توسيع الناتو يشعل الخلاف بين السويد وتركيا بشأن الكرد

الأحد 29-05-2022 | PM 10:13 turkey

تشارلي دوكسبيري

لم يكن لدى النائب السويدية المعارضة، أمينة كاكابافيه، أدنى شك بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان يقصدها شخصياً من حديثه بوجود "إرهابيين يجلسون في برلمانات بعض دول" لتبرير اعتراضه على انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو، حيث قالت النائبة المعارضة المستقلة لصحيفة بوليتيكو "بالطبع أردوغان كان يقصدني". بالنسبة لأردوغان، كل مؤيد وكل مدافع عن الكرد هو إرهابي.

وكاكابافيه تعمل ناشطة منذ فترة طويلة في حقوق الكرد، وساهمت في دفع الحكومة السويدية لتطوير تعاونها مع حزب الاتحاد الديمقراطي، وكذلك مع قوات سوريا الديمقراطية التي تنتشر في منطقة الإدارة الذاتية في شمال سوريا، والتي تستهدفها حالياً القوات التركية. ففي الخريف الماضي، حجبت كاكابافيه دعمها الهام للغاية لترشيح زعيمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي ماغدالينا أندرسون لرئاسة وزراء السويد إلى أن حصلت منها على التزام بدعم (الكرد).

لم تمر هذه الخطوة مرور الكرام في أنقرة. فقد قال مسؤولون أتراك الأسبوع الماضي إن اتفاق كاكابافيه كان دليلاً على سياسة الخارجية السويدية التي طالما دعمت الجماعات الكردية التي تعتبرها أنقرة إرهابية.

وقالت أنقرة إنه بسبب هذه السياسات، فإنها ستمنع خطوة أندرسون الأكثر أهمية منذ تولّيها زعامة السويد والمتمثّلة بنقل بلادها إلى عضوية الناتو إلى جانب فنلندا المجاورة في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا. وباعتبارها واحدة من 30 عضواً في الحلف، يمكن لتركيا استخدام حق النقض ضد انضمام دول جديدة، وهذا ما يجعل الطلب السويدي والفنلندي معلّقاً الآن.

إلى جانب وصف أردوغان الواضح لكاكابافيه بأنها إرهابية في تصريحات حاول لاحقاً التراجع عنها، قال سفير تركيا في السويد حقي إمري يونت يوم الجمعة إنه يجب تسليم كاكابافيه إلى تركيا. "بعض المشرّعين يعملون ضد تركيا في البرلمان طوال الوقت. إنهم يضغطون على الحكومة السويدية لاتخاذ موقف سلبي تجاه تركيا".

بالنسبة لحلف الناتو، فإن الصدام بين تركيا والسويد، وبدرجة أقل فنلندا، التي تتهمها أنقرة أيضاً بدعم الإرهابيين، هو خلاف جانبي غير مرحب بّه في وقت تهاجم فيه روسيا أوكرانيا، الدولة المجاورة لأعضاء في الناتو. يعتقد دبلوماسيون وخبراء إقليميون أن تركيا ربما تستخدم السويد كوسيلة ضغط في حملة سياسية أوسع يريد فيها أردوغان التأثير على قاعدته الشعبية في الداخل وانتزاع امتيازات دولية، أبرزها الضغط على الولايات المتحدة لإلغاء حظر شراء مقاتلات حربية.

هذه الاستراتيجية تؤجل الجدول الزمني لانضمام السويد وفنلندا اللتان كانتا تأملان في الانضمام السريع إلى الحلف، الأمر الذي من شأنه أن يمنحهما اللجوء إلى سياسة الدفاع المشترك لحلف الناتو ويضيف عمقاً جديداً إلى دفاعات الحلف الشمالية الشرقية. الآمال في مثل هذا المسار السريع تتلاشى الآن. حيث قالت وزيرة الخارجية الفنلندية بيكا هافيستو يوم الأحد إن الأمر قد يستغرق عدة أسابيع للتوصل إلى اتفاق مع تركيا.

جروح قديمة

يهدد الصدام بإحياء مشاكل قديمة بين تركيا وأعضاء آخرين في الحلف، بعضهم واجه أنقرة في ظروف مشابهة لتلك التي تواجهها السويد وفنلندا الآن. في عام 2009، حاول أردوغان منع تعيين رئيس الوزراء الدنماركي السابق أندرس فوغ راسموسن أميناً عاماً لحلف الناتو، وبعد عقد من الزمان، منعت تركيا أيضاً خطة لنقل القوات إلى دول الناتو في أوربا الشرقية. في كلتا الحالتين، طالبت تركيا دول الناتو بضرورة دعم موقفها المتشدد تجاه الجماعات الكردية.

بالنسبة لأنقرة، لا فرق بين وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي عن حزب العمال الكردستاني. لكن على عكس تركيا، لا يعتبر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حزب الاتحاد الديمقراطي أو وحدات حماية الشعب الذين لعب مقاتلوهما دوراً فعّالاً في هزيمة تنظيم داعش في سوريا في عام 2019 كمنظمات إرهابية.

بالنسبة للسويد، كغيرها من عدد من الدول الأوروبية الأخرى، لديها مجتمع كردي كبير إلى حد ما، يقدّر بنحو 100000 شخص، مع أعضاء ناشطين سياسياً يديرون حملات واحتجاجات منظّمة ضد الدولة التركية.

في بعض الظروف، حالت المرونة في الانتماءات داخل بعض المنظمّات الموالية للكرد دون معرفة السلطات في السويد والدول الأوروبية الأخرى مآل الدعم الذي يتم تقديمه، وإن كان يقف عند حدود وحدات حماية الشعب، أم يمتد ليشمل حزب العمال الكردستاني.

على سبيل المثال، ظهرت أعلام حزب العمال الكردستاني في المظاهرات الواسعة المؤيدة للكرد في ستوكهولم. يعود تاريخ السويد مع حزب العمال الكردستاني إلى عقود ماضية، وفيه بعض الحلقات البارزة. في عام 1984، غدت السويد أول دولة بعد تركيا تعلن حزب العمال الكردستاني منظمة" إرهابية"، وفي عام 1986 أعلنت السويد اشتباهها في تورّط المجموعة بمقتل رئيس الوزراء السويدي أولوف بالم، وهي شبهة تم استبعادها لاحقاً مع تقدم مسار التحقيقات.

ماذا بعد؟

ليس من الواضح ما الذي سيحدث بعد ذلك، كانت مطالب أنقرة حتى ليلة الأحد الماضي قيام السويد بتصنيف وحدات حماية الشعب منظّمة "إرهابية" وقطع صلاتها بها. وتطالب أنقرة أيضاً بتسليم 33 شخصاً إلى تركيا من السويد وفنلندا تقول إنهم من مؤيدي "الإرهاب". تتعرض السويد أيضاً لضغوط للتخلي عن التزامها بحظر الأسلحة الغربي المفروض على تركيا منذ أن شنت الأخيرة هجوماً على وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا في عام 2019.

تحدثت رئيسة وزراء السويد مغدالينا أندرسون والرئيس الفنلندي سولي نينيستو مع أردوغان عبر الهاتف يوم السبت، لكن لم يتم إحراز تقدم ملموس، وفقاً لتصريحات الحكومات الثلاث.

كما قال مستشار أردوغان إيلنور جيفيك لمحطة التلفزيون السويدية SVT يوم الأحد إن الجانبين لم يتفقا حتى الآن سوى على عدم الاتفاق.

وأشار جيفيك أنه ليس هناك الكثير مما يمكن لتركيا فعله بشأن عدم اعتبار الولايات المتحدة ودول الناتو الأخرى وحدات حماية الشعب إرهابية، لكن أنقرة تعتقد أنه يمكنها على الأقل الآن فرض تغيير في سياسات السويد وفنلندا، قائلاً  "هنا يوجد شيء يمكننا القيام به والشعب التركي يطلب منا القيام بذلك".

يبدو أن الأيام والأسابيع المقبلة مهيأة لاختبار مهارات التفاوض السويدية والفنلندية. يقول الخبراء إنه من غير المرجح أن تتراجع تركيا على المدى القصير، حيث يواجه أردوغان انتخابات العام المقبل ويبدو حريصاً على إظهار نفوذه الدولية.

لكن في الوقت ذاته يستبعد أن تقوم كلاً من السويد وفنلندا بتلبية المطالب التركية بشأن تسليم المطلوبين إليها، نظراً إلى أن السويد على وجه الخصوص سعت منذ فترة طويلة إلى لعب دور الضامن الدولي لحقوق الإنسان.

انتقدت وزيرة الخارجية السويدية آن ليندي الاتّهامات لبلادها بدعم الإرهاب ووصفتها بأنها "معلومات مضللة"، وأشارت إلى أن السويد كانت أول دولة بعد تركيا تصنّف حزب العمال الكردستاني كمنظمة "إرهابية". في عام 2020 وبعد اجتماعها مع مجموعة قالت عنهم بانهم "كرد من إيران يعيشون في السويد" غردت ليندي قائلة أن "السويد تدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية، من الكرد وغيرهم. القهر الذي يتعرض له كثيرون في أوطانهم غير مقبول".

كما لا يبدو احتمال تصنيف وحدات حماية الشعب منظمة" إرهابية" من قبل ستوكهولم أو فنلندا مرجّحاً، حيث سبق للسويد أن أدانت التوغّلات التركية في سوريا ضد تلك المجموعة.

وفي السياق ذاته، تضمّنت الصفقة بين الاشتراكيين الديمقراطيين والنائب المعارضة كاكابافيه منع تصنيف "المقاتلين من أجل الحرية الذين قاتلوا أو تعاطفوا مع وحدات حماية الشعب أو حزب الاتحاد الديمقراطي كإرهابيين من قبل بعض الفاعلين في الدولة".

وسبق وأن هددت كاكابافيه بسحب دعمها للحكومة السويدية في الانتخابات المقبلة إذا لم تف بالتزاماتها بموجب الاتفاق المذكور.

ولدت كاكابافيه في منطقة  كردية في إيران، وقاتلت مع قوات البشمركة في فترة مراهقتها قبل أن تفر إلى السويد. وأكدت كاكابافيه مراراً أنه على ستوكهولم أن تفعل المزيد للتصدّي لمحاولات أردوغان قمع الجماعات الكردية متّهمة  تركيا بأنها "لا تريد أن يحصل الكرد في أي بلد كانوا على حقوقهم".

المصدر: بوليتيكو

ترجمة: المركز الكردي للدراسات