الانتخابات التركية... نصر ممزوج بالدماء

الخميس 05-11-2015 | PM 12:04 احتجاج تركي على القمع - صورة أرشيفية

فريدريك جييردينك

هل كان الأمر مختلفاً لو لم يُفز حزب العدالة والتنمية (AKP) بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية التركية يوم الأحد الفائت؟. استناداً على مزاج هؤلاء الأشخاص الغير داعمين للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، سوف يكون رأيك مماثلاً. لكن الحقيقية هي أن الأمر لم يكن مختلفاً كثيراً. استبدادية أردوغان، فقط الثبات والإصرار، والبديل الصحيح يستطيعان التغلب عليها يوماً ما. فوز حزب العدالة والتنمية جاء بعد استخدام أردوغان لِسلاحَين قَذِرين: الأول: العنف ضد الحركة الكردية السياسية، من بينها حزب العمال الكردستاني(PKK) المُسلح، والثاني: الاستبداد.

حيثُ قام بقتل المدنيين في المناطق ذات الغالبية الكردية، جنوب شرق البلاد، طوال فترة حظر التجوال بالإضافة إلى "عمليات" قصف مواقع حزب العمال الكردستاني في تركيا، وجبال قنديل داخل أراضي كردستان العراق. قام بسجن رؤساء البلديات المُنتخبين عن طريق صناديق الاقتراع. لم يفعل شيئاً لمنع العنف ضد مكاتب وتجمعات حزب الشعوب الديمقراطي (HDP) (حزب يساري الأصل ضمن الحركة الكردية )، بالإضافة إلى أنهُ زاد من الضغط على وسائل الإعلام والصحف الغير خاضعة لسيطرته. نجح أردوغان والعدالة والتنمية في كل ذلك، وحصل الحزب على نسبة 49% من مجموع الأصوات مصدراً 317 برلماني.

بالطبع ما حصل كان بعيداً كل البعد عن الديمقراطية. النصر الذي حققه ممزوج بالدماء والقمع. والفرصة التي كان يمتلكها أردوغان باتت صغيرة الآن. ستكون هنالك هجمات جديدة على وسائل إعلام أخرى. رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو، تعهدَ بقتال حزب العمال الكردستاني حتى آخر رجل، ونفى أردوغان بصراحة وصول الكرد والدولة إلى اتفاقية في بداية العام الجاري. اللغة وخطابات الحرب التي استعملوها لكسب الأصوات لم تغير شيئاً في محادثات السلام. بعد استعادة الأغلبية البرلمانية: سارعَ أردوغان إلى التحدث بتلك النبرة العنيفة ضد حزب العمال الكردستاني، في أول تعقيب له، عَقِبَ إغلاق صناديق الاقتراع.ولكن ماذا كان سيتغير لو لم يفز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية؟

ربما كانت هنالك محادثات لتشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الحركة القومية المتطرف (MHP) أو حزب الشعب الجمهوري (CHP)، المحادثات من الممكن أنها كانت ستفشل وتقود فقط إلى انتخابات جديدة ثالثة في ربيع عام 2016. أو أنها كانت ستنجح وتؤدي إلى حكومة ائتلافية، وبالتأكيد أنها لم تكن لتستمر حتى الانتخابات القادمة في عام 2019. حزب الشعب الجمهوري العلماني، وحزب العدالة والتنمية الديني، بلا شك، يُمثلان وجهتي نظر متعارضتين تماماً في المجتمع. العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية كلاهما متوافقان، وبالتالي، فإن تحالفهما كان سيستمر أطول من الأول إن حصل، ولكن فقط مع مزيد من العنف، وكان نهايةً للمحادثات مع حزب العمال الكردستاني. حزب الحركة القومية (MHP) وضحَّ ذلك بعد الانتخابات السابقة.

لذا، هل كانت كل تلك المقاومة ضد حزب العدالة والتنمية الذي لا فائدة منهُ لِتفعلَ شيئاً؟ لا لم تكن. أردوغان لم يُدْخِلْ الاستبداد إلى تركيا. الدولة لم تكن ديمقراطية أصلاً منذُ تأسيسها قبل 92 عاماً. جوهر الدولة التركية ودستورها يقومان على حمايتها، وليس حماية المواطنين، وهو الأمر المفترض. تعهد داوود أوغلو بتغيير الدستور للأفضل، ولكن الحزب وعدَ قبل ذلك ولم ينفذ الوعد مطلقاً. لماذا سيقومون بذلك، وهو يخدم مصالحهم على نحو جيد؟.الأمر الذي يجعل محاربة الاستبداد التركي، وبشكل خاص حزب العدالة والتنمية، صعباً جداً هو بأنهُ مغطى بطبقة رقيقة من الديمقراطية. الانتخابات بدأت، نسبة المشاركة كانت عالية، لم يتم الإبلاغ عن عمليات تزوير واسعة، أربعة أحزاب دخلت البرلمان.

ولكن هذه الحملة كانت كل شيء إلا الديمقراطية، نظراً للعنف الذي مارسته الحكومة، التحكم بوسائل الإعلام والصحافة واعتقال المعارضين السياسيين. نمط دكتاتوري كهذا الموجود في تركيا لا يمكن محاربته من معظم مجموعات المعارضة في تركيا. على سبيل المثال، ما هي مؤهلات "وسائل الإعلام المعارضة" في الوقت الحاضر؟. هنالك صحف ورقية ومحطات تلفزيونية مرتبطة بـ فتح الله غولن، قيادي ديني متواجد في الولايات المتحدة الأمريكية، وقليل الظهور علنياً بالإضافة إلى أن ينفي حضوره في السياسة على الإطلاق، ولكنهُ كان حليفاً قوياً لـ رجب طيب أردوغان في السابق. أما بالنسبة للقوميين المتطرفين، فهنالك منشورات وكتيبات تتحدث ضد أردوغان وتعاديه دون وجود أي مهارة صحفية ذكية.

بل أسوأ من ذلك: لا توجد أي فئة في المجتمع داخل تركيا والتي تعتبر وسائل الإعلام تلك ممثلة لها، تثقُ بوجود بديل فعلي قوي لحزب العدالة والتنمية. وهذا يشمل أكبر أحزاب المعارضة، حزب الشعب الجمهوري (CHP) المُقسم بين هؤلاء الذين لا يزالون يعتقدون بأن بالطراز الكمالي القديم، الذي اختلق نموذج الدولة الوسطية، وإلى أولئك الذين يحاولون عبثاً أن يصبحوا ديمقراطيين اجتماعيين على نحو صحيح. لا عجب بأنهم لم يكونوا قادرين على تحدي حزب العدالة والتنمية بأي شكل من الأشكال منذُ فوزه بالانتخابات لأول مرة عام 2002.طُغاة أذكياء وماكرين مثل أردوغان، لا يمكن أن يُقوضْ وجودهم إلا حزب، أو بشكل أفضل، حركة، تكون منظمة وثابتة بشكل جيد.

 تركيا تحوي مثل هذه الحركة، وهي حزب الشعوب الديمقراطي. جذور الحزب تعود إلى 40 عاماً، حيثُ كانت العيون مفتوحة وبشكل واسع على حقيقة الدولة التركية. في تلك الأيام، كانت فقط مجموعة صغيرة من الشباب والشابات الثوريين، والتي تحولت فيما بعد إلى حزب العمال الكردستاني، ومع الزمن نمت وأصبحت حركة منظمة بشكل كبير جداً، مرنة ومستمرة بثبات، ولديها أهداف واضحة (الديمقراطية الشعبية – المساواة - التعددية).حزب الشعوب الديمقراطي، حزب يساري وُلِدَ من رحمْ هذه الحركة، دخل الانتخابات للمرة الأولى خلال شهر حزيران/يونيو الفائت. الأحزاب التي سَبَقتْهُ ركزّت على القضية الكردية ودخلت الانتخابات على هيئة مستقلين للالتفاف على عتبة 10 % الخاصة بالانتخابات البرلمانية في تركيا.

ولكن حزب الشعوب الديمقراطي هو لكل تركيا، ودخل البرلمان متجاوزا العتبة بسهولة حيثُ حصل على ما يزيد عن 13% من الأصوات. ويوم الأحد الفائت، خسرَ الحزب الأصوات بسبب الوسائل الخطيرة والشريرة التي استخدمها أردوغان، ولكن الحزب تجاوز وللمرة الثانية العتبة، ولكن بصعوبة، ولا يزال في البرلمان. هم والحركة الجماهيرية التي تساندهم موجودين هناك للبقاء. وبعد انتهاء الانتخابات يوم الأحد الفائت، صرّح كل من الرئيسان المشتركان لحزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين ديمرتاش، وفيغين يوكسيكداغ، بأنهم سيواصلون النضال لتحقيق الديمقراطية المستوحاة من أهدافهم والغير خاضعة للرغبات السلطوية للجميع، وهذا ما سيفعلونه. هذه هي المقاومة الصلبة التي يجب أن يخشى منها أردوغان والنظام المركزي الذي يدعمهُ.

* موقع (Huffingtopost)

أحدث الدراسات