في آلالاخ في الفترة 1450-1350ق.م، بدا وجود علاقة وطيدة بين آلالاخ والعواصم الهورية الهامة مثل نوزي "كركوك"، وتل براك على الفرات الأعلى. وان علاقتها كانت حسنة مع حكومات سوريا الشمالية أكثر من شرقها. كما كانت على علاقة تجارية قوية مع منطقة غربي بحيرة وان "منطقة أورارتو لاحقا"، المتطورة في صناعة المعادن. ومن الجدير بالذكر عن فترة القرنين السادس عشر والخامس عشر ق.م، أن حلب كانت مركزا هوريا تقليديا، وفيها حكومة هورية قوية. وبعد وفاة "نقمي با"، انتقل حكم آلالاخ إلى ولده "إيليم إيليما". ولكن بسبب ميوله للفراعنة، قامت عليه ثورة في آلالاخ أودت بحياته. وتوارثت أسرة "نقمي با" حكم آلالاخ حتى عام 1370ق.م، حينما استولى الحثييون على بلاد حلب وموكيش "آلالاخ"، ففقدت آلالاخ استقلالها، وضمت إلى مملكة حلب التي بقيت خاضعة للسيطرة الحثية، رغم قيام ثورات عديدة  عليها في حلب وآلالاخ عام 1280ق.م.أما على الصعيد السكاني في المرحلة الحثية، فإن رُقُم سويات البناء الثالثة 1370-1347ق.م في آلالاخ، تشير إلى تبدل في الأصول العرقية لبعض السكان. حيث عمد الحثييون إلى تغيير الإدارة والمعتقدات ومحاولة جعل كل شيء حثيا، بهدف جعل آلالاخ مركزاً سوريا للديانة الحثِّية. والشيء الملفت للنظر في هذا العهد الحثي الجديد - على رأي السيد ووللي- هو ظهور فخار "نوزو" ذو الأصل الميتاني، بكثرة في آلالاخ. ويبدو أن هذا كان نوعا من تحدي شعب آلالاخ للحكم الحثي. وتشير الأبحاث، أنه بعد وفاة الملك الحثي "شوبيلوليوما" سنة 1347ق.م، وتولى ابنه "مورشيل الثاني" الحكم، قامت ثورات ضد الاحتلال الحثي في  كل من آلالاخ وحلب، إلا أنها سحقت من قبل الحثيين. ورغم ذلك بقي الناس يعبرون عن نقمتهم على الحثيين باستمرار استعمالهم للفخار النوزي "الهوري" رمزا لتحدي الحكم الأجنبي. بل شجع الملوك الميتانيون تداوله وصناعته في جميع البلاد الخاضعة لنفوذهم، بدءاً من نوزو "كركوك" في الشرق، إلى آلالاخ في الغرب. إلا أنه رغم النفور من الحثيين من قبل السكان الهوريين في آلالاخ، سادت فترة هدوء وسلام طويلة في عهدهم، ازدهرت فيها آلالاخ، وتمكن الحثييون خلالها تعزيز مراكزهم في سوريا حتى عام 1280ق.م، حيث قامت ثورات ضد الحكم الحثي في كل من آلالاخ وحلب.وتشير الدلائل الأثرية، "من النصف الثاني من القرن الثالث عشر ق.م"، أن حشدا كبيرا من سكان آسيا الصغرى بداوا يفدون إلى آلالاخ، فظهرت عادة حرق الموتى، حتى أصبحت عامة في آلالاخ كما يقول ووللي، وهي عادة غير سامية. كما أن هجرات كبيرة من شعوب "هندو أوربية" سمّوا بالشعوب البحرية منهم الفريجيون "أجداد الأرمن" والفلسطينيون والسكيث والكيمريون…، وفدت إلى شرقي المتوسط والأناضول، فسقطت عاصمة الحثيين "حاثوشا" أمام غزواتهم الكاسحة، ثم اجتاحت سوريا أيضاً، وسقطت حكومات حلب وكركميش في أيديهم. أما آلالاخ: فقد سقطت سنة 1194ق.م ولم تقم لها قائمة بعد ذلك، وظلت مملكة منسية إلى أن أزال عنها السيد "ووللي" وفريقه العلمي التراب قبل بضعة عقود.

3 – منطقة مثلث سيروس في الفترة ما بين 1200-333ق.م:

استغل الآشوريون ذلك الفراغ الدولي الذي أحدثته غزوات شعوب البحر في الشرق الأدنى، وبدؤوا بالتقدم شمالا نحو آسيا الصغرى، وغرباً نحو سوريا القديمة، فاصطدموا بالآراميين الذين كانوا أيضاً قد استغلوا ذلك الفراغ السياسي وبدؤوا بالاندفاع من موطنهم الأصلي في الجولان باتجاه الشمال والشرق، إلا أن المقاومة الآشورية ردتهم إلى غربي الفرات، فاضطرت بعض القبائل الآرامية الغازية إلى البحث عن سبيل آخر تجد فيها المقاومة الضعيفة، وكانت البلاد الميتانية فريسة سهلة لتلك القبائل، فاستطاعت خلال 300- 400 سنة الوصول حتى "مراش، وملاتيا" في أقصى الشمال، ونجحت في تأسيس إمارات صغيرة في قلب العالم الهوري. إلا أن تلك الإمارات الآرامية في الشمال وأنحاء سوريا، لم تدم أكثر من قرنين من الزمن، إذ سقطت الواحدة تلو الأخرى بيد الآشوريين. أما إماراتهم في سوريا الشمالية وما جاورها في أواسط الأناضول، فكانت شمأل "زندشيرلي" 900-738ق.م، في نواحي عنتاب. آرباد أو بيت جوش "جوشي" في تل رفعت وعيندارا وعفرين، وسقطت آخر المدن الرئيسية لهذه الإمارة الأخيرة وهي خزازو "أعزاز" بيد الآشوريين عام 738ق.م. ورغم سقوط تلك الممالك؛ إلا أن العنصر الآرامي ترك شواهد كثيرة تدل على إقامة طويلة في سوريا الشمالية. وعلى سبيل المثال، لا تزال العديد من المواقع والقرى في منطقة عفرين تحتفظ بأسماء ذات دلالات آرامية.أما المقاطعات الحثِّية، مثل حطينا "العمق"، وكركميش، وجورجوم "مراش"، وملاتيه، فقد قدمت فروض الطاعة للملك الآشوري "تيغلات بلازر" الثالث 745-727ق.م. ولكنها بقيت حثية، وحافظت على ثقافتها الوطنية والوجود القومي لهم في مراش حتى أواخر العهد الإسلامي. وكانوا مسيحيين، وسموا بالجراجمة نسبة إلى اسم مدينتهم جرجم "مراش الحالية"، كما بقي اسم "حاثيا" يطلق على سوريا.من الجدير بالذكر، أنه جاء في تقويم الملك الآشوري " تيغلات بلاسر" لعام 738ق.م، بأن الآشوريون قد هجروا عددا من الأسرى الكوتيين،  وهو اسم كان يطلق على جميع الأقوام التي كانت تقطن شمال وشمالي شرقي المملكة الآشورية أي بلاد المملكة الميدية فيما بعد، وهم شعوب "ماد وميتان وأورارتو وسكيت وكيمر…" /دياكونوف، ص191-192/، وتم استيطانهم في شمالي سوريا وفينيقيا الشمالية. وحسب أقوال بطليموس، أنهم كانوا يسمون تلك المنطقة التي أجبر الميديون "الكوتيون" على الاستيطان فيها بـ "سوريا الميدية- "سورميد"، /دياكونوف، ص191-192/. وفي الفترة ذاتها، كان ملوك أورارتو قد أسسوا مملكة كبيرة في شرقي الأناضول، وامتد نفوذها إلى سوريا الشمالية وحلب وكوماجيني- ملاتيه. وفي سنة 743ق.م، اصطدم الآشوريون بهم وبحلفائهم من الممالك الآرامية الصغيرة في شمالي بلاد الشام، مثل إمارة "ماتي ايلو- بيت أجوش - ارباد "، تل رفعت الحالية، وتراجع على إثرها "ساردور" الثاني، ملك أورارتو إلى بلاده، وضم  الآشوريون بلاد الشام نهائيا إلى إمبراطوريتهم.

وفي عهد الملك الآشوري الأخير "أسارحدون" كانت القبائل الهندو أوربية "الميدية، والكيمرية، والسكيت" قد اتحدوا في دولة واحدة، وبدأوا الهجوم على العاصمة الآشورية "نينوى"، وتمكنوا في عام 612ق.م بالتعاون مع البابليين من الاستيلاء عليها. واكتفى الميديون بحكم الجزء الشمالي من الشرق الأدنى. وأصبحت المناطق الشمالية من قوس الهلال الخصيب، بما فيها مناطق جبال الكرد والأمانوس وصولا إلى البحر المتوسط، ضمن ممتلكات الإمبراطورية الميدية، ومسكونة بهم، [المصور (6)]. ويذكر المستشرقان المعروفان /نيكيتين ص139، وليرخ ص13/، أن الميديين انتشروا مع توالي الأجيال على أجزاء كبيرة من غربي آسيا، وأقرب مركز لهم من ناحية الغرب، كانت ضواحي انطاكية، وبالتحديد حول حلب. أما في آسيا الصغرى، فكان نهر "الهاليس: قزل إيرماك" الحد الفاصل بينهم وبين المملكة الليدية اليونانية. ثم سقطت هذه الدولة الميدية الكبرى سنة 558ق.م بيد أمير مقاطعة فارس المتمرد "كيروش أو كورش" حفيد الملك الميدي. وكانت فارس إحدى مقاطعات الإمبراطورية الميدية، وتأسست بذلك المملكة الأخمينية الفارسية المعروفة في التاريخ. ومن الجدير بالذكر هنا أن المستندات والوثائق التي وجدت في حصون الملك الفارسي داريوش، كشفت أن الميتانيين - في تلك الفترة- كانوا يسمون بالميديين، فقد كان الميتانيون اختلطوا في ذلك العهد بالميديين تماما، /دياكونوف- ص297/. وفي سنة 540ق.م. هزم الأخمينيون الجيش الليدي، واستولوا على كامل آسيا الصغرى ومناطق حلب. وفي السنة التالية خضع لهم كامل سوريا. واستمرت الإمبراطورية الأخمينية في حكم الشرق الأدنى إلى سنة 330ق.م، وانتهى حكمهم باستيلاء الاسكندر المكدوني عليها.

4-  منطقة مثلث سيروس في الفترة 332 ق.م – 637 م :

بعد أن أنهى الإسكندر المكدوني في سنة 332ق.م توحيد البلاد اليونانية، توجه بقواته نحو ممرات الأمانوس، فدارت بينه وبين الملك الفارسي "داريوس الثالث" معركة "إيسوس" المعروفة في التاريخ، وانتصر فيها، ثم تابع زحفه على طول ساحل المتوسط، ففتح مصر، ثم توجه نحو بلاد الرافدين وانتزعها من الفرس بعد معركة قرب "أربيل" سنة 331ق.م، ثم زحف نحو فارس، ووصلت قواته إلى حدود الهند. وبعد وفاة الإسكندر سنة 329ق.م، انقسمت إمبراطوريته إلى ثلاث دول: إحداها: الدولة الشرقية التي قامت في سوريا وبلاد الرافدين، وعرفت باسم السلوقية، نسبة إلى مؤسسها القائد "سلوقس نيكاتور"، واتخذت من مدينة انطاكية المبنية حديثا عاصمة لها. وعاشت هذه الدولة إلى سنة 189ق.م. كما بنيت مدينة سيروس "نبي هوري" عاصمة ج.الكرد قديما في عهد هذه الدولة السلوقية. وفي سنة 64 للميلاد، دخل الرومان سوريا وأصبحت مقاطعة رومانية وعاصمتها انطاكية، ورابط في مدينة سيروس الفيلق الروماني العاشر "فريتنسيس" ومن بعده الفيلق الرابع "فلافيا". وتشير المصادر التاريخية إلى صراع شديد بين الفرس والبيزنطيين على امتلاك مناطق ج.الكرد وسمعان التي كانت مشهورة بغناها في تلك الفترة. فأقدم الفرس في إحدى غزواتهم في أوائل القرن السابع الميلادي على تدمير كثير من القرى، وقطع أشجارها، واتلاف مزروعاتها، وتركوها خراباً، / د. شعث  ص12/. وكان هذا القتال الفارسي – الإغريقي هو الأخير حول حلب وجبلي سمعان والكرد في سوريا، حيث بدأت بعدها العهود الإسلامية. ويمكن إيجاز صورة الأوضاع الإثنية في شرقي المتوسط، بين فترة دخول اليونانيين وظهور الإسلام، على الشكل التالي:كانت حدود العرب هي الصحراء، ولم تكن للغتهم أي أثر في سوريا على عهد السلوقيين والرومان، /الدر المنتخب - ص27/. فكانت الآرامية هي اللغة الشعبية الأكثر انتشارا، واليونانية لغة الثقافة، واللاتينية لغة الدواوين. وكانت لليونانيين مدن ومعاقل عسكرية منتشرة بكثرة في جميع أرجاء ممتلكاتهم في بلاد الشام وآسيا الصغرى. كما كانت لهم مستوطنات تجارية في سوريا قبل مجيء الفرس إليها في القرن السادس ق.م. وكانت النقود اليونانية "دراخما" هي المتداولة بين الناس قبل مجيء الإسكندر بنحو 125 سنة. فتطورت تلك المستوطنات اليونانية القديمة بعد استيلائهم على الشرق. أما الميديون والحثّييون فقد استقروا في الشمال والشرق من سوريا، وبقي بقايا الآراميين في بعض مناطق إماراتهم القديمة، إضافة إلى أكثرية منهم في سوريا الوسطى والجنوبية. وبظهور العرب المسلمين، كقوة سياسية جديدة في الشرق الأدنى، وذات حركة عسكرية ناجحة، فتح الطريق أمام تبدلات عميقة وجذرية في الأوضاع السياسية والإثنية، وغيرت وجه الشرق الأدنى مجدداً ولقرون لاحقة.

5- منطقة مثلث سيروس في عهد الخلافة الإسلامية:

أ - فترة الخلفاء الراشدين  636-660م :

وصل العرب المسلمون إلى مناطق شمالي سوريا في خلافة عمر بن الخطاب 634-644م بقيادة أبي عبيدة بن الجراح. وتمكن أحد قواد جيش المسلمين "عياض بن عبد غنم" من فتح انطاكية بعد قتال شديد مع حاميتها، وأخذ الجزية منهم سنة 636م. ثم تحولت قوات المسلمين شمالا نحو مناطق ج.الكرد وسيروس، كما يقول البلاذري /ص163/ عن ذلك: ((إن خيول أبي عبيدة فتحت قرى الجومه، … وانطاكية سنة 637م، وسار نحو قورس " نبي هوري" وفتحها صلحا بموجب اتفاق عقد مع راهبها خارج المدينة في قرية "شرقينا ، وغلبت على جميع أرض قورس...)). واستمرت تلك القوات في الصعود شمالا بقيادة "حبيب بن مسلمة الفهري"، فاستولى على مدينة الجرجومة "مراش" على جبل "اللكام" سلماً. وهكذا استولى المسلمون على منطقة سيروس سنة 637م، بعد التنويه بأن اسم سهل "جومه" هو نفسه وقتئذ، وكان فيه قرى مسكونة حينها.

ب - في العهد الأموي 660-750م :

لم تجرِ أحداث هامة في هذه الفترة في مناطق مثلث " سيروس "، سوى في سنة 707م، حيث وجه الوليد بن عبدالملك قوات له إلى مدينة الجرجومة "مراش" ودمرها، وأنزل الجراجمة النصارى من الجبل إلى مناطق السهول وألبسهم لباس الإسلام، وأسكنهم جبل الحوار "هاوار"  ، وسنح اللولون "سمعان"، وعمق تيزين في العمق. كما هجر بعضهم إلى حمص، / فتوح البلدان، ص 163 و 165/. أي أن جبلي هاوار وليلون من منطقة عفرين الحالية صارا مستقرا لبعض هؤلاء الجراجمة الحثيين. وتقول المصادر التاريخية والكتب الدراسية في سوريا، إن المارونيين في لبنان هم أحفاد هؤلاء الجراجمة. ويستدل على ذلك بقصة ولادة مار مارون وحياته ووفاته في منطقة عفرين الحالية، وقصة تحويله سكان جبل ليلون إلى الدين المسيحي، وكان لسكان جبل ليلون وجبل الأكراد في تلك الفترة، صلات انتماء وقرابة مع الشعوب الجبلية، ومنهم الحثييون بطبيعة الحال، الذين أُسكِنَ بعض الجراجمة بينهم وفي مناطقهم.

ج - في العهد العباسي 750- 1256م:

في بداية هذا العهد اتضحت الأمور أكثر، وترسخت الحدود بين الدولتين العباسية والبيزنطية، وسميت مناطق سيروس والحواضر الحدودية في الشمال بالثغور والعواصم. في عام 944م، أسس سيف الدولة الحمداني إمارته في حلب، وأخضع شمالي سوريا لسلطته. وكانت سنوات حكم الحمدانيين فترة حروب وغارات مستمرة مع البيزنطيين، فتحولت مناطق جبال سمعان "ليلون" والكرد إلى خطوط تماس حدودية بين الدولتين. ففي عهد سعد الدولة الحمداني كان خط التماس الحدودي يمر من قرى باسوفان وكيمار وبرصايا "قسطل علي جندو" وينتهي في مردج دابق، /كتاب اليواقيت والضرب، ص128/. وبين أعوام 962 و 985 م، تبادل الحمدانيون والبيزنطيون السيطرة على حلب وانطاكية عدة مرات. وفي هذا العام الأخير، استعاد سعد الدولة كنيسة سمعان من البيزنطيين وكانت قلعة حصينة. وانتهت الدولة الحمدانية في حلب سنة 1001م، بسيطرة المرداسيين عليها، وتأسست الإمارة المرداسية فيها.تداول حكم حلب بعد هذه الفترة بين المرداسيين والفاطميين حتى عام 1079م، حينها استولى عليها السلاجقة وجعلوها أحد المراكز الرئيسية لحكمهم. وفي عام 1082 جمع مسلم بن قريش العقيلي صاحب حلب والموصل قبائل من العرب والأكراد، وأستعاد بها حلب وبعض الحصون من السلاجقة، كما قبض على ولدين لمحمود بن مرداس وأخذ منهما قلعة أعزاز. أما انطاكية فقد استعادها سلطان السلاجقة سليمان بن قتلميش من البيزنطيين سنة 1084م، ودارت بينه وبين مسلم بن قريش العقيلي، معركة في موقع "بئر راحل" قرب نهر عفرين للسيطرة على حلب، انتصر فيها سليمان وتمكن من قتل مسلم في المعركة، لكنه عجز من السيطرة على حلب. وفي سنة 1105م، سقطت انطاكية بيد الصليبيين في حملتهم الأولى، فأسسوا فيها إمارة لهم، وخضعت مناطق جبل الأكراد لحكمهم فترة طويلة من الزمن، وقعت فيها وقائع عديدة بين الصليبيين أمراء الرها وانطاكية وبين السلاجقة، إلى أن تحول حكم حلب سنة 1128م إلى عماد الدين زنكي، فبدأت معها فترة حكم الزنكيين في حلب وبلاد الشام.

 

د - الفترة الزنكية

اتسمت الفترة الزنكية أيضاً بالحروب المستمرة مع الصليبيين، إذ كانت الغارات المتبادلة تأخذ مسارين، الأول: المناطق الخاضعة لإمارة الرها الصليبية في شمال حلب، وهي مناطق أعزاز وجبل الأكراد، وسيروس، والراوندان، وعنتاب امتدادا إلى الشمال والشرق. والثاني: محور حلب وحارم وانطاكيا باتجاه المناطق التابعة للإمارة الصليبية في انطاكية. أستولى عماد الدين زنكي في عام 1145م على الرها عاصمة الإمارة الصليبية وممتلكاتها شرقي الفرات، إلا أن "جوسلين الثاني" الصليبي أمير الرها بقي مسيطرا على مناطق الإمارة غربي الفرات، وكان من حصونه وقلاعه "أعزاز، قورس، راوندان، دلوك "عنتاب"، مرعش، نهر الجوز…"، إلا أن نورالدين تمكن من احتلال هذه القلاع عام 1155م. وفي سنة 1164م استعاد حارم أيضاً من الصليبيين، ولكن بقي الطرفان يتناوبان السيطرة علي مناطق مثلث سيروس، وذلك على ضوء التقلبات السريعة والمتلاحقة في الأوضاع السياسية والعسكرية التي كانت من سمات تلك المرحلة.

هـ - الفترة الأيوبية:

في 1175م انتقل حكم شمالي سوريا من الزنكيين إلى الأيوبيين ، فقد توجه صلاح الدين إلى أعزاز وفتحها بعد حصار دام شهرا كاملا، وسلمها إلى ابن أخيه تقي الدين عمر، وفتح عنتاب في سنة 1182م. وفي سنة 1188م استعاد قلعتي "دربساك وبغراس" المجاورتين لانطاكية من الإفرنج، وسلم أمرها إلى صاحب أعزاز "علم الدين سليمان بن جندر". وبعد وفاة السلطان صلاح الدين سنة 1193م، تولى ابنه الملك الظاهر "غياث الدين" حكم حلب وتوابعها مثل حارم واعزاز وتل باشر ودربساك وغيرها، إضافة إلى جميع مناطق سوريا الشرقية. وفي عام 1240م استلم الملك الحافظ ارسلان شاه بن الملك العادل الأيوبي حكم اعزاز وتوفي فيها في العام التالي. واستمر الأمر بيد الأيوبيين إلى مجيء التتار بقيادة هولاكو، فاستولى على أعزاز وحارم مرورا بجبل الكرد سنة 1258م. ذكر الغزي ص 291، أن الأيوبيين أشادوا في أعزاز جامعا كان يسمى في أيامه بالجامع الكبير، وقد ذكر ما هو كان مكتوبا على باب الجامع (( بسم الله الرحمن الرحيم في سنة 644 هـ /1246م أمر بعمله مولانا السلطان العالم العادل الملك الناصر صلاح الدنيا والدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي بن أيوب ناصر أمير المؤمنين خلد الله ملكه)).

6- منطقة سيروس في الفترة المملوكية 1260-1516:

أ: الإمارة المندية

كان الأيوبيون قد منحوا ناحية القصير في سهل العمق لأمير كردي يسمى "مند"، فأسس مند إمارة عرفت في المصادر التاريخية بـ "إمارة كلس وأعزاز" ، في منطقة مثلث سيروس، أي كامل منطقة عفرين الحالية إضافة إلى نواحي حارم، وشمالي سهل العمق وأعزاز وكلس، وإمتدادات جبال الكرد شمالا داخل الحدود التركية الحالية. [المصور (7)].  ولعل خير من أرخ لهذه الإمارة ، وتطرق لشؤونها هو "شرف خان البدليسي" ، في مؤلفه المشهور /شرفنامة- سنة 1596م/، فقد عاصر الإمارة، وكان قريبا من الباب العالي العثماني، ومطلعاً على أحداث الإمارة ووقائعها. يقول شرفخان عن الأمير "مند" ونسبه: أن المنديين أبناء عمومة لحكام هكاري والعمادية (في كردستان العراق). فشمس الدين من أسرة حكام هكاري، وبهاء الدين من حكام العمادية، ومنتشا أو مند شاه مؤسس إمارة كلس، كانوا ثلاثة اخوة. فإن "مند" كان قد جمع في بدء ظهوره قوة من العشائر الكردية، لازم بها السلاطين الأيوبيين، فأنعم عليه أحدهم ناحية "قصير-انطاكية" وقلعتها كسنجق ليقيم بها مع أتباعه. فلحق به الأكراد القاطنون في جورم "هكذا ذكرها شرفخان، ولاشك أن شرفخان قصد بها الأكراد الذين كانوا يقطنون سهل جوم وكلس أيضاًّ". 

 

* د.محمد عبدو علي (روزاد علي - Rozad Elî ) كاتب وباحث سوري كردي ، مهتم بالتاريخ الكردي وتاريخ منطقة عفرين- جبل الأكراد- بشكل خاص. نشر كُتباً مطبوعة والعديد من البحوث والدراسات والمقالات عن الأدب واللغة الكردية وحول منطقة عفرين من النواحي التاريخية والاجتماعية والسياسية، في مجلة "الحوار" باللغة العربية، وفي مجلة  Pirs  باللغة الكردية، وفي جريدة Newroz  الكردية .

أحدث الدراسات