الأمل الناشئ في روج آفا!

الأربعاء 18-11-2015 | PM 02:00 صورة ارشيفية

كليمنس هوغ

ثمة بشر لا يتحملون الظلم واللاعدالة والإهانة والخضوع. يبدأون في الكفاح ولا يستسلمون حتى ولو تخلصوا، كضحية، من حالة الظلم والعدالة. لكن مثل هؤلاء البشر، وفي لحظة ما، يضحون بكل شيء من أجل فكرة أو مبدأ. مثال على هؤلاء آلدار خليل، الرجل ذو الشارب الكث، والذي يبدو في الوهلة الأولى بأنه عامل ينتظر على مقعد عمومي في أي مكان، مكافحا من أجل قوت يومه. يمد لك يده مبتسما، ولكنه لا يستعمل سوى يد واحدة، لأن الأخرى غير موجودة. يظهر أحد كمي القميص فارغا. بدأ خليل رحلة النضال منذ أن كان طفلا. نظام الأسد كان ينتهك حقوق الكرد، يرفض هويتهم ويعادي لغتهم وأسمائهم. يقول خليل: " في اليوم الأول في المدرسة قرر المعلم منحي أسما عربيا. لم أعد أسمى بآلدار. أعتقدت بأن أسمي شيء سيء وغير مقبول. حتى الآن لا أستطيع نسيان هذا الشعور".

عرف خليل بأن الكرد، أبناء جلدته، يعاملون بهذا الشكل السيء في سوريا، وفي العراق وتركيا أيضا. الكرد في هذه البلدان محرومون من كل الحقوق. ليس للكرد الحق في أن تكون لهم دولة. مضت السنون، وتحول الطفل الصغير المطعون في كرديته إلى مقاتل. توجه خليل إلى الجبال، إلى حيث مقاتلو حزب العمال الكردستاني. كان هؤلاء المقاتلين ماركسيين وقوميين، لكنهم مارسوا القتل في مرات كثيرة أيضا.

 في عام 1993 وبينما زحف خليل ورفاقه تجاه معسكر لقوات الجيش التركي، إنفجرت قنبلة، فلما تحسس يده اليسرى، وجدها قد قطعت من الرسغ. لكن خليل واصل رحلته. في عام 2003 عاد إلى بلده سوريا، وساهم في بناء حزب الإتحاد الديمقراطي (PYD) الحزب الكردي السوري، الذي ينسج علاقات وطيدة مع حزب العمال الكردستاني في تركيا. لا يملك خليل حياة خاصة. لا زوجة. لا عائلة. يقول بأن القضية هي كل حياته. لا تظهر أي عاطفة في كلامه عن نفسه، بل كل الجديّة والصرامة.

اليوم يٌعتبر خليل أحد المسؤولين في حركة المجتمع الديمقراطي(TEV- DEM)، وهي المنظمة الجامعة التي تضم كذلك حزب الاتحاد الديمقراطي. وهو بذلك من أهم القيادات لدى الكرد السوريين، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق. يستقبل خليل الضيوف في أحد البيوت العادية على شارع جانبي في مدينة قامشلو الشمالية، ليس بعيدا عن الحدود مع كل من تركيا والعراق. يجلس خليل على كرسي أزرق خلف مكتبه وامامه كأس من الشاي. في أحدى الزوايا تظهر صورة معلقة للزعيم الكردي عبد الله أوجلان، المسجون منذ 16 عاما في إحدى الجزر التركية المعزولة. وفكرة أوجلان تتمحور حول (الكونفيدرالية الديمقراطية) وهي تعني بأن الكرد ينبغي لهم تنظيم انفسهم في لجان ومنظمات وأطر في كل شارع وحي وقرية ومدينة، ومن ثم يضعون لجان رئيسية تمثل المناطق والأقاليم الكبيرة.

قبل بدء الثورة ضد الرئيس السوري بشار الأسد بأربع اعوام عمل خليل ورفاقه على تنظيم شؤون الكرد في سوريا، ونجحوا في تشكيل أقليم/شبه دولة واقع، في منطقة تسمى بروج آفا أي الغرب. في بلد يعمه الخراب والقتال، تريد روج آفا، التي تضم نحو 3 ملايين إنسان، أغلبهم من الكرد، الحفاظ على نفسها وإطلاق عملية البناء. العمل جرى ويجري من أجل بناء المجتمع الديمقراطي، الذي يساوي بين الرجل والمرأة، والذي لا يفرّق بين المذاهب والأديان والأعراق.

 في منطقة مثل الشرق الأوسط، قد يعتبر المرء كل هذه الأمور من الخيال المحض الذي يمكن التحدث عنه، ولكن لا يمكن تطبيقه وجعله جزءا من الواقع.يعتبر البعض، ولأسباب عديدة، كل من وحدات حماية الشعب(YPG) ووحدات حماية المرأة(YPJ) أجنحة لحزب العمال الكردستاني، المنظمة المصنفة لدى الكثير من دول العالم كمنظمة إرهابية، والتي تشن هجمات دموية تقتل فيها العديد من الخصوم. لكن ثمة موقف آخر ورؤية أخرى، وهي الرؤية البراغماتية من قبل الغرب والولايات المتحدة وأوروبا. هؤلاء حلفائهم الكرد في العراق، وكذلك الكرد في شمال سوريا، حيث القتال بعزيمة وقوة ضد تنظيم "داعش".

 منذ مدة بعيدة تساعد الولايات المتحدة الأميركية الكرد في روج آفا بالقصف الجوي ضد "داعش". وكذلك توصل إليهم الأسلحة والذخائر، وفي فترة قريبة ربما يصل المستشارون الأميركيون للمساعدة وتقديم المشورة الميدانية وبدء برامج التدريب على أرض المعركة. لكن المهمة الأصعب ستقع على كاهل الكرد: هم سيكونون القوات البرية التابعة للغرب!. القوات الكردية مدربة ولها خبرة في القتال ضد "داعش". معنوياتها عالية، ومنظمة بشكل جيد، وسبق لها أن ألحقت الهزيمة بالتنظيم الإرهابي. وربما يكون الكرد في روج آفا هم الحصان الرابح للغرب في القتال ضد "داعش"، لأن الهجمات الجوية فقط لن تستطيع هزيمة التنظيم المتطرف. ومن هنا فإن كيفية تصرف الكرد، وكيفية إدارتهم لمناطقهم والترتيب وطريقة التفكير والتخطيط، هي التي ستكون الفاصل في أمر الترابط بين الطرفين، ومدى استعداد الطرف الكردي للتحول إلى شريك حقيقي في الحرب.

روج آفا هي في الواقع جزيرة معزولة وسط بحر من الأعداء. المناطق التي تقع في الغرب والجنوب يسيطر عليها "داعش". في الشمال تحكم قوات الجيش التركي قبضتها على الحدود وتفرض حصارا محكما بواسطة الدوريات والجنود والأسلاك الشائكة والجدران العازلة. ومن مفارقات هذه الحرب بأن تركيا، عضو حلف (الناتو) تقصف مواقع الكرد حلفاء العضو الآخر في (الناتو) وهو الولايات المتحدة الأميركية، وبذلك تضعف الحليف الكردي، وتقوّي من عضد خصمه: تنظيم "داعش"!. من يريد الوصول إلى روج آفا، لا يملك سوى طريقا واحدا وهو العراق. من أربيل إلى روج آفا، عبر قوارب خاصة تعبر نهر دجلة. ومن ثم تبدأ الرحلة عبر الوديان والهضاب وحقول النفط التي تحتضن آلات الحفر. في الواقع تبدو روج آفا غنية، فهي تستطيع إمداد كل سوريا بالنفط، لكن معظم مصافي النفط تقع في مناطق سيطرة تنظيم "داعش". 

  ثمة في داخل مدينة قامشلو بعض نقاط الحراسة التابعة للنظام السوري. هناك جنود سوريون يحملون أسلحتهم ويظهر خلفهم العلم الرسمي. هؤلاء لا يتعرضون إلى المقاتلين الكرد. إذن ثمة وجود ما للنظام في داخل المنطقة الكردية، التي تشبه شبه دولة واقع. كذلك هناك وجود للنظام في المنطقة ما بين الحسكة وقامشلو، وفي بعض الجزر المنعزلة الأمنية الصبغة. وكذلك المعبر مع الجانب التركي ومطار قامشلو يقعان تحت سيطرة القوات النظامية. الكرد والنظام يتمسكان بالهدنة الباردة. فهما يعلمان بأن أي تصادم بينهما لن يفيدهما في الوقت الحاضر. في جنوب الحسكة هناك جبهة حرب مشتعلة مع "داعش". ولكي يعبر المرء من قامشلو إلى الحسكة وجنوبها، أو إلى الريف الجنوبي منها، يحتاج المرء إلى المرور في مناطق سيطرة النظام. روج آفا نموذج من سوريا التي تشهد حربا يتشارك فيها العديد من الأطراف. في الحسكة شاهدنا بعض المباني المدمرة نتيجة المواجهات الأخيرة مع "داعش".في الحسكة اجتمعنا مع القائد الميداني لوند روج آفاف. هنا يختار كل مقاتل أسما حركيا لنفسه.

ولما سألنا المقاتل لوند عن كنيته، قال: يمكن لكم أن تسموني لوند روج آفا. وأشار لوند إلى خارطة معلقة تظهر المنطقة، موضحا بأن اللون الأصفر هو لمناطق سيطرة وحدات حماية الشعب، والأخضر لجيش النظام، اما اللون الأحمر فيدل على مناطق انتشار تنظيم "داعش". وكلما إتجه أصبع المقاتل لوند إلى الجنوب يظهر اللون الأحمر، الدال على قوى النظام. وكلما أقتضى الأمر، وضاقت الحال على مقاتليه، يتصل لوند روج آفا بغرفة العمليات التابعة لقوات التحالف مطالبا بالنجدة الجوية، فتظهر الطائرات في الجو، ويتم قصف الإحداثيات المحددة. المقاتل لوند لا يتحدث عن مكان غرفة العمليات أو هوية الضباط العاملين فيها، هل هم أميركيون أم لا. لكن لوند يصف التعامل والتنسيق مع القوات الأميركية بالجيد. في 11 تشرين الأول/أكتوبر أعلنت وحدات حماية الشعب اقامة تحالف جديد مع بعض القوى العسكرية العربية والسريانية والتركمانية، وذلك بهدف محاربة تنظيم "داعش". التحالف الجديد سٌمي ب(جيش سوريا الديمقراطية).

ويضم هذا التحالف 4000 مقاتل في الجبهة، وعشرة أضعاف هذا الرقم هو عديد وحدات حماية الشعب(YPG) الكردية في مناطق روج آفا. وبعد يوم واحد من الإعلان عن تشكيل هذه القوات، اعلنت وزارة الدفاع الأميركية بأنها اوصلت 40 طنا من الأسلحة والذخائر إلى روج آفا، وإن الجهة المستقبلة هي التحالف الكردي ـ العربي الجديد. وبهذا تفادى الأميركان الحرج في إيصال الأسلحة فقط للكرد، حيث الرفض التركي الشديد. الآن ثمة ثلاثة استراتيجيات للتعامل مع تنظيم "داعش"، يؤكد لوند روج آفا، الأولى: توجه قوات (جيش سوريا الديمقراطية) إلى المناطق الجنوبية من المقاطعة، وذلك لقطع الطريق الواصل بين كل من الموصل والرقة، معقلي تنظيم "داعش". الثاني، وهو خطر،: تمدد وحدات حماية الشعب، خلال حربها ضد "داعش"، من كوباني بإتجاه غرب نهرب الفرات، بمحاذاة الحدود مع تركيا، إلى أن تصل البحر المتوسط. وعبر هذا الطريق يمكن خلق معبر إلى مقاطعة عفرين، وعزل الحدود التركية وفصل مناطق سيطرة "داعش" عنها وعن المعابر.

لكن الحكومة التركية تحاول، وبكل الأثمان، منع تقدم وتطوير ونمو منطقة روج آفا. قبل فترة قصيرة حاولت مجموعة مقاتلة من وحدات حماية الشعب عبور نهر الفرات مستخدمة القوارب المطاطية، لكنها جوبهت بقصف من قوات الجيش التركي المتربصة. أما الاستراتيجية الثالثة، فهي الأصعب، يقول لوند روج آفا، وهي شن هجوم كبير على مدينة الرقة، عاصمة "الخلافة"، ويحتاج هذا الهجوم إلى 20 ألف مقاتل. ويقول القائد الميداني بأن تحرير الرقة ليس بالأمر المستحيل، لكن القوات تحتاج إلى أسلحة ثقيلة، لأن "داعش" محصن بشكل جيد في المدينة، ويملك فيها الأسلحة الثقيلة والدبابات.

لكن هل سيرسل الغرب الأسلحة الثقيلة للقوات الكردية وحلفائها في ظل رفض الأتراك المطلق؟. يهز لوند رأسه بالنفي. كذلك التوجه للرقة ومحاولة إقتلاع "داعش" منها، أمر لا يمكن أن يتم دون موافقة الحكومة التركية.للوصول إلى مقر لوند روج آفا يجب العبور من شوارع مدمرة ومشاهدة بيوت مهدمة. في المقر يمكن مشاهدة أقصى أطراف المدينة، حيث تبدأ الصحراء. وهناك، وعلى مرآى البصر، يمكن مشاهدة مواقع المقاتلات الكرديات اللواتي يتربصن ل"داعش" ومقاتليه. وفي موقع قريب، تتموقع المقاتلة نسرين ومجموعتها. يسمى الموقع بموقع "الشهيدة خويندا". وكانت "خويندا" هي اول مقاتلة تسقط عند تحرير هذا الموقع. تبدو في الصورة أكبر من 16 عاما، وكانت مصرة على القتال والمشاركة في الهجوم.

وقد قامت نسرين بتدريب هذه الفتاة بنفسها، وبعد أن صدرت الأوامر بالسيطرة على التلة، شاركتا معا في عملية الاقتحام والهجوم. التلة ذات موقع استراتيجي. من يسيطر عليها يمكنه التحكم في الطريق الواصل إلى المدينة من الجنوب. كان القرار بطرد مقاتلي "داعش" منها. وفي عملية الهجوم سقطت المقاتلة "خويندا". تقول نسرين البالغة من العمر 23 عاما، الهادئة، بأنها فقدت العديد من رفيقاتها في المواجهات السابقة.

في البداية كان هناك خوف، ولكن الآن فإن أرواح رفيقاتها وتضحياتهن هي التي تمدها بالقوة. وهي إذما ماتت فسوف تمد رفيقاتها بنفس القوة والعزيمة.تتحدث المقاتلة نسرين عن عمها الذي قتلته قوات الجيش التركي قبل عام عندما كان ينقل الأسلحة عبر طريق التهريب للوحدات الكردية. وعند إجراء مراسيم الدفن، قررت الفتاة نسرين أن تواصل مسيرة عمها وتحمل سلاحه وتواصل مسيرة المقاومة. وقد تدربت نسرين على القنص، فهي قناصة تردي خصمها من على مسافة طويلة. وقد وقع الكثير من مقاتلي "داعش" في مدى قنص المقاتلة نسرين، وكانت عندما تردي كل مقاتل من هذا التنظيم، تقول بهدوء: طلقة واحدة تكفيك!. ثمة صوت إنفجار ناجم عن وقوع قنبلة أو قذيفة من الجو. مكان وقوعها بعيد. لا تنظر نسرين إلى الأعلى أبدا عند سماع مثل هذه الأصوات، ولا تبالي.

وفي المساء تتحدث المقاتلات عن مجرى اليوم، وكيف وقعت المواجهات ونتائجها والتقييم العام. كما يبدأون بالإستماع إلى خطب وتقييمات عبد الله أوجلان، وهذه الآراء موجودة على اقراص مدمجة. الحديث جله حول (حقوق المرأة) و(الفيدرالية الديمقراطية). تعيش المقاتلات مثل الراهبات. الزواج غير موجود، والعلاقات مع الرجال محرمة. لكن المقاتلات تستمعن إلى الموسيقا وتتراقصن على وقع الألحان. تجوب الدوريات النسائية في عربات من نوع ( بيك آب) في كل مكان. المدفع فوق السيارة مستعد والأسلحة متوثبة لأي مواجهة محتملة.

الوعي الكردي واليقظة القومية وكل هذه المعنويات العالية لدى الكرد في روج آفا، لم تتولد في الجنوب، بل هناك في الغرب في مقاومة كوباني. لقد تم فتح ممر إلى كوباني مؤخرا. لقد قامت كل من وحدات حماية الشعب وحلفائها من المقاتلين العرب في "الجيش السوري الحر" بتحرير منطقة تل أبيض، وبالتالي الربط بين كوباني والمناطق الأخرى. حتى شهر حزيران/يونيو الماضي كان تنظيم "داعش" يسيطر على منطقة تل أبيض. والآن الطريق إلى كوباني أصبح مفتوحا وسالكا.

ثمة نقطة حراسة يقوم عليها المقاتلون العرب. يبدو على المقاتلين بعض القلق والترقب. هجمات الجهاديين تستمر في كل مكان. قبل ثلاثة أيام شنوا هجمة مباغتة على هذا الموقع. ظهر الجهاديون بسياراتهم المكشوفة فجأة، واختفوا فجأة. بعد تحرير تل أبيض نشرت (منظمة العفو الدولية) تقريرا تحدثت فيه عن قيام الكرد بتهجير المواطنين العرب وتدمير ونهب قراهم. حتى إن الاتهامات شملت عبارات مثل "التطهير العرقي". لكن الكرد ينكرون هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، ويقولون بأن التقرير استند على كلام من العامة، ودوّن أحاديث الناس بوصفها حقائق داحضة صادرة من شهود عيان. القرى التي يتحدث عنها التقرير دٌمرت من قبل مقاتلي "داعش".

 ليس من المعقول بأن الوحدات العسكرية الكردية تهجر وتطرد العرب وتعتدي عليهم في منطقة تتحالف وتعمل فيها مع قوات عربية. هذا كلام غير عقلاني.في تل أبيض ثمة جو مغبر. الغبار من بقايا الأسمنت العالقة في الهواء، والناتج عن الأبنية المدمرة.في كوباني استمر حصار وهجوم "داعش" اربعة أشهر. لقد أستخدم التنظيم الإرهابي الأسلحة الثقيلة والدبابات في عملية الاقتحام. أستطاعت وحدات حماية الشعب(YPG) وحلفاؤها إلحاق الهزيمة بتنظيم "داعش" في شهر تشرين الثاني/يناير الماضي، وذلك بعيد الدعم الجوي الذي تلقوه من الأميركيين. وكان ذلك هو الهزيمة الأولى لتنظيم "داعش" والإنتصار الأقوى لوحدات حماية الشعب. لكن كوباني تبدو الآن كمدينة ستالينغراد. حتى الآن عاد ما يقارب 175 ألف مواطن إلى المدينة وريفها، وذلك رغم أن أنابيب مياه الشرب ومياه الصرف الصحي مازالت مدمرة.

 ورغم أن التيار الكهربائي يتم توليده عبر مولدات تعمل بالديزل، حيث ان التيار مقطوع من المركز، والذي ما يزال تحت سيطرة تنظيم "داعش". المنازل مدمرة وبعضها حطام واطلال. المواطن الكوباني الشهير عبد الله كردي يعيش هو الآخر في بيته المحطم. لا يملك سوى بعض الحاجيات الصغيرة مثل البطانيات. عبد الله الكردي هو والد الطفل "آلان" الذي غرق في شهر أيلول/سبتمبر الماضي مع أمه وشقيقه بالقرب من الشواطئ التركية. العائلة كانت قد فرت إلى تركيا، ومن هناك حاولت الوصول إلى أوروبا. لكن القارب الصغير الذي أقلهم غرق، ولم ينجو سوى الأب. الأمواج ألقت بالطفل "آلان" إلى شاطئ مدينة "بودروم" التركية. صورة الطفل الغريق إنتشرت في كل العالم وأحدثت ردة فعل كبيرة وتعاطفا هائلا. عبد الله الكردي أراد أن ياتي بجثة طفله لكي يدفنها في كوباني. الأتراك أمنوا له عربة نقل وفتحوا له الحدود. مرّ الكردي بالمدينة، لم يشاهد سوى الأطلال. بقايا بيت عائلته.

وصل إلى المقبرة لدفن زوجته وطفليه. يعيش عبد الله الكردي الآن في كوباني. يتوجه كل يوم إلى المقبرة ليتحدث إلى أفراد عائلته. أحيانا يشتري الكعك للأطفال ولكنه سرعان ما يكتشف بأنهم لم يعودوا موجودين. في أحد الأيام أتصل نيجيرفان البرزاني بعبد الله الكردي مقدما له دعوة زيارة. الكرد في العراق والكرد في سوريا أخوة ويتساعدون. سافر الكردي إلى مدينة أربيل، عاصمة البرزاني، حيث التقى هناك الرئيس مسعود البرزاني. في نهاية الحديث سأله البرزاني ما الذي يمكن أن يفعله من أجله.

 قال عبد الله الكردي إنه يريد أن يبني في كوباني مدرسة ومشفى وجامع بأسم أبنه. وعده البرزاني بمساعدته قائلا: أختر قطعة الأرض وسوف نساعدك. رجع عبد الله الكردي إلى كوباني، وهو ينتظر الآن المال لكي يبدأ مشروعه. هل كانت الزيارة مجرد التقاط صور فقط؟. لا يمكن أن تبقى كوباني هكذا. سوف تبدأ مسيرة الإعمار في يوم ما. لا يستطيع المرء ان يعيش في كوباني كإنسان عادي، الخوف من "داعش" ما يزال موجودا. في شهر حزيران/يونيو الماضي هاجم 200 من الإرهابيين المدينة مخترقين احيائها. كانوا يحاولون التشبث بداخلها. استطاعوا قتل 200 شخص، قبل أن تتمكن وحدات حماية الشعب من القضاء عليهم. كل يوم يموت أناس ويصاب آخرون بجروح. ثمة احساس هنا بأن الغرب نسى هذه المدينة. أحد الأطباء القلائل في كوباني هو "دوربيج كوباني"، هكذا يسمي نفسه. لقد ترك هذا الطبيب السويد منذ عشرة أشهر، وفيها زوجته وطفليه، وجاء إلى كوباني لتقديم المساعدة. هو يعمل في المشفى العسكري. كل يوم ياتي 80 مراجع لتلقي العلاج والإستشارة. أناس في كراسي الإعاقة. أناس مصابون بطلقات.

مقاتلون مصابون برصاصات في الرأس او في الصدر، حالات شبه ميؤس منها. قبل مدة أعلن عن أستشهاد أحد المقاتلين من ذوي هذه الحالات، ولكن الطبيب وفريقه نجحوا في إنقاذ حياته في اللحظة الأخيرة. عندما وصل "دوربيج" إلى كوباني كان وزنه 83 كيلوغراما، الآن يزن 63 كيلوغراما فقط. يدخن الطبيب علبتي دخان كل يوم. الدخان متوفر هنا ومجانا. يقول الطبيب: أستقبل الحالات العاجلة، نحن نفقد كل يوم شبابا بعمر الزهور. تدمع عيناه المتعبتين. يتحدث الناس للطبيب عن جرائم "داعش". الجهاديون كانوا وحوشا.

كانوا يعتدون على كل شيء، على الطبيعة وعلى الطفولة. بينهم القتلة والمغتصبون والسفاحون. الطبيب يعيش في غرفة صغيرة في المشفى. هناك سلاح من نوع "كلاشنكوف" معلق على جدران الغرفة. وعندما يكون الطبيب متعبا ويحتاج إلى الراحة يعود إلى حجرته الصغيرة ليعزف وينسج الألحان. أنجز حتى الآن 37 قطعة موسيقية، البعض منها حزين والبعض الآخر حماسي. بعض القطع موجودة على موقع "اليوتيوب". هناك قطعة موسيقية بأسم "صديقي"، ألفها في مقاتل لم يتمكن من إنقاذ حياته. إحدى مقاطع هذه الأغنية تقول: " صديقي المقاتل. أنت الحياة. أنت النار المشتعلة في كل الجبهات. صديقي، أنا الآن في طريقي إليك"

* مجلة (Der Spiegel) الألمانية.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات