لا مكان للسوريين حتى في ألمانيا

الإثنين 26-10-2015 | PM 03:29

بدايات هجرة السوريين

بدأت قصة السوريين مع الهرب واللجوء منذُ عقود، وبالتحديد عند وصول حزب البعث إلى سدة الحكم، نتيجة لضغوط ممنهجة ضد معارضي السلطة الحاكمة، بالإضافة إلى الظروف المعيشية المتدهورة بسبب استغلال واحتكار الاقتصاد من قبل فئات مرتبطة بمراكز القرار والحكم في البلاد، لكن نسبة اللاجئين السوريين العرب كانت ضئيلة جداً مقارنة مع المكونات الأخرى، حيث كان الكرد والسريان يحتلون المرتبة الأولى  للاجئين السوريين في أوروبا وخاصة في ألمانيا، أما بعد بدء الثورة منذُ عام 2011، ودخولها لاحقاً نفق الحرب الأهلية، وظهور تنظيمات متطرفة مرتبطة بالقاعدة، واستخدام النظام كافة أنواع الأسلحة ومن ضمنها المحرمة دولياً، ارتفعت أعداد اللاجئين من المكون العربي على نحو كبير جداً وباتوا يشكلون غالبية السوريين في أوروبا، ووفقاً لبيانات المكتب الاتحادي للاجئين والهجرة، بلغت نسبة السوريين عام 2014 ( 22.7 % من أصل 173 ألف لاجئ، بينما بلغت نسبتهم 20,3 % من أصل 160 ألف لاجئ حتى منتصف العام الجاري).
 
الرحلة تبدأ من تركيا

 

تبدأ رحلة اللاجئ السوري بداية من الأراضي التركية، وبالتحديد مدينة (أدرنة)، التي تعتبر نقطة تجمع وانطلاق لآلاف المهاجرين، وذلك بمساعدة شبكات منظمة من السماسرة الذين يديرون عملية إيصال اللاجئين من تركيا إلى الدول الأوروبية الغربية وعلى رأسها ألمانيا، عبر طرق "الموت" البرية والبحرية، والأخيرة أودت بحياة آلاف اللاجئين لدى محاولتهم الوصول إلى الشواطئ الأوروبية، حيث يقوم السماسرة بوضع أعداد كبيرة من اللاجئين على متن قوارب مطاطية أو قوارب مهترئة، منهم من يفشل ويُلقى القبض عليهم من قبل خفر السواحل التركي ويُعاد إلى تركيا ولكنهم يستمرون في المحاولة، ومنهم من يغرق في عرض البحر، ومنهم من ينجح في محاولاته الأولى، وبالتالي يُكمل رحلتهُ نحو أوروبا الغربية براً متخطياً حدوداً عديدة كانت سابقاً عملية صعبة المنال، لكنها وبسبب البعد الإنساني الدولي الذي شكلته، وبمساعدة المنظمات الحقوقية والإنسانية وبعد الضغط على حكومات الدول التي تشكل (دول عبور) لفتح أبوابها لهم باتت عملية سهلة جداً مقارنة بالفترات والسنين السابقة.

عمليات التهريب تجارة مربحة


تحولت عمليات تهريب اللاجئين السوريين بطرقها المختلفة تحولت في الآونة الأخيرة إلى تجارة مربحة لشبكات السماسرة المنظمة في كل من تركيا، اليونان، مصر، وليبيا، وتختلف الأسعار التي يعتمدها السماسرة باختلاف طرق العبور، مثلاً تتراوح تكلفة الذهاب من تركيا إلى ألمانيا  من (2500 – 14000) دولار أمريكي، بسبب اختلاف الطريقة، وهنالك مثلاً عدة طرق رئيسية لعمليات التهريب وهي:
1- طريق البر:  يكون من خلال شبكات مافيا منظمة عابرة للحدود تسيطر على الطرق الواصلة بأوربا الغربية بدءاً من تركيا عبر (اليونان) ثم إلى مقدونيا، صربيا، هنغاريا ومن ثم النمسا وصولاً إلى ألمانيا، أو من تركيا عبر (بلغاريا) ثم إلى صربيا، هنغاريا، النمسا وصولا إلى ألمانيا، ونتيجة لإغلاق المجر حدودها بشكل تام، تغيير مسار الرحلة نحو دول أخرى منها سلوفينيا وكرواتيا.


2- طريق البحر: يعدُّ هذا الطريق من أخطر الطرق التي يعبر من خلالها اللاجئون إلى الدول الأوربية، عبر البحر الأبيض المتوسط و تكون نسبة الفشل وبالتالي الموت مرتفعة، حيث  يستخدم "تُجار البشر" القوارب المطاطية الصغيرة في تهريب اللاجئين، وكان قد أصدر المرصد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان تقريراً إحصائيا قال فيه بأن عدد المهاجرين الذين غرقوا حتى منتصف هذا العام في البحر الأبيض المتوسط بلغ 2824، لكن لا توجد إحصائيات مؤكدة في ظل استمرار توافد اللاجئين بالآلاف يوميا عبر الطريق البحري الذي وصفَ بـ "طريق الموت".
3- التهريب عبر استخدام الشاحنات وهذه الرحلة أشبه بالكابوس، حيث يتم وضع عشرات اللاجئين داخل شاحنة مغلقة بإحكام تفتقد للهواء بشكل كامل في عدد منها، ما يؤدي إلى موت اللاجئين خنقاً، بعد فترة زمنية معينة، ومثالاً على ذلك، الشاحنة التي أدت إلى وفاة أكثر 50 شخصاً في النمسا قبل أسابيع، لكن أعداد كبيرة من الشاحنات التي تقل المهاجرين، تصلُ مقاصدها بهذه الطريقة، ولكن على الأغلب يكون المهاجرون بحالة صحية يُرثى لها نتيجة للضغط النفسي وقلة كميات الأكسجين.
4- من خلال تزوير أوراق وجوازات سفر أجنبية، وتعتبر هذه الطريقة الأكثر أمناً من الناحية الجسدية، لأنها تتم عن طريق مراكز عبور رسمية، لكن نسبة نجاحها ضئيلة جداً، وهي مكلفة جداً.

يوسف.. وصلَ ولكن

 

يوسف القطينة، 20 عاماً، سوري الجنسية، من مواليد العاصمة دمشق، بدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر، منتصف العام الجاري، واضعاً ألمانيا هدفاً لمستقبله نُصبَ عينيه، بعد تركه للدراسة. معاناة القطينة بدأت ومنذُ اليوم الأول عند دخوله الأراضي التركية، حيث يقول يوسف " عند وصولي إلى هناك اضطررت تقاسم السكن مع مجموعة يصل عددها إلى 15 شاباً في منزل واحد لفترة زمنية، ثم اتجهت إلى مدينة أزمير التركية للانطلاق نحو الجزر اليونانية عبر بحر ايجة"، ويتابع حديثهُ “ عند وصولي إلى أزمير، التقيتُ سمساراً واتفقنا على أن أعطيه مبلغاً وقدره 1000 دولار ليوصلني إلى الجزر اليونانية، عبر قارب مطاطي صغير طوله 4 أمتار وبعد عدة أيام أرسلونا على شكل مجموعة عددها 40 شخصاً عبر ذلك القارب المطاطي، بعد أن اتجهنا سيراً على الأقدام ولمسافات طويلة إلى نقطة انطلاق القارب، وبعد ساعتين من تحرك القارب نحو الجزر اليونانية تعطل المحرك وكنا على وشك الغرق لولا وصول خفر السواحل التركي بعد ساعة ونصف وإنقاذنا من ثم أرجعونا إلى الأراضي التركية"
يوسف وبعد محاولات عدة باءت بالفشل تمكن من الوصول إلى الجزر اليونانية، وهناك تبدأ مأساة الطريق عبر البر حيث يقول “ وصلنا في المساء المتأخر إلى جزيرة كوس اليونانية، حيثُ ألقت الشرطة القبض علينا وقامت باحتجازنا لساعات، ثم انطلقنا باتجاه العاصمة أثينا، حيثُ اضطررت للبقاء هناك، مدة أسبوعين، بعدها ذهبت إلى مدينة تسالونيك للانطلاق نحو مقدونيا". ويتابع يوسف حديثهُ “ طلبوا منا الانتظار في البداية لمدة ساعة، إلا أننا بقينا ننتظر لمدة عشر ساعات وعند دخولنا الأراضي المقدونية قامت الشرطة بملاحقتنا و تمكنا من الهروب بين الغابات إلى حلول الصبح و حاولنا تكراراً عبور مقدونيا إلا أنّ الشرطة منعتنا وطلبوا منا الرجوع بشكل فوري، حينها اضطررنا للبقاء بين الغابات والنوم فيها لمدة ليلة واحدة إلى أن تمكّننا من العبور، ثم توجهنا إلى صربيا حيث المجموعات المسلحة والمافيا متواجدة وبقوة في المناطق الحدودية وتقوم بعمليات سطو وخطف، لكن لحسن الحظ تمكّنا مرة أخرى من الفرار منهم وبعد عدة محاولات استطعنا الدخول إلى الأراضي الهنغارية ومن ثم الأراضي النمساوية"،  وهنا ينتهي حلم يوسف بالوصول إلى ألمانيا مع رفاقه ويتواجد حالياً في مخيم قرب مدينة دويسبورغ الواقعة في ولاية نورد راين ويستفالن .

 أما طلال بيطار الذي وصل مؤخراً إلى ألمانيا و يقيم حالياً في مخيم للاجئين داخل مدينة (هيرني) يقول " عند وصولنا إلى نقطة الانطلاق كان هناك مجموعات تركية كثيرة، طلبوا منا في البداية بحمل القارب المطاطي وتعبئته بالهواء ومن ثم نقله إلى شاطئ البحر، حاولنا الانطلاق، لكن التواجد الكثيف لقوات الجندرمة قرب تلك النقطة حال دون ذلك ولأكثر من خمس محاولات، بعدها انطلقنا في مياه المتوسط، وبعد ساعات من الإبحار بالقارب واجهنا خفر السواحل التركي وبدأ بملاحقتنا، ويتابع بيطار بالقول “لقد هاجمنا خفر السواحل التركية وقاموا بتوجيه خراطيم المياه واستخدموها ضدنا، على الرغم من وجود عدد من الأطفال والنساء بيننا، وكاد أن يموت أحد الأطفال لولا المعجزة السماوية التي أنقذته".
ويؤكد بيطار قيام خفر السواحل التركي بسرقة كل ما يملكون من هواتف وأموال , ويضيف “ لمجرد أني رفضت إعطائهم حقيبتي والتي كنت أخبأ بداخلها كل ما املك من مال هاجمني عناصر المخفر و اعتدوا علي بالضرب المبــرح دون إنسانية"، وعن نقاط الانطلاق يقول بيطار " النقاط تسيطر عليها مجموعات مسلحة تركية وأفغانية".


السكن و المعيشة في البداية

 

مع ازدياد أعداد القادمين إلى ألمانيا، باتت تعاني الأخيرة تأمين السكن والمستلزمات الخاصة باللاجئين المتوافدين مؤخراً، ما دفعها إلى الاستعانة بالمدارس والصالات الرياضية لتحويلها إلى مخيمات لتتمكن من خلالها إيواء عدد لا بأس به من اللاجئين. ومنها مدراس في العاصمة الألمانية برلين وولاية شمال الراين فستيفالن , بايرن وكذلك مدينة هامبورغ إلى مخيمات لإيواء اللاجئين لعدم تحمل المخيمات السابقة و المجهزة للعدد الهائل الذي يتوافد بشكل يومي إلى ألمانيا، وتفتقر هذه المخيمات الجديدة إلى شروط السكن الإنسانية، فمثلاً يسكن في كل غرفة من الأربعة إلى عشرة لاجئين ومن العائلة إلى العائلتين وقد صادفنا في احد المدارس التي تحولت إلى مركز لإيواء اللاجئين عائلة سورية  تسكن في غرفة مشتركة مع أربعة شباب عراقيين وهذه الحالات ليست نادرة في ظل هذه الظروف بينما في الصالات الرياضية فيتم وضع قطع قماش لبناء غرف قماشية تفصل العائلة عن الأخرى، و كذلك المجموعة عن الأخرى أو يتم الاستعانة بغرف (الكرفانات) و هي عبارة عن غرف اصطناعية يتم بناؤها من الألمنيوم والخشب ومواد عازلة للمياه مجهزة من الداخل بالمدافئ وهي مناسبة أكثر للعيش المؤقت بدلاً من المدارس كما يتم بناء هذه الغرف الاصطناعية في أراضي فارغة بالقرى الصغيرة الواقعة على أطراف المدن.
الإجراءات و حلم الحصول على اللجوء

 

تبدأ معاناة اللجوء و الحصول عليه منذ وصول اللاجئ الأراضي الألمانية، فكثيراً ما نسمع بأن طالبي اللجوء السوريين يحصلون على الإقامة بمدة لا تتخطى الستة أشهر، إلا أنها ليست سوى إشاعات عارية عن الصحة وفقاً للاجئين الذين التقيتُ بهم في الآونة الأخيرة داخل مقاطعة شمال الراين ويستفالن، حيثُ أنّ إجراءات اللجوء في ألمانيا لم تعد كما كانت سابقاً من حيث السرعة، نظراً لازدياد عدد طالبي اللجوء و الضغط الهائل على الحكومة الألمانية، كما وبات من الصعب إدارة الأمور الحياتية للاجئين بالشكل المطلوب، حيثُ أن عدد كبير من اللاجئين لا يحصلون على سكن ضمن المعايير التي تقدمها الحكومة إلا بعد ستة أشهر، كما ولا يحصل الكثيرون على أوراقهم المؤقتة إلا بعد شهور ما يعيق تحركهم داخل المدن المحيطة بمركز اللجوء الخاص به.

أحدث الدراسات