حرب كوباني المستمرة ضد "داعش"!

الثلاثاء 13-01-2015 | AM 10:26


الكرد السوريون، وبعد زمن طويل من الاضطهاد الذي عانوه على يد نظام الأسد، لم يكن بالأمر اليسير أن يثقوا بالمعارضة. الكرد مسلمون سنّة في الغالب، ولكنهم علمانيون. لقد نأى الكرد بأنفسهم عن الحرب الأهلية السورية ولم يتحولوا إلى طرف فيها، وبدل ذلك انشغلوا ببناء مناطقهم التي تقع في شمال البلاد وتشكيل إدارات لا مركزية فيها. هم الآن يحاربون من اجل كردستان وليس أي شيء آخر. هناك جهاز تلفزيون معلق على الحائط، وبالقرب منه صورة لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. البعض يسألنا عن الأوضاع والتطورات الأخيرة في دمشق وحلب. وكأن الأمر يتعلق بأفغانستان، وكأن هذه المنطقة لا تعيش في بلد أسمه سوريا!.
تركيا تتخوف أن يحذو كردها حذو الكرد في سوريا، وأن يطالبوا بوضع يشابه وضعهم السياسي. أنقرة تسمح للمقاتلين المعارضين لنظام الأسد بالعبور عبر أراضيها من منطقتي هاتاي وعنتاب. لكن الحدود مع كوباني مغلقة. فقط اللاجئون يستطيعون المغادرة عبر الحدود. في شهر سبتمبر/أيلول الماضي دخل 130 ألف كردي إلى داخل تركيا هربا من هجوم "داعش"، وهذا العدد يوازي ما استقبلته الدول الأوروبية من اللاجئين السوريين في عام واحد. لكن تركيا لا تسمح للمقاتلين الكرد باجتياز حدودها والدخول إلى كوباني، باستثناء حوالي 140 مقاتلا من قوات البيشمركة الكردية العراقية. هذه حرب لا رحمة فيها. بعد 3 أشهر من المواجهات تحولت كوباني إلى إطلال. السيارة التي نقلتنا عبرت بهدوء من الحدود التركية ـ السورية، لكن على الجانب السوري، نحو كوباني. سرنا وسط البيوت المهمة والحجارة المتناثرة. بعد برهة تلقينا إشارة من سيارة قريبة، فرد السائق بنفس الإشارة.
هنا في كوباني "بدأت المقاومة قبل ثلاثة أعوام وليس قبل ثلاثة أشهر، وذلك عندما تحولت الثورة السورية من السلمية والمطالبة الشعبية إلى أخرى مسلحة، وظهرت أولى الجماعات الإسلامية الجهادية"، تقول نالين عفرين (القيادية العسكرية في المدينة). تقول عفرين بأن هدف هؤلاء الإسلاميين هو "تطبيق الشريعة"، والتي يفهمون من خلالها فرض البرقع على المرأة وإجبارها على البقاء في البيت!. لذلك فإن النساء في كوباني موجودات في الصدارة وعلى الجبهات لمقاومة هؤلاء الغزاة. وهذه الخاصية في القتال بالنسبة للمرأة لا تقتصر على الكرد فقط، فقد قاتلت المرأة في العديد من النزاعات دفاعا عن نفسها وعن وطنها: قاتلت في سري لانكا، وفي يوغسلافيا وفي ليبريا. ربما الفرق الوحيد الذي يلاحظه المرء بين المقاتلات والمقاتلين هو وجود بعض الألوان في ثياب المرأة المقاتلة، وربما بعض الرسومات على سلاحها. إنهن يحطمن ميثولوجية الجهاديين القائمة على قمع المرأة وإقصائها. الآن يسيطر المقاتلات والمقاتلون في وحدات حماية الشعب (YPG)، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، على 80% من مساحة كوباني. تضيف القائدة نالين كوباني بأنه " من المبكر الحديث عن تقييم نهائي للوضع، لكن "داعش" لديه هيكلية تنظيمية وإيديولوجية أكثر بروزا وأهمية من الهيكلية العسكرية، وهذه يجب مكافحتها والتصدي لها. يجب التصدي لمشروعه، وهذا المشروع آيل للسقوط في كوباني الآن".
المقاتلة دليلة ذات العشرين عاما، تتموقع مع رفيقاتها في مكان محصن يذكرنا بمشاهد الحرب العالمية الأولى: أكياس مليئة بالرمل للحماية، ومدخل ضيق عميق. دليلة وزنارين وكيزاك يتناولون فطورهم بهدوء وكأنهن يقضين عطلة. في كل مرة تقع قذيفة تترك عمودا من الدخان الكثيف. لكن المقاتلات لا يكترثن بمثل هذه الأصوات. تشرح دليلة نظرتها للأمور: " الأمر لا يتعلق بالإسلام بل بأناس أشرار معتدين. هنا النضال والمقاومة قرار صادر من قلب كل شخص، لا يتعلق الأمر بالقومية أو الوطن. لا يهم لو كنت كرديا أو سوريا، المهم أن تجد في نفسك المدافع عن الحرية والحق". تقول المقاتلة زنارين، 20 عاما، بأن "الكثير من الجهاديين هم شبان جاءوا من الخارج ويبحثون عن شيء له معنى في حياتهم. أما المحليون فهم من السنّة الذين يريدون الانتقام، أو من الانتهازيين الذين رضخوا ل"داعش" بسبب قوته وطمعا في السلطة وممتلكات الغير". أسأل المقاتلة كيزاك: من أجل ماذا تقاتلين؟ تجاوب: "من أجل سوريا. من اجل كردستان. من أجل نفسي".
كل كوباني تقاتل الآن. المقاتلات يعرفن بعضهن منذ الطفولة، وعند بدء كل عملية يحضن بعضهن البعض. المقاتل بلال كٌسرت يده في إحدى المعارك، وهو يحمل خنجرا ويقوم بمهام أخرى. كذلك فرهاد الذي أخذ أسم شقيقه الذي قتله "داعش" وهو يبلغ من العمر 15 عاما ويساعد في الجبهة الخلفية. أو خليل الأب البالغ من العمر 45 وفيان أبنته ذات 19 عاما. نسأل: ماذا تفعلون لو وقعتم في الأسر؟. يبادر الاثنان إلى إخراج الرصاصة الأخيرة من جيبهما ويقولان: "نفضل الموت على أن نقع في أيدي هؤلاء القتلة"!.  
المواجهات الحالية تقع باستخدام القصف الصاروخي، ومدافع الهاون والمدافع المتوسطة المدى. وبعد القصف وتطاير القذائف في كل الأماكن، تحدث مواجهات بالأسلحة الخفيفة تستغرق من 30 إلى 40 دقيقة. المسافات قريبة بين المتقاتلين، يتحارب الطرفان من شارع إلى شارع. يركض المرء من موقع لآخر ليتحصن خلف أكياس الرمل أو حطام أحد البيوت. تحدث المواجهات بهذا الشكل إلى حين قدوم طائرة أميركية لتقصف بشدة، ومن ثم يعم هدوء في المحيط.  يقول عصمت الشيخ حسن وزير الدفاع في مقاطعة كوباني، بان الإسلاميين يستمدون قوتهم من أمر واحد وهو عدم وجود بديل للنظام السوري الحالي. لم يكن بمقدور "داعش" احتلال مدينة مثل الرقة، التي يعتبرها عاصمته الآن، لو لم يتعاون زعماء القبائل معه. هؤلاء كانوا مع نظام الأسد قبل هجوم "داعش" على مدينتهم. صحيح بان "داعش" قادر على تمويل نفسه وهو لا يعتمد في ذلك على أي جهة أخرى، لكن من النواحي اللوجستية والتمويل يحتاج إلى مساعدة جهات إقليمية. يجب علينا أن نعيد تحليل وتقييم مجمل المشهد العام في الحرب الجارية في سوريا، لنتأكد من أمر واحد: من يدعم من في هذه الحرب؟".
لا أحد في كوباني لديه أدنى شك من أي السيارة المفخخة التي انفجرت في 29 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي قد دخلت للمدينة عبر الحدود التركية. ومن المعلوم بان المنطقة القريبة من الحدود هي الأخطر، لأن القصف والقنص يتهدد من يقترب منها. وعبر هذه الحدود يتم نقل الجرحى ويتم الحصول على الإمدادات والتموين لحوالي 7000 إنسان ما يزالون يعيشون في المدينة.  
الصحفيون الأجانب يريدون الاستعلام عن المقاتلة آرين ميركان التي فجرت نفسها وقتلت في تلك العملية 27 من الجهاديين، أو عن المقاتلة جيلان التي فضلت الانتحار والموت على أن تقع بيد الأعداء. لكن الملاحظ بأن لا أحد يتحدث عن الأبطال الأحياء. الكل اذما سألته عن البطولة يشير إلى رفيقه الشهيد ويتكلم عن بطولته. تقول المقاتلة كيزاك: "نحن أحيانا نقرأ الكتب ونستمع إلى الموسيقا أيضا. نحن لا نريد أن نبدو وكأننا هنا لأمر طارئ، نحن هنا ندافع عن بيوتنا وعن بلادنا. أحيانا نحتاج إلى وقت للراحة. الحياة يجب أن تستمر".
من الصعوبة ألا يعتاد المرء على هذه الحرب ومجرياتها. وعندما ينزع المرء حذائه، أو يدخل خيمة يعتقد بأن الأمور طبيعية في الخارج وإنه داخل بيت طبيعي يقمع في منطقة آمنة. أسأل المقاتلة دليلة: بماذا تفكرين حينما تسددين إلى هدف آدمي؟. تجاوب: لا أفكر بشيء. اركز على الهدف ولا أتحرك وإلا فلن أصيبه...
* صحيفة (Tageszeitung) الألمانية. الترجمة: المركز الكردي للدراسات.