سيناريوهات مسألة "الموصل وكركوك"

الجمعة 11-12-2015 | PM 01:56 حسين جمال

حسين جمال

التاريخ: الثاني من أغسطس/ آب 1990

كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد حشدًا كبيرًا وخطيرًا بسبب احتلال ديكتاتور العراق صدام حسين للكويت. وقتها حشدت أمريكا أكبر قوة عسكرية هائلة منذ حرب فيتنام في منطقة الخليج خلال فترة قصيرة جدًا. وبطبيعة الحال، كانت تركيا – وبالأخص قاعدة إنجيرليك العسكرية في مدينة أضنه جنوب تركيا- تحمل أهميّة كبيرة جدًا بالنسبة لواشنطن.

وفي تلك الفترة كان رئيس الجمهورية التركية آنذاك تورجوت أوزال يرغب في جعل تركيا دولة أكثر أهميّة؛ فمع هدم جدار برلين وانهيار الشيوعية وانتهاء الحرب الباردة، بدأ الحديث يجري في المحافل الدولية عن تراجع القيمة الاستراتيجية لتركيا، وهو السبب الذي جعل أوزال يرى أزمة الخليج فرصة كبيرة ينبغي لتركيا استغلالها. كما كان يعتقد أنه بفضل ذلك سيجعل تركيا لاعبًا فاعلاً لا يمكن الاستغناء عنه لدى الغرب.

وبعد مرور أسبوعين على احتلال صدام للكويت، قام أوزال في 18 أغسطس 1990، بجمع بعض الكُتّاب –وأنا كنت واحدًا منهم- ورؤساء التحرير في قصر “تشانكايا” بأنقرة. وقال لنا: “إن هذه أكبر الوقائع التي يتعرّض لها العالم الغربي منذ الحرب العالمية الثانية”. وأضاف: “ذلك أن 80 في المئة من احتياطي النفط في العالم أجمع موجود في منطقة الخليج. وبالتالي فإن “شريان الحياة” (life line) بالنسبة للغرب موجود في تلك المنطقة. ولا داعي لمعرفة الاستراتيجيات الطويلة وما إلى ذلك. ولا يمكن أن يكون الغرب وأمريكا راضين عن مثل هذا الموقف”.

نفط كركوك

وبعد حديث استمر لمدة ثلاث ساعات انتقل الرئيس أوزال خلال حديثه إلى موضوع “إعادة ترسيم خارطة الشرق الأوسط”. وقال:”إن هذا الموضوع يؤرقه ويشغل ذهنه كثيرًا”. كان يفكر في “نفط العراق” في هذا الإطار، لدرجة أنه انتشرت مزاعم في أروقة أنقرة بأنه بحث هذا الموضوع حتى مع القيادات العسكرية العليا.

 غير أنه كان من المعروف أن قادة الجيش لم يكن ليرحبوا بهذا الموضوع. وكانوا يرون أن الدخول في شمال العراق من أجل “كركوك والموصل” بمثابة مغامرة أو انجراف إلى مستنقع. فضلاً عن أنهم كانوا يعتقدون أن تدهور وحدة أراضي العراق أي تفكيكها، قد يسفر عن مولد دولة كردية في شمال العراق.

التاريخ: 24 يناير 1991

المكان: أنقرة

في تلك الأيام التي اندلعت فيها حرب الخليج من أجل إخراج صدام من الكويت؛ جمع الرئيس أوزال بعض الصحفيين –وكنت بينهم- في قصر تشانكايا.

وذات مرة بدأ الحديث عن السياسة الخارجية التركية ومسألة “كركوك والموصل”، وقال إننا نشعر بالخوف منذ فترة طويلة بخصوص هذا الموضوع.واتهم كلا ًمن الخارجية والجيش بالتهيّب دون أن يحدد هدفًا بعينه في معرض كلامه قائلًا: “تتشكّل عادات في السياسة الخارجية لدرجة أن تغييرها سيتطلب عناءً كبيرًا. نحن لانعرف هذه المساومات في السياسة الخارجية. لقد خدعونا في موضوع الموصل. لو كان عصمت إينونو (رئيس وزراء تركيا الأسبق) صمد وقاوم قليلاً لكانوا منحوننا الموصل. إلا أن جورج كرزون قرّر بنفسه في هذا الأمر، وقال رئيس الوزراء البريطاني لوزير الخارجية كرزون آنذاك: “إن لم يوقع إينونو فاتركوا الموصل”. وإن لم يرض إينونو بطرح قضية الموصل على عصبة الأمم لكانت الموصل من نصيب تركيا في لوزان. والآن لا تستنتجوا من كلامي أننا نطمع في الموصل (يقول أوزال ذلك وهو يضحك مع الحاضرين). لحسن حظنا لم نأخذ الموصل، وإلا لكان ثراء النفط أخلّ بتوازننا وأدى إلى الرخاوة والدلال بسبب كثرة المال ولم نحقّق تنمية اقتصادية على نحو مطلوب”

ترسيم الحدود العراقية

وقد استمعت إلى وجهة نظر أوزال حول مسألة “كركوك والموصل” من الجنرال المتقاعد نجدت أوزجان أيضاً. فذات يوم في عام 1992، جاء أوزال إلى مدينة ديار بكر جنوب شرق البلاد عندما كان قائد الأمن والدرك في المنطقة فيما بين عامي 1991 و1993. واجتمع بالجنرال في اجتماع مغلق بدار ضيافة الجيش، وسأله أوزال قائلًا: “هلا أخبرتني يا سيادة الجنرال لماذا مرّت هذه الحدود من هنا يا تُرى؟ ألم يكن من الأفضل أن تمرّ من منطقة أسفل من ذلك؟”. وسأله الجنرال: “ماذا تقصد بالمنطقة الأسفل يا سيادة الرئيس؟”. توقف أوزال ولم ينبس ببنت شفه. بل حتى لم يقل إنه يقصد “الموصل وكركوك”.

سيناريو الموصل من رئاسة الأركان العامة

الموصل وكركوك…

ثراء النفط…

إن كلمات الرئيس أوزال تذكرني بالحديث الذي أجريته مع رئيس حزب الطريق القويم زعيم الحزب المعارض الأم سليمان ديميريل قبل خمسة أشهر.

التاريخ: الأول من سبتمبر/ أيلول 1990

المكان: أنقرة/ شارع “جونيز”.

حينما كنتُ أتناول الفطور مع ديميرل كان ينتقد بلسانه الرئيس أوزال، حيث قال: “إن ما يقصده من نصيبه من الكعكة هو كركوك والموصل. من المؤكد أن هذا هو ما يدور في ذهن أوزال. ولهذا السبب قلتُ له في وقت سابق: “توخّ الحذر، وحذار أن تنطلي عليك الحيلة؛ بحيث لا تكتفي بالقليل الموجود في يدك ثم ما تلبث أن تجد نفسك وقد أهدرته هو أيضًا”.

وبالمناسبة، ينطلق لسان ديميريل فيعترف بأنه أمر رئاسة الأركان العامة خلال فترة توليه رئاسة الوزراء في عقد السبعينيات بإعداد سيناريو محتمل في “الموصل وكركوك” وقال: “إن الحديث عن كركوك والموصل يعني إيرادات من النفط تُقدر بـ20 مليار دولار في العام. وقلتُ ذلك للمرحوم سميح سنجار رئيس الأركان العامة موضحًا ضرورة أن تكون لتركيا خطة من أجل هذه المنطقة. المنطقة الجبلية هي أرض لها طبيعة مختلفة. ولعله يأتي يوم وتتغير الظروف فجأة. لستُ إنسانًا يتبني الأفكار الإمبريالية ولكن مادام هذا الأمر يتعلق بالدولة فينبغي أن تكون مستعدة لكل الحالات. إن وضعية الأتراك في كركوك أدمت قلبي عندما ذهبت إلى العراق”.

جَزرة من الرئيس بوش إلى تركيا:

نفط كركوك..

مرت ستة أشهر على هذا الحوار الذي أجريته مع ديميريل.

التاريخ: فبراير/ شباط 1991

المكان: أنقرة

أتناول العشاء مع زعيم المعارضة ديميريل في نادي الأناضول. ولا يزال يتطرق إلى سيناريوهات كركوك والموصل مرة أخرى، وقال: “لا العرب ولا اليونانيين ولا الإسرائيليين ولا الغرب؛ لا أحد منهم قط يرغب في سيطرة تركيا على كركوك والموصل. لأن ذلك بمثابة حلم مخيف بالنسبة لها إذا ما أصبحت تركيا لديها إيرادات من النفط بقيمة 20 مليار دولار في العام”.

وقد عُرف اسم هذا الحلم (الموصل وكركوك) لدى الرأي العام بمقولة “سنقدّم لهم واحداً لكن نأخذ ثلاثة” المنسوبة إلى أوزال. وقال الرئيس أوزال في لقاء مع مجلة “التايمز” الأمريكية إن هذه الكلمة مجرد مزاح، مضيفا أن “تركيا خرجت مربحة أيضًا”.

وكانت الكواليس الدبلوماسية تقول إن الجزرة التي قدمها الرئيس الأمريكي بوش لأنقرة من أجل الحفاظ على دعم تركيا في أزمة الخليج هي في واقع الأمر “مشروع محافظة الموصل”؛ أي نفط كركوك.…

الأسطر التي ذكرتها في معرض هذا المقال لخصتها من جزء بعنوان “سيناريوهات كركوك والموصل” في كتاب لي بعنوان “الأكراد” الصادرة طبعته الأولى في أبريل/ نيسان 2003. (من الصفحة 117 إلى 160).

هل شغفتم لمعرفة سبب ذلك؟

السبب باختصار هو أن تركيا ترسل في هذه الأيام دبابات وذخيرة إلى الموصل. وهذا الموقف يجعل تركيا في مرمى نيران انتقادات بعض الدول.وبدوري قمتُ بكتابة هذا المقال علّه يفتح نافذة من تاريخنا الحديث على النقاشات الدائرة حاليًا

*كاتب وصحفي تركي 

أحدث الدراسات