حاربتٌ الإرهاب في كوباني!

الجمعة 16-01-2015 | PM 02:34

ربما يرغب الشاب أن يساهم في تحسين سمعة حزب العمال الكردستاني، التي تصنفه العديد من الدول الأوروبية منظمة إرهابية وممنوعة، وهو ما يزيد من صعوبة الاعتماد على هذا الحزب في الحرب ضد تنظيم "داعش" الإرهابي.
يقول الشاب الكردي بان تجربته في سوريا كانت رائعة. يقول  محاميه بأنه من الصعب أن تقدم السلطات على اتهام موكله ومن ثم سجنه، وذلك لأن التنظيم الذي انضم إليه في سورياـ أي الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني ـ غير مدرج على لائحة المنظمات الإرهابية. تحدث إلينا الشاب الكردي، الذي سنرمز إلى اسمه بالحرف "دال"، طويلا ولمدة 3 ساعات. كان كلامه مقنعا إلى درجة كبيرة. لا أحد طبعا يستطيع أن يتحقق من كل ما تحدث به. فيما يلي قصة المقاتل الكردي "دال":
بقيت لمدة أشهر وأنا أراقب وأتابع الوضع في سوريا. أشاهد الفيديوهات التي ينشرها تنظيم "داعش" الإرهابي والتي تمثل جرائمه هناك. الصور والمشاهد المروعة التي تمثل القتل وقطع الرؤوس والأطراف في كل من سوريا والعراق. قلت لنفسي عليّ أن أفعل شيئا. كردستان هي وطني رغم إني ولدت في ألمانيا. والديّ ينحدران من كردستان وكل أهلي وأقاربي يعيشون هناك. وكنت انضم كل المظاهرات الكردية في ألمانيا. الأمر يتعلق بقضيتنا وحقوقنا. أنا من أنصار حزب العمال الكردستاني.
يتابع الشاب "دال" حديثه قائلا: أخبرت والدتي بأني راغب في قضاء عطلة في الخارج. كان ذلك في شهر حزيران الماضي. خفت أن تمنعني السلطات الألمانية في حال خروجي من مطار داخل ألمانيا، لذلك سافرت إلى أمستردام وقطعت تذكرة ذهاب فقط وتوجهت إلى مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق. ومن هناك سافرت صوب الحدود مع سوريا. لم يكن بحوزتي أي مبلغ كبير من المال واضطررت للنوم في الخارج أحيانا. وقد سجلت أسمي عند نقطة حراسة بالقرب من الحدود مع روج آفا، وتشرف عليها قوات البيشمركة. رغبت في الدخول بشكل نظامي وقانوني. لقد سألني البيشمركة عن سبب زيارتي إلى روج آفا، فقلت لهم أريد الانضمام إلى وحدات حماية الشعب(YPG) التي تعتبر الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني. هؤلاء قالوا بأنهم يسمحون فقط للاجئين وللمساعدات الإنسانية بالعبور. بعد يوم واحد من الانتظار، تعرفت على رجل واتفقنا أن ينقلنا مع 6 آخرين بقاربه المطاطي عبر نهر دجلة إلى الضفة الأخرى من الحدود. التيار في تلك المنطقة قوية جدا وهناك صخور وزوابع. ثلاثة من الركاب لم يكن بمقدورهم السباحة إطلاقا. وكان على أحدنا أن يساعد النوتي في التجديف. عندما وصلنا الجانب السوري قدموا لنا المساعدة والثياب الجديدة والطعام. كان الترحيب كبيرا، وبقينا يوما كاملا نرتاح فيه. ومن ثم أوصلوني إلى مركز تدريب عسكري، أنا أريد القتال ضد "داعش"، ولكني احتاج إلى التدريب لأني لم أحمل سلاحا في حياتي.
في مركز التدريب العسكري كان هناك عدد من الشباب الكردي القادم من ألمانيا وفرنسا ولبنان والكثير من البلدان والمناطق الأخرى. كنا نستيقظ في الرابعة صباحا حيث يبدأ البرنامج اليومي بساعتين رياضة، ومن ثم الإفطار، والتدريب العسكري والإيديولوجي، مع مراعاة أن التدريب الإيديولوجي هو الأساس، لأنه يجب معرفة الهدف من قتالنا هذا. كما كنا نتدرب على كيفية استخدام السلاح وتفادي العدو والمناورة والتكتيك. التدريب العسكري كان مكثفا ولكن ليس بالحدة أو الخشونة التي نشاهدها في الأفلام عادة. فالكل المشارك في التدريب والراغب في القتال كان متطوعا جاء بملء إرادته للدفاع عن هذه الأرض. أما النوم فكان في الخارج، وبغطاء بسيط لأن الجو كان حارا للغاية. كنت أتطلع في النجوم وأفكر بأمي غالبا، وبالأيام التي تنتظرني، وبملاقاة الموت إذا قدم، وذلك قبل أن يجتاحني النوم بعد يوم من الإجهاد والتعب. كنت أتحدث مع زملائي في المعسكر حول البلدان التي قدموا منها، وحول أوضاع الكرد هناك، وحول المظاهرات والمواجهات التي كانت تحدث مع الشرطة. لم يكن يحس أحد منا بالخوف. كنا نخاطب بعضنا بالأسماء الحركية التي اخترناها. لم نكن نعرف الأسماء الحقيقية غالبا.
التدريب عادة كان يستغرق شهرين، ولكن المدة تتعلق بمدى حاجة الجبهات للمقاتلين. في ذلك الوقت كان الكرد يحتاجون للمقاتلين بشكل كبير، وكانت التعبئة قد أعلنت، حيث كان تنظيم "داعش" يزحف على المناطق الكردية والمواجهات معه مشتعلة في كل الجبهات. بعد شهر جاءت الحافلات لتنقلنا. ودعنا بعضنا البعض وتم تصوير ذلك عبر كاميرات فيديو. في هذه الأثناء اتصلت بوالدتي لأخبرها أين أنا والغرض من وجودي هنا. في البداية تم فرزي إلى منطقة آمنة نوعا ما، تم تكليفنا بحراسة نقطة حراسة في الممر الإنساني الآمن الذي تم فتحه بين مقاطعة الجزيرة ومنطقة شنكال في العراق. كان سلاحي لا يفارقني أبدا، حتى وأنا داخل الحمام كنت احمله معي. كنا نشاهد ونراقب مقاتلي "داعش" عبر المناظير. كانوا في بعض الأحيان يتوجهون إلينا بسرعة وكنا نطلق النيران عليهم بكثافة، وكانوا يتراجعون. ذات مرة شاهدنا عربة تتجه إلينا بسرعة كبيرة، تم رصدها وفتحنا النيران عليها وحدث انفجار كبير فيها. كانت محملة بالمتفجرات ويقودها انتحاري.
في أحد الأيام جاء بعض الرجال ألينا وأخبروني عن رغبتي في السفر إلى كوباني والدفاع عنها في وجه هجوم "داعش". لا أعرف بالضبط متى كان ذلك، لكني أتذكر بأني وصلت إلى كوباني في اليوم الرابع عشر للمواجهات بين المقاتلين الكرد ومقاتلي تنظيم "داعش". التقيت هناك بشاب كردي كان قادما من مدينة هايلبورن الألمانية. لاحقا سمعت بأنه استشهد. كانت مهمتي ضمن فريق يتشكل من 10 أشخاص، التصدي لمقاتلي "داعش" ضمن حرب الشوارع. كنا نتموقع في البيوت المهجورة للتصدي لمقاتلي "داعش" الزاحفين. في بعض المرات لم تكن المسافة بيننا وبينهم سوى 20 أو 50 مترا. الماء والكهرباء مقطوعان. وكنا نأكل مما تركه الأهالي قبل فرارهم من المدينة. في الليل والنهار كنا نسمع صرخات مقاتلي "داعش" وهم يصيحون : "الله أكبر"!. بالإضافة طبعا إلى قذائف الهاون والرصاص الكثيف الذي كان يقع حولنا في كل مكان. القصف الجوي الأميركي بدأ مع دخول المواجهات مع "داعش" يومها السابع عشر. وقبل كل عملية قصف كانت الطائرات تلقي بالقنابل المضيئة، حيث كان الليل يتحول إلى نهار، وبذلك ننكشف نحن في مواقعنا، ونكون عرضة لطلقات قناصة "داعش" المتمركزين على سطوح البيوت. في داخل المنازل كان كل شيء يهتز من شدة القصف الجوي الأميركي. كنا نخاف أن يطالنا القصف عن طريق الخطأ وذلك بسبب المسافة القريبة التي كانت تفصلنا عن مقاتلي "داعش".
أتذكر اليوم الذي قتلت فيه أول مقاتل من "داعش". أراد أن يقفز من موقعه إلى إحدى الزوايا، فأطلقت النار عليه فأصبته في فخذه. أراد أن ينهض، ربما لكي يصلي الصلاة الأخيرة، ولكني أجهزت عليه بعدة طلقات سقط على أثرها صريعا. لم أشعر بالأسف أبدا. هذا لم يكن إنسانا، بل كان شيطانا يريد القتل وسفك الدماء. كلمة "داعش" عندنا تعني الشيطان في عبارة أخرى. لم يكن "داعش" ينقل جثث مقاتليه من أرض المعركة. كان يترك هذه الجثث لتتفسخ. وعندما كانت رائحة الجثة تفوح، كان رفاقنا ينقلونا إلى مكان آخر، حيث يتولى البعض دفنها. وعندما يتمكن مقاتلو "داعش" من نقل جثث قتلاهم، يعمدون إلى تكويمها وإشعال النيران فيها. وكنت أسأل نفسي: لماذا يبدو معظم مقاتلي التنظيم بدائيون بهذا الشكل، وحتى خبرتهم العسكرية تبدو متواضعة. البعض منهم كان قد "ضبط" دفعه الرشاس على وضعية "الرش" وكان يطلق النيران بشكل سريع وفي كل الجهات، وهو ما يؤدي إلى نفاذ الذخيرة سريعا. والبعض كان يهاجم في مجموعات، يبدو أن من يتصدر الصف الأول فيها فقط هو من تلقى التدريب العسكري المناسب. كانوا في بعض المرات يختبئون ليكمنوا لنا، وكنا نصرخ فيهم قائلين: أين أنتم أيها الكفرة! وذلك لاستفزازهم ودفعهم للظهور، ليتسنى لنا قنصهم بسهولة ويسر. اعتقد إنهم يتعاطون المخدرات، لا أملك أي تفسير آخر لحالتهم وتصرفاتهم تلك!.
كنا جميعا نحتفظ بطلقة أخيرة في جيوبنا. ليس هناك أسوأ من تقع أسيرا في أيدي مقاتلي "داعش". الرفاق أخبروني بأنهم رأوا جثثا لأشخاص وقعوا في أسر "داعش" وقد قطعت رؤوسهم وهٌشمت. لقد رأيت جثة شخص عمد مقاتلو "داعش" إلى نزع جلده عن جسده. ربما تركوه حيا هكذا ومات بعد ذلك. كنت أتحسس الطلقة الأخيرة في جيبي، وأعرف تماما، في حالة استخدامي لها، لماذا ومن أجل أي هدف كنت سأموت!. في أحد الأيام حاصرنا 17 مقاتلا من "داعش" وكنا متحصنين في منزل مهجور، استطعنا جرح شخصين من المهاجمين. عبر جهاز الاتصال كنا نتنصت إلى أحد قادة "داعش" وهو يتحدث مع هذه المجموعة ردا على طلبها إرسال الذخائر وعربة لنقل الجرحى وعناصر جديدة للتقوية: لا توجد عربة طبية ولا توجد مساعدات. وعندما رد هؤلاء بأنهم سينسحبون، قال لهم بالحرف: إذما انسحبتم سوف اقطع رؤوسكم!. هذه المجموعة انسحبت مع ذلك. لا اعرف ماذا حصل لها فيما بعد. هذه الحادثة حصلت قبل مغادرتي كوباني بوقت قصير.
كنت مصابا بمرض الروماتيزم منذ كان عمري 12 عاما. حالتي ازدادت سوءا وتفاقمت في تلك الأجواء والظروف وبت أعاني آلاما مبرحة في قدمي وركبتي. لقد تحولت مع مرور الوقت إلى "نقطة ضعف" لكل المجموعة وذلك لأني لم أكن املك القدرة على الدفاع عن المجموعة بنفس القدر الذي كان عليه الآخرون. لذلك تحدثتٌ مع القادة هناك وهم تشاوروا ومن ثم قرروا إرسالي إلى البيت. كان هذا في اليوم الثلاثين أو الحادي والثلاثين لمعركة كوباني. ومن ثم غادرت كوباني بمساعدة الرفاق، وعدت إلى ألمانيا من نفس الطريق الذي سلكته ذهابا إلى روج آفا. الآن أنا هنا منذ بضعة أيام. أحد أقرب أصدقائي مات في المواجهات في كوباني. لا أعرف ماذا يعني هذا، لكني متأكد من وجود رغبة لديّ بالعودة إلى هناك والقتال مرة أخرى إذما دعت الحاجة إلى ذلك.  
* مجلة (Der Spiegel) الألمانية. الترجمة: المركز الكردي للدراسات.