دور الكرد في محاربة تنظيم "داعش" مهم لأميركا لكنه يشكل إنذارا لتركيا

الثلاثاء 18-08-2015 | PM 09:49 صورة ارشيفية

روكميني كاليماجي

كانت الرايات الخضر معلقة على جدران غرفة العمليات الحربية في مدينة الحسكة، حيث كان العديد من مقاتلي وحدات وحدات حماية الشعب (YPG) مجتمعين حول خريطة (GBS) لمراقبة تحركات العناصر المعادية، وتحديد الأولوليات ومراقبة الأحداث بعناية. طلال رامان، أحد المقاتلين، والبالغ من العمر 36 سنة، كان يعمل على برنامج (Google earth) لتحديد مواقع كل من عناصر تنظيم "داعش"، ومقاتلي القوات الكردية، المتواجدين في البنايات، التي يقاتلون منها.

وكانت الإشارة إلى المقاتلين الكرد باللون الأصفر، في حين الإشارة إلى عناصر تنظيم "داعش"  المتواجدين خلف إحدى المساجد في المدينة باللون الأحمر. كتب رامان باللغة العربية لغرفة العمليات الحربية الأمريكية التي تبعد عنه مئات الأميال قائلا :" بإمكان رفاقنا مشاهدة الأعداء وهم يتنقلون، عبر جهاز (GPS) الذي أرسلناه لكم للتو"، ثم بعد ذلك بقي المقاتل الكردي بانتظار الطائرات الأمريكية لتأتي وتقصف هذه العناصر.

جاء القصف الجوي الأمريكي بتنسيق مع القوات الكردية على الأرض، حيث خلف القصف العديد من القتلى من بينهم أحد مقاتلي "داعش"، الذي كان يحارب بأسلحة ثقيلة، وفجأة وصلت رسالة عاجلة جاءت من غرفة العمليات الحربية الأمريكية، جاء فيها: " الرجاء ...التأكد من سلامة الرفاق هل هم بخير؟". هذا التنسيق القوي بين القوى الجوية الأمريكية ومقاتلي وحدات حماية الشعب(YPG) حقق نجاحات كبيرة في محاربة تنظيم "داعش" في المناطق القريبة على طول الحدود التركية ـ السورية في الأشهر الماضية.يوجد الآن تنسيق بين الحملة الجوية الأمريكية وتركيا، التي سمحت بدورها لأمريكا باستخدام قواعدها الجوية لاستخدام طائراتها الحربية في قصف مواقع التنظيم داخل سوريا.

وحسب المراقبين للمشهد الكردي داخل سوريا، فإن الحرب على "داعش" كانت تسير ضمن المخطط، في ظل المساعدات المقدمة، لولا تصرفات تركيا الغير مسئولة، فحتى الشهر الماضي، رفضت أنقرة بعض المطالب الداعية لمحاربة تنظيم "داعش"، لأنها تطمح إلى "عرقلة إمكانية قيام دولة كردية" على حدودها، فعدد الكرد يصل إلى ثلاثين مليون، موزعين بين كل من سوريا وتركيا والعراق وإيران، وقد تم تصنيف الشعب الكردي  من بين أكبر القوميات التي لا تملك دولة مستقلة. وعلى الرغم من موافقة تركيا الانضمام لقتال "داعش"، إلا أنها بدأت، وبشكل مفاجئ، بمقاتلة حزب العمال الكوردستاني (PKK) في كل من تركيا والعراق، ذلك الحزب المعروف بتحالفه القوي مع وحدات حماية الشعب (YPG).

الاتفاق الأمريكي التركي على ضرب مواقع "داعش" على طول ستين ميل من الحدود التركية ـ السورية كان يحمل في طياته بعض الاستثناءات، فقد طلبت تركيا إخراج القوات الكرية وإبعادها من تلك المناطق، رغم من ما حققه الكرد من انتصارات على "داعش" هناك. على الرغم من التعاون مع الولايات المتحدة لأشهر، إلا أن الكرد السوريون قلقون من أن نجاحاتهم في محاربة "داعش" قد لا تضاهي صداقة تركيا مع أمريكا.

ريدور خليل الناطق الرسمي باسم وحدات حماية الشعب (YPG) بدوره قال: " الفصيل الوحيد الذي قاتل "داعش" بثبات وفاعلية هو وحدات حماية الشعب، حيث أعداد مقاتلينا تزداد، فقد وصل عددهم حتى الآن إلى 35.000 مقاتل، منذ أن بدأت هذه القوات في بلدة صغيرة عارضة الحماية الذاتية، لتصل في النهاية إلى هذا الحجم. وفي الوقت الذي تحاول فيه قواتنا إضعاف التنظيم، تسعى تركيا إلى دعمه".وكنتيجة لذلك تعامل المسئولون الأمريكيون بحذر مع وحدات حماية الشعب بسبب ارتباطها مع حزب العمال الكوردستاني، الذي صٌنف على لائحة الإرهاب.

ولكن مع ذلك تعاونت القوات الأمريكية مع المقاتلين الكرد في تلك القوات، وذلك ضمن ضوابط عامة ورسمية، وخاصة في عمليات القصف الجوي، مدعيّة أنها تتعامل مع الكرد داخل سوريا كأي فصيل آخر. المسألة الأكثر أهمية على أرض الواقع في شمال سوريا "روج آفا " هي مدى تأثير مؤسس حزب العمال الكوردستاني عبد الله أوجلان، الذي تم إلقاء القبض عليه عام 1999، على أبناء شعب "روج آفا "، فبالإمكان رؤية صوره معلقة في مكاتب ومقار وحدات حماية الشعب (YPG)، وصورة موجودة حتى على بذات المقاتلين.

وقد تم رسم صورة له على جدار إحدى المستشفيات في الحسكة. وكما تقول جالي صالح الزميل الزائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: " أن التناقض يكمن في أن ترى المقاتلين الكرد الذين وصفوا سابقا بالإرهابيين في كل من تركيا والعراق من قبل الولايات المتحدة،  يقاتلون اليوم على الأرض في سوريا إلى جانب قوى التحالف ضد تنظيم "داعش"، حيث هناك أدلة كثيرة على انضمام أعداد ضخمة من حزب العمال الكوردستاني إلى القتال في "روج آفا " إلى جانب وحدات حماية الشعب لقتال "داعش"، وبالتالي فأي فصل بين القوتين الكرديتين هو أمر غير منطقي".

عند تقدم تنظيم "داعش" في مناطق "روج آفا "، قامت الميليشيات الكردية بالتمدد فيها لتحكم سيطرتها على مساحة 11.000 ميل على طول الحدود السورية ـ التركية. الأتراك، بدورهم، راقبوا بقلق تنامي نفوذ الكرد، فكما يقول بولند علي رضا مدير مشروع تركيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية : "تنامي التعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية و المقاتلين الكرد أثار حفيظة الحكومة التركية". بدأ هذا التعاون في تشرين الأول/أكتوبر الماضي عندما قام "داعش" باجتياح الحدود التركية ـ السورية نحو كوباني في محاولة لفصل الإتحاد بين الكرد في البلدين. وفي حديث لمسئول كردي كبير في سوريا، قال بأنه سافر إلى هولير/أربيل للقاء قادة عسكريين أمريكيين، حيث أكد بأنه بعد مفاوضات طويلة، وافقت الولايات المتحدة على تزويد القوات الكردية بالأسلحة، وهي التي ألقيت إليهم جوا، وتم إعدادها من قبل الكرد العراقيين، كما تم تزويد المقاتلين بأجهزة تحديد الموقع (GPS)، وب 20 طن من المؤن، وذلك قبل 19 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

كما تحدث المسئول عن التنسيق بين التحالف الدولي والمقاتلين الكرد على الأرض، من أثناء الإعداد لتحرير كوباني، وكذلك معظم محافظة الحسكة وتل أبيض.كان السيد رامان يرسل تقاريره من غرفة العمليات إلى قوى التحالف، مستخدما أدوات متواضعة مثل أجهزة الموبايل وغيرها من أجهزة الاتصالات. على شاشة حاسوبه كانت ثمة صورة لأوجلان. حيث كان السيد رامان يجد نفسه كشريك للطيارين الغربيين، الذين يقومون بقيادة الطائرات الحربية وقصف مواقع "داعش".

وكما أنه يرى في حزب العمال الكردستاني كشريك أساسي في قتاله ل"داعش". إن " قامت القوات التركية بقصف حزب العمال الكردستاني، فهذا دليل واضح على تعاون أنقرة مع "داعش"، يقول رامان.تدور في شمال سوريا حرب مستعرة على "داعش"، تشنها وحدات حماية الشعب، حيث يمكنك مشاهدة شاحناتهم التي تحمل الرايات الصفر في جبهات القتال، حيث يتقدمون يوميا أكثر من ميل،  وهم مميزون بملابسهم المموهة، التي تشبه ملابس جنود البحرية الأمريكية، وهم يستخدمون القطن المحلي لصنعها.

فكل مقاتل يحارب ضمن مجموعة يصل عددها إلى ثلاثين عنصرا، متخذين من فلسفة أوجلان التي تنادي بالمساواة بين الجنسين مرجعية لهم، حيث تحارب النساء في ساحات المعارك، وتعلق صور الشهداء من النسوة إلى جانب صور الشهداء الرجال، فقد قادت إحدى النساء مجموعة في القتال ضد "داعش" في مدينة الحسكة، وتم سحق أحد الانتحاريين المتقدمين، وكان يلبس حزاما ناسفا. أحرز الكرد تقدما على "داعش"، حيث سيطروا على أسلحة كثيرة وذخائر، إلى جانب دبابة من نوع ( تي 55) وهي آلية قديمة من صنع سوفيتي.

العديد من القصص عن الدمار، يٌستدل عليها من خلال آثار الخراب الموجود على الجدران، حيث هدمت الشوارع، وقبة إحدى المساجد التي كانت قريبة من ساحة القتال.وفي 30 تموز/يوليو، وبعد الساعة العاشرة مساء، أتصل أحد المقاتلين الكرد مع السيد رامان، عبر أجهزة الراديو، ليخبره أنه رأى مجموعة من مقاتلي "داعش"، وفورا قام السيد رامان بتحديد موقعهم ب36.28.23  شمالاً،و40.44.58 شرقا، وثبتها على دفتره الذي كان غلافه يحمل صورة طفل. و مباشرة أرسل هذه المعلومات إلى غرفة العمليات الأمريكية باللغة العربية، وفجأة أرسل التحالف، مباشرة، طائرة حربية لقصف هذه الجماعة التي ذكرها.

وطلب التحالف من رامان أن يدعو مقاتليه إلى التراجع لمواقعهم ليبدأ القصفـ، حيث جاء في رسالتهم: " تأكدوا أن رفاقنا في المواقع المرمز إليها باللون الأصفر... حتى يبدأ الطيار بالقصف".

ومن ثم بدأ العد التنازلي في الساعة 10:38 مساء. حيث أرسل التحالف رسالة تمهيدية لهم للبدء بالقصف: " 3 دقيقة، 1 دقيقة، 30 ثانية، ...ثم بدأ القصف. وبعدها طلبت غرفة العمليات العسكرية التأكد من سلامة المقاتلين الكرد.

وتبيّن بأن عدد القتلى في صفوف "داعش"، حسب ما هو واضح لقوى التحالف، هو 9  عناصر، كما دمرت قبة أحدى المساجد. وهذا بالضبط ما أرسله لهم  السيد رامان من معلومات، في اليوم التالي ذهب صحفيون من صحيفة ( النيويورك تايمز) لتغطية الحدث. وكما قال المتحدث باسم التحالف فأن الطائرات قامت بسبع ضربات جوية قرب الحسكة، حيث قتل عدة مقاتلين تابعين لتنظيم "داعش"، إلى جانب سحق أسلحتهم الثقيلة من قاذفات صواريخ وقنابل، وقد ملأت أغلفة الرصاص الأرض في أرض المعركة...

* صحيفة (The New York Times) الأميركية.الترجمة: عبد الرحمن داوود.خاص بالمركز الكردي للدراسات.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات