المسارات المحتملة للأحداث في الحرب الأهلية السورية: نظرة استشرافية للأشهر الستة المقبلة!

صورة أرشيفية

جنيفر كافاريلا – كريستوفر كوزاك

الأربعاء 15-07-2015 | PM 01:56 |

الغرض من هذه التنبؤات هو تلخيص توقعات مركز دراسات الحرب (ISW)، وتقييم المسارات المتاحة للاعبين السوريين والمساهمين في الأحداث على مدى الأشهر الستة المقبلة. ويقيّم مركز (ISW)، المأزق المستمر، والذي يُعرف بالحرب الأهلية السورية منذُ عام 2013، والتي ربما تتدهور في هذا الإطار الزمني المحدد أعلاه.

مجموعات المعارضة و"جبهة النصرة" أيضاً، تتمركز وتتموضع لتصعيد هجماتها ضد قوات النظام السوري في جنوب وشمال سوريا، وربما يؤدي التأثير الإجمالي لهم إلى انكماش الجيش العربي السوري في منتصف المدة. بالتناوب، النظام جنباً إلى جنب مع الدعم الإيراني المتزايد، ربما يغير من حسم معركته عبر التركيز على العمليات الهجومية المحدودة واستهداف المواقع الرئيسية للمعارضة في مسعى لتحقيق أكبر تأثير ممكن، وبشكل خاص في العاصمة دمشق. مجموعة من الإجراءات من قبل العديد من الجهات الفاعلة في سوريا، من الممكن أن ينتج عنها سلسلة من النتائج المحتملة للحرب السورية وتأثيراتها في مرحلة ما بعد الصراع على البيئة المحيطة. العديد منها تُشكل خطراً على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، والإستراتيجيات الحالية لهزيمة تنظيم "داعش"، في السنوات القادمة. هذا التقييم سوف ينذر باحتمالات   النتائج الأرجح والأكثر خطورة والتي ممكن أن تحدث في سوريا، خلال النصف الثاني من العام 2015، من وجهة النظر الأمريكية.

  تغيرت ساحة المعركة في الحرب الأهلية السورية على نحو مفاجئ من تاريخ أيلول/سبتمبر العام الفائت، وحتى حزيران/يونيو العام الجاري. حيثُ أنهُ وفي التاسع والعشرين من آذار\مارس العام الحالي، انتهت عملية كبيرة قادتها قوات المعارضة السورية بالسيطرة على مركز مدينة ادلب، شمال غرب سوريا، في انتصار يعتبر الأكبر ضد نظام بشار الأسد، منذُ السيطرة على مدينة الرقة من قبل قوات المعارضة، في شهر آذار\مارس قبل عامين من الآن. ولعب الفرع السوري من تنظيم القاعدة "جبهة النصرة"، دوراً رئيسيا في السيطرة على مدينة ادلب، في إشارة إلى استمرار نمو التنظيم في سوريا.مّكن تجديد القوة القتالية لقوات المعارضة أيضاً في هذا التحول من إعطاء الزخم والقوة بعد سنوات من الاستنزاف والتجزئة، ما يظهر إشاراتٍ على ازدياد الدعم الخارجي للعديد من ألوية وكتائب المعارضة. من المرجح بأن تجديد قوة كتائب المعارضة سيؤدي إلى حالات ثوران إضافية في خطوط الحرب السورية المتأزمة في المدى القريب. على وجه الخصوص، فإن المجموعات الإسلامية التي ساهمت بشكل كبير وهام في النصر الذي تحقق بمعركة السيطرة على مدينة ادلب، تستعد الآن للعب دور مهيمن في معركة السيطرة على مدينة حلب، والتي من المتوقع أن تتصاعد وتيرة المعارك فيها في المدى القريب، مع مشاركة قوية وفعالة من "جبهة النصرة".في غضون ذلك، وفي البداية، فإن الفوات المعتدلة السورية "حررت"، الكثير من المناطق الجنوبية لمحافظتي درعا والقنيطرة، بمساعدة "جبهة النصرة"، عبر السيطرة مؤخراً على أكبر قاعدة عسكرية في مدينة درعا، وذلك في التاسع من شهر حزيران/يونيو العام الجاري. قوة هذه المجموعات المتمردة في الجنوب السوري، تعتبر فرصة جديرة بالنسبة لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية الساعية إلى تقوية وتشجيع المجموعات المعتدلة، رغم أنّ اعتماد هذه الألوية والكتائب على الدعم من "جبهة النصرة"، يُشير إلى أنّ مستوى عالٍ من الدعم الخارجي سيكون ضرورياً لتحويل هذه الوحدات إلى ممثل عن البلاد وشريك مناسب وفعال على الأرض.

 مكاسب المجموعات المتمردة في الجنوب، ربما تتوحد مع المكاسب المماثلة لها في الشمال، وبالتزامن مع مكاسب تنظيم "داعش" وسط سوريا، وعلى الرغم من عدم تزامن تأثير كل ما ذكرناه أعلاه ضد النظام، إلا أنّ المحصلة، إذا ما استمرت وقوبلت بالدعم خارجياً، فإنها من الممكن أن تؤدي إلى انكماش النظام وتدفعه للدفاع عن المناطق الرئيسية في دمشق، وحمص، حماة، بالإضافة إلى الساحل العلوي. وأسسّت المجموعات المتطرفة في سوريا قوات خاصة بكلٍ منها، والتي من شأنها أن تؤثر على مسار الحرب السورية في الشهور الستة القادمة. تنظيم "داعش"، الذي سيطر على مدينة تدمر الأثرية في العشرين من شهر أيار\مايو العام الجاري، والتي تعتبر معقِلاً للنظام، وسط الصحراء السورية، هذا الموقع الذي يتوسط البلاد، يعتبر مدخلا للتنظيم من أجل تنفيذ هجمات وعمليات اختراق للصفوف في المناطق الرئيسية مثل مدينتي حمص وحماة، وذلك عن قصد مستهدفة قوات النظام والمعارضة على حد سواء. في غضون ذلك فإن "جبهة النصرة" أيضاً تنمو وتتقوى في عدة جبهات، غرب سوريا، وتثبت على نحو متزايد شخصيتها "القاعدية". زعيم الجبهة، أبو محمد الجولاني، أجرى مقابلة مقسمة إلى جزأين مع قناة "الجزيرة"، الأولى كانت في السابع والعشرين من شهر أيار\مايو، والثانية في الثالث من شهر حزيران\يونيو العام الجاري، حيثُ أكد الجولاني بوضوح ارتباط الجبهة بتنظيم "القاعدة"، وأشارَ بأن نجاح التنظيم في سوريا، مرتبط بإستراتيجية "القاعدة" عالمياً. وقد انتقلت "جبهة النصرة"، فعلياً إلى العمل ضد لواءين رئيسيين معتدلين مدعومَين من الولايات المتحدة الأمريكية، في محافظتي ادلب وحلب، هادفة إلى إضعاف قوة الكتائب المعتدلة في الشمال السوري، عارضة قدرتها على عزل المناطق والتضاريس عن بعضها ضد التهديدات المحتملة من قبل الكتائب القوية المعتدلة. قدرة "جبهة النصرة" على التصعيد ضد الكتائب والألوية المعتدلة دون خسارة، الدعم من بعض المجموعات الأخرى، سيكون له انعكاسات مباشرة على القوات التي دربتها الولايات المتحدة، وتستعد قريبا إلى إدماجها في سوريا.

 كما أن تنظيم "النصرة" و"داعش" اصطفا ضد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ما يسبب خطراً أكبر على القوات المعتدلة المدربة من قبل واشنطن، على الرغم من أنّ العلاقة طويلة الأمد بين التنظيمين غير مؤكدة ومشكوك في أمرها. الولايات المتحدة مهتمة فيما يتعلق باحتمالات تحقيق "النصرة" و"داعش"، مزيد من المكاسب الإضافية في الشهور القادمة، لأن ذلك من الممكن أن ينتج عنه تحولات كبيرة فيما يخص الأوضاع الميدانية العسكرية على الأرض، والتي تجعل سوريا مؤثرةً على نحو متزايد بالنسبة للقوات المتحالفة مع واشنطن.النقص الذي تعاني منه القوى العسكرية التابعة للنظام السوري، فيما يخص أعداد المقاتلين، بات شديداً، وذلك تحت وطأة تنظيم "جبهة النصرة"، ونشاط تنظيم "داعش". وقد حاول النظام تعويض هذا النقص عبر إطلاق حملات تجنيد عسكرية واسعة النطاق، وزيادة استخدام القوات الشبه عسكرية التي ترعاها إيران. وتوحي المؤشرات في الآونة الأخيرة، بأن هذه الزيادة، ستكون غير كافية لعرقلة النشاط المتنامي للجهات المتعددة المعادية لنظام الأسد، والتي من المرجح أن تكسر حالة الجمود التي أصابت ديناميكية الحرب السورية، والتي كانت في أوجها على مدى العامين الماضيين.

 التأثير المشترك لكل من "النصرة" و"داعش" في الحرب، قد يجبر نظام الأسد وداعميه الدوليين، لتبديل حساباتهم فيما يتعلق بالحصول على نتائج مقبولة في النصف الثاني من العام الجاري. هنالك سيناريو خطير ومحتمل، ألا وهو عمل إيراني عسكري مباشر لتدارك حصول المزيد من الهزائم للنظام، والتي من شأنها أن تحث الجهات الإقليمية الفاعلة للتصعيد ضد المصالح الإيرانية في سوريا، بأسلوب يغذي الحرب الإقليمية. هذا القرار ربما يصد انتصارات "جبهة النصرة" وتنظيم "داعش"، لكنه ربما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار العام في الشرق الأوسط.بدلاً من زيادة ترجيح عملية السلام المتجددة، فإن التحول بعيداً عن حالة الجمود المستمرة منذُ سنوات بين النظام السوري، والقوات المتمردة، سوف يشجع على زيادة مستوى العنف وزعزعة الاستقرار إقليمياً، بغض النظر عن الجهة التي ستكون المكاسب من نصيبها. كلا التنظيمين، "النصرة" و"داعش" يفضلان أن تطول المعركة، لأنها توفر لهما الظروف الملائمة لتحقيق أهدافهما على المدى الطويل في سوريا. في غضون ذلك، فإن المعارضة السورية لا تبدو مستعدة للتوحد إما وراء خطة عسكرية شاملة، أو خلف برنامج سياسي موحد. لكن، ومع هذا، فإن مجموعات المعارضة السورية تبقى ملتزمة بالاستمرار في حربها ساعيةً إلى إجبار النظام السوري، التخلي عن بشار الأسد. هذه المجموعة من الأهداف والنوايا والقدرات، يجعل التصعيد وإطالة زمن الحرب هو الأرجح، على الرغم من أنّها ستكون أكثر تأثيراً وخطراً على المدنيين، الدول الجارة لسوريا، والولايات المتحدة الأمريكية، بشكل أكبر من التأثير السابق. إطالة أمد الحرب، وظهور أجزاء تتسم بالعنف، هو أحد الاحتمالات، والتي من الممكن أن تترك مساحات غير محكومة، تهيمن عليها العناصر المتطرفة من تنظيمي "النصرة" و"داعش".

في حين أنهُ من غير الواضح أي السيناريوهات سوف تحصل، يبدو أنهُ من المرجح بأن الوضع الراهن في سوريا سوف يتغير، في أي واحدة من المسارات الممكنة للحرب السورية، بما في ذلك تلك الغير مذكورة هنا، وينتج عن التغيير، تداعيات مباشرة على احتمالات نجاح مهمة الولايات المتحدة الواقعة في سلم الأولويات وهي إضعاف تنظيم "داعش"، وفي النهاية هزيمته في كامل المنطقة. بناء على ذلك، فإن تتبع المراحل القادمة في الحرب السورية بعناء ودقة، يعتبر أمراً أساسياً، لأن صناع القرار الأمريكيين يمكنهم أن يطوروا إستراتيجيات فعالة لمقاومة تنظيم "داعش". كما ومن المحتمل أيضاً بأن تطور مجريات الحرب السورية في الأشهر الستة القادمة، سوف يشكل تحدياً لمساعي الولايات المتحدة للقتال ضد تنظيم "داعش"، والقضاء على تهديدات الجهاديين الغير منتسبين لـ "داعش" على أراضي الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تحدي تخفيف التكلفة البشرية الباهظة والمدمرة للحرب الجارية حالياً. هذا التقرير سوف يُصنٍّف، بالأكثر خطورةً والأكثر احتمالية من حيث شمولية سلوكيات وتصرفات كتائب المعارضة، "جبهة النصرة" والقوات الموالية للنظام السوري خلال النصف الثاني من العام الجاري. كما أن هذا التحليل سوف يطرح نقاشات سياسية من شأنها استكشاف خيارات لهزيمة تنظيم "داعش"، بالإضافة إلى احتواء وتقليل الخطر الواسع للجهادية العالمية بما فيها تنظيم "القاعدة".

نوايا وقدرات الفاعلين في الحرب الأهلية السورية:

·         المتمردون السوريون:

الانتصارات التي حققتها قوات المعارضة السورية ضد القوات الموالية لنظام بشار الأسد، في الشمال والجنوب السوري، تعتبر بداية لاستعداد تلك القوات، إلحاق ضرر كبير بالنظام السوري على المدى القريب. الاستيلاء الفعلي على غالبية محافظة ادلب، يضع قوات المعارضة بقيادة "جبهة النصرة" في موقف إطلاق حملة جديدة مكملة لسابقتها، ضد قوات النظام انطلاقاً من المناطق التي سيطرت عليها تلك القوات. هذا الأمر من الممكن أن يؤدي إلى استهداف محافظة اللاذقية الساحلية ذات الغالبية العلوية، أو المنطقة الواقعة تحت سيطرة النظام في مدينة حلب، ثاني أكبر مدن البلاد. قوات المعارضة، وفي غضون ذلك، حققت مكاسب كبيرة على حساب النظام في محافظتي القنيطرة، ودرعا، الواقعتين جنوب سوريا، والتي من الممكن أن تسمح لها بتنفيذ عملية واسعة النطاق لـ "تحرير" ما تبقى من المواقع التي يسيطر عليها النظام جنوب مدينة دمشق. هذه التطورات التي حصلت في الآونة الأخيرة، تعتبر مؤشراً جديرا بالملاحظة، حول ازدياد قوة كتائب المعارضة، وهو ما يشكل تغييراً شاملاً في ميزان القوى داخل الحرب السورية. لكن يبقى من غير الواضح ما إذا كانت قوات المعارضة حالياً قادرة وعلى نحو هادف، القيام بتحدي النظام في المناطق الأساسية، مثل مدينة دمشق، لكن الأحداث الأخيرة تعطي مؤشرات محتملة لتغييرات أبعد خلال الفترة القادمة في ساحة المعركة.القوة القتالية التي أظهرها الثوار السوريون في النص الأول من العام الجاري، تشير على الأرجح بأنهم يستطيعون الحفاظ على هذا التصعيد. ففي شمال سوريا، تشكيل غرف عمليات عسكرية جديدة "مراكز قيادة"، مكّنتهم من تحقيق مكاسب كبيرة ضد قوات النظام عبر السماح لطيف معين من المجموعات المتمردة على المستوى المحلي، انجاز توحيد الجهود والكتائب للقتال جنباً إلى جنب مع "جبهة النصرة". وتمتلك غرف عمليات محافظة ادلب، قوة عسكرية كبيرة، يمكن الاستفادة منها في تنفيذ هجمات إضافية لتوسيع المناطق الواقعة تحت سيطرتها، بعد "تحريرها" غالبية مناطق المحافظة. كما وتوفّر البنية الهيكلية المتواجدة في ادلب، نموذجاً فعالاً بالنسبة لكتائب المعارضة المتواجدة في حلب، والتي من المرجح بأنها ستتعلم من النجاح الذي تحقق على يد نظرائها هناك. من الممكن أن يقود مثل هذا التفاعل إلى تجاوز الجبهات، نحو البنية الهيكلية للكتائب في ادلب وحلب على حد سواء، ويؤدي إلى انجاز النصر في حلب. أما في جنوب سوريا، سهّل التنسيق المتزايد في تحقيق نجاحات مماثلة، وتحقق ذلك وإلى حد كبير بوساطة مجموعات متمردة معتدلة مدعومة من "جبهة النصرة" في بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر العام الفائت.

 وعلى نحو مماثل لمحافظة ادلب، فإن هذه المكاسب تُشير إلى أنّ قوات المعارضة السورية ربما تمتلك القوات الكافية لتوجيه ضربة حاسمة لما تبقى من معاقل قوات النظام السوري، في محافظة درعا، وذلك بعد شهور من الإعداد والتجهيز. المجموعات السورية المتمردة في كلٍ من الشمال والجنوب السوري، تبدو مستعدةً لمزيد من التصعيد، الشكل والدور الذي من شأنه التأثير على مسار الصراع في الأشهر القادمة. ونتيجة لهذه القوة الجديدة والزخم الذي اكتسبتهُ المعارضة على الأرض، لذا فمن غير المرجح قيام المعارضة بالانخراط في عملية سياسية لإنهاء الحرب. ردود فعل المتمردين في سوريا، والمتعلقة بالمحاولات التي حصلت في الآونة الأخيرة، لتعزيز الانتقال إلى طاولة المفاوضات، حتى وإن كانت محدودة النطاق، مثل إيقاف القتل في مناطق معينة، هذا الرفض يشير بأن المعارضة لا تثق على الإطلاق لإمكانية نجاح أي مفاوضات مع النظام وذلك لعدة أسباب. هذه تتضمن عدم ثقة المعارضة بأن النظام فعلاً سيوافق على شروط ملائمة ومقبولة، فهو يرغب في الاستفادة على الأرض، عبر كسب المزيد من القوة قبل الجلوس على طاولة المفاوضات، وعلى الأرجح إضافة إلى السبب السابق هو عدم الثقة بالمجتمع الدولي حول الضمانات المتعلقة بقدرة الحل السياسي على حماية السوريين ومنع التصعيد من قبل النظام في المستقبل. المعارضة السورية غير قادرة أيضاً على الانتصار في المعركة ضد الأسد بشكل تام. عموماً، وبناء على ما سبق فإن المعارضة من المرجح أن تسعى باتجاه إستراتيجية عسكرية تطمح في فرض نتائج سياسية مؤقتة، مثل تقليص قدرة وقوة النظام، أو إزالة بشار الأسد من الحكم. التوترات الداخلية المستمرة، بين جماعات المعارضة من المرجح أن تؤدي إلى استمرار المحاولات الهادفة إلى توحيد الجبهات البعيدة عن مستوى العمليات في النصف الثاني من العام الجاري، وتشير إلى أنهُ حتى المكاسب الهامة لكتائب المعارضة العسكرية، سوف لن يكون لها نتائج عسكرية هامة فيما يخص هزيمة النظام السوري، أو نشوء بديل ذو مصداقية عن النظام. بناء على ذلك، فإن المعارضة السورية أيضاً من غير المرجح أنها قادرة على تحقيق الاستقرار في الدولة السورية ما بعد نظام بشار الأسد، دون الحصول على دعم دولي كبير، نظراً لأنها لا تزال تقاتل جنباً إلى جنب مع تنظيم "جبهة النصرة"، والعلاقة قوية بينهما في فترة ما بعد الحرب. لكن وعلى الرغم من ذلك، فإن مقاتلي المعارضة قادرين على الأرجح، الاستفادة من نشاطهم الحالي، في تنفيذ عمليات هجومية إضافية ضد قوات النظام السوري في الأشهر الستة القادمة.

تنظيم "القاعدة" في سوريا: "جبهة النصرة"

الحجم الكبير للمكاسب التي تحققت من قبل قوات المعارضة السورية، في بداية العام الجاري كانت بفضل المساندة العسكرية المباشرة من قبل تنظيم "جبهة النصرة". وتقترب "القاعدة" من بلوغ ذروة قوتها عبر ذراعها العسكري في سوريا "جبهة النصرة"، والذي يقود مكاسب المعارضة السورية، وعلى العموم فإن "النصرة" حذرة فيما يخص موضعها في الحرب.نَجَحتْ مساهمات "جبهة النصرة" في الثورة السورية، من خلال تمكين التنظيم السعي وراء هدفه الإستراتيجي الحقيقي في سوريا، ألا وهو قولبة الثورة السورية، وتحويلها إلى ثورة إسلامية، تتوج عبر إعلان الإمارة الإسلامية، والتي تعتبر كمكون من خلافة "القاعدة" المتصورة عالمياً. وعلى وجه الخصوص، نجحت "النصرة" في أكل ثمار دعمها للثورة السورية، واعتماد السكان السوريين وكتائب المعارضة عليها، حيثُ أنها تنوي الاستفادة من ذلك عبر السعي وراء تحويل بطيء للمجتمع السوري إلى شكل أخر يمثل صورة خاصة بها. ومن مصلحة "النصرة" إطالة الحرب السورية بما فيه الكفاية، للسماح لهذه العملية التحويلية للمجتمع أن تتجذر وتأتي أكُلها. من المرجح أن "جبهة النصرة"، تسعى للعمل في مسارات من الممكن أن تؤدي إلى إطالة وتصعيد العنف والطائفية، هادفة إلى خلق ظروف ملائمة لنمو التنظيم في سوريا، وقبل كل شيء إعادة ظهور "القاعدة" كـ "قوة ثورية سنيّة". من المرجح أيضاً بأن "النصرة" ستعمل على تقويض احتمالات التقسيم كنهاية للحرب السورية.أخيراً، فإن التصريحات المتكررة من قبل قيادة تنظيم "النصرة"، والمتعلقة بمسارات العمل، التي تشير أيضاً إلى أن "النصرة" ملتزمة بقتال التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" في سوريا، هي بمثابة اعتبار "النصرة" ممثل للولايات المتحدة والهيمنة الغربية. وبالتالي فمن المرجح أن تتابع مسارات عملها بما يضعف فرص الولايات المتحدة في سوريا، ومن الممكن أن يدفع بها إلى انحياز استراتيجي لجانب تنظيم "داعش".تُشير مدى المساهمات التي قدمتها "جبهة النصرة"، في المعارك والعمليات الهجومية مع قوات المعارضة السورة منذُ عام 2014، بأنها تملك قدرة قتالية ضخمة، تُمّكنها من تجديد الهجمات ضد قوات النظام السوري في النصف الثاني من العام الجاري. من المرجح أن تفعل "النصرة" الكثير في قادم الأيام، عبر تحالفات أوسع مع قوات المعارضة السورية، من أجل زيادة هيبة وتأثير التنظيم في صفوف المتمردين، بالإضافة إلى حجب نفسها عن ضربات الولايات المتحدة. رغم استطاعة التنظيم، إلا أنهُ اختار قيادة عمليات مستقلة ضد القوات الموالية لنظام الأسد، على شكل هجمات كبيرة، هدفها كان إنجاز تأثير من شأنه تعزيز قوات المعارضة في الجبهات الأخرى. كما أن تنظيم "النصرة" يمتلك قدرة احتياطية كبيرة يستطيع من خلالها تنفيذ هجمات عالية التأثير، من خلال استخدام الانتحاريين، والمصادر العسكرية الإستراتيجية، التي تمكّن التنظيم من توظيفها بانتقائية في ساحة المعركة. الحالات السابقة لتسلل "النصرة" عميقاً داخل المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام السوري، تشير بأن التنظيم ربما يملك استخبارات جيدة في مناطق معينة تحت سيطرة النظام مهمتها تسهيل مثل هذه الهجمات. كما أن "جبهة النصرة" هي الفاعل الأكثر تأثيراً على الجبهات من بين القوى المحاربة لنظام الأسد، ومن المتوقع أن يتم تختار متابعة تحقيق أهدافها العسكرية في ظل غياب أي منافس من المعارضة السورية على الجبهات.

 لذلك في هذه الطريقة، فإن "النصرة" ربما تتعاون في مختلف حملات فصائل المعارضة العسكرية لزيادة التضامن والفعالية ضد النظام السوري.تمتلك "جبهة النصرة" قدرة كافية من القوة الناعمة للتأثير على المفاهيم العامة للولايات المتحدة وحلفائها في طريقة تُمّكن التنظيم من تشكيل السرد العام في سوريا. هذا الأمر هو نصر إستراتيجي ل"القاعدة" في سوريا، ومن المرجح بأنهُ سوف يوفر سلطة البقاء لـ "النصرة" على المدى البعيد. من المرجح أن يقوم التنظيم بالحفاظ على حملته المصبوغة بالقوة الناعمة، والاستفادة من تأثيرها لوضع الشروط ضد مقاتلي المعارضة الذين تَدَربوا على يد الولايات المتحدة، هادفة إلى تشكيل حكم من المعارضة يتماشى مع رؤية "النصرة" في سوريا في غضون الأشهر الستة القادمة. كما أن تأكيد الجولاني الأخير، حول ارتباط "النصرة" بتنظيم "القاعدة" العالمي ومشروع بناء الدولة، الغير مدعوم من غالبية السوريين، هو دلالة خطيرة على مدى قوة التنظيم في سوريا. وأشارت مقابلة الجولاني، بأن التنظيم لا يدرك ضرورة فصل العلاقة مع "القاعدة" بهدف حماية مكتسبات التنظيم او التمكين للنجاح في المستقبل. الإظهار العلني للعلاقة مع "القاعدة"، وعلى نحو متزايد، لا يبدو بأنه ساهم في بروز العداء والخصومة بين صفوف قوات المعارضة السورية، بل عرض شعبية "النصرة" للخطر في سوريا. إعادة تأكيد "النصرة" ارتباطها واعتبار نفسها فرعا من "القاعدة"، على الأرجح يشير أيضا، بأن القيادة المركزية ل"القاعدة"، استثمرت تقدم "النصرة"، كنموذج إستراتيجي للمنظمة ككل.نجاحات "جبهة النصرة" في سوريا هي استثمار إستراتيجي ونجاح ل"القاعدة" على المدى الطويل، بالإضافة إلى أنه له تأثيرات سوف تبقى بغض النظر عن ما سيحدث لتنظيم "داعش" في كلٍ من سوريا والعراق. كما أن "النصرة" على الأرجح قادرة، على إنتاج تأثيرات كبيرة مدمرة ضد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الهادف للقضاء على "داعش"، حالما تدخل القوات البرية المدربة من قبل واشنطن إلى سوريا، للبدء بالعمليات على الأرض ضد تنظيم "داعش". السلطة القسرية لـ "لنصرة" على المعارضة السورية، يهدد محاولات الولايات المتحدة المتعلقة ببناء قوة معتدلة من المتمردين، كشريك على الأرض، في القتال ضد تنظيم "داعش"، من خلال خلق الحساسية لتلك القوات. ومن الممكن أن تقرر "النصرة" التصعيد مباشرة ضد القوات المدربة من قبل واشنطن، عند دخولها إلى سوريا لقتال "داعش". النجاح الأخير الذي حققته "النصرة" في تحييد كتائب المعارضة المعتدلة المدعومة من قبل الولايات المتحدة، في محافظتي ادلب، وحلب، يشير بأنه ربما "النصرة" قادرة على عمل الكثير دون مواجهة أي رد فعل وتأثير من قبل حلفائها في المعارضة. باختصار، فإن "النصرة" على الأرجح يمكن أن تمنع مناطق معينة على القوات التي تدربت من قبل واشنطن، ما يحد من قدرة تلك القوات في قتال تنظيم "داعش" غرب سوريا. ومن الممكن أن تقوم "النصرة" بمعاقبة كتائب المعارضة التي تعمل مع أو تمّكن عمليات القوات المتدربة على يد واشنطن، أو يمكنها التصعيد ضد السكان المدنيين بتهمة دعم القوات "الصليبية".

 النظام السوري والداعمين له خارجياً: 

وضعت المكاسب الأخيرة التي حققها المتمردون، النظام السوري في موقف دفاعي مشابه لما حصل قبل عامين عندما وصلت قوات المعارضة إلى ذروة قوتها. التهديد الذي لاقاه النظام عام 2013، وهددّ بقاءه في السلطة، دفعهُ إلى استخدام غاز السارين ضد السكان المدنيين السوريين، في ضواحي العاصمة دمشق، المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، ما سمح للنظام استعادة دوره من جديد في القتال. وإذا ما استمر النشاط الحالي لعمليات قوات المعارضة السورية، فمن المحتمل عودة النظام إلى تكتيك مشابه لما حصل قبل عامين، نتيجة اليأس الذي يحيط به. إحدى الردود المحتملة من قبل قوات النظام في حال تعرضه لخسائر إضافية فادحة، أواخر العام الجاري، يمكن أن تكون عمليات تطهير طائفية محدودة في المناطق الأساسية الواقعة تحت سيطرته والتي تعتبر مركزاً لقوته، حيثُ يمكن أن تقوم قوات النظام بتنفيذ "تطهير" ضد السكان الداعمين والمؤيدين لقوات المعارضة، مُستخدماً العنف والتكتيكات العشوائية. خسارة مدينة رئيسية مثل حمص، والتي تعتبر مَعقِلاً له، باعتبارها تتوسط سوريا وهي بمثابة ممر إستراتيجي لقواته، هذا الأمر من الممكن أن يغضبه بشدة ويدفعه إلى القيام برد فعل عكسي. مسارات العمل المحتملة، التي سوف ينفذها النظام في النصف الثاني من العام الجاري، لا تُتَخذْ فقط من قبل المستشارين والقريبين من بشار الأسد.

 الدعم العسكري الذي تقدمهُ إيران، تسعى فيه أن تبقي الأسد في السلطة، إلا أنَّ طهران لا تعرف بالضرورة عن أهدافها في سوريا وفقاً لأولويات النظام السوري. لذلك ربما تستفيد إيران من تأثيرها في سوريا، لتحويل الحرب السورية في اتجاهات أخرى. على الرغم من إستراتيجية النظام التي ينتهجها في مواصلة السيطرة والتحكم بالمناطق الأساسية في عموم سوريا، إلا أنّ نمو القصور والضعف في قدرته العسكرية، من الممكن أن يجبر كلٍ من النظام وإيران على النظر والتفكير في نهاية بديلة مقبولة لا تزال تحقق الأهداف العامة لكلا الطرفين. لا يزال النظام السوري يحتفظ بعدد من وحدات النخبة داخل قواته العسكرية، والتي بإمكانها الانتشار في عدد من خطوط الجبهات الفردية، لكن وبالرغم من ذلك فإنه من المرجح بأن هذه الوحدات غير كافية لوحدها، للقيام بتغيير زخم ونشاك الحرب الحالية، أو إبقاء المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام في مأمن ضد التهديدات المتعددة. 

 التقارير الأخيرة المتعلقة بالانتشار الكبير للقوات الشبه عسكرية، التي ترعاها إيران، تبدو تأكيداً على أنّ النظام لوحده غير قادر أن يحافظ ويبقي الوضع الراهن على حاله. من المحتمل بأن نقل هذه القدرات العسكرية عملية طارئة اعتماداً على تغييرات في إستراتيجية بشار الأسد، في تقليل المخاطر وتهيئة الظروف لاستدامة الدفاع عن مَعقِل العلويين واتصاله الجغرافي بالعاصمة دمشق. يوجد احتمال أخر أيضاً، ألا وهو التقسيم.

أحدث الدراسات