انتكاسات اقتصادية لإيران.. آخرها من روسيا

الخميس 19-05-2022 | PM 08:19 إيران

المركز الكردي للدراسات 

هناك قائمة طويلة من الدول التي استفادت من جانب من جوانب تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن يبدو أن إيران من الدول التي تحصد خسائر صافية حتى الآن من هذه الأزمة مما يفاقم من الصعوبات التي تعانيها أصلاً بسبب العقوبات الأميركية الشاملة على النفط والصناعة والتكنولوجيا الإيرانية.

التقييم الأممي: العقوبات مدمِّرة

في 18 أيار/ مايو، أكدت المقررة الأممية الخاصة المعنية بالأثر السلبي للتدابير القسرية الأحادية على حقوق الانسان، ألينا دوهان، أنها لمست في إيران أثراً "مدمِّرا" للعقوبات الأميركية، وذلك خلال زيارة الى الجمهورية الإسلامية.

زيارة دوهان التي امتدت 12 يوماً وتخللها لقاء مسؤولين حكوميين ومنظمات غير حكومية وممثلين لقطاعات صحية واقتصادية ومالية، كانت الأولى لمقرر أممي الى إيران منذ العام 2005، والأولى لمقرّر معني بالآثار السلبية للتدابير القسرية الاحادية، وهو منصب استحدثه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في العام 2014.

و حذّرت دوهان من أن آثار العقوبات لا تطال الايرانيين فقط، بل يتأثر بها خصوصا اللاجئون الأفغان الذين تستضيفهم إيران، والذين قدّرت عددهم بما بين خمسة ملايين وثمانية ملايين شخص. ولفتت الى أثر العقوبات على مجالات تصدير النفط والتحويلات المالية والسياحة. وأوضحت "لا يمكن للسياح استخدام البطاقات المصرفية. كان عليّ أن أحضر معي مالاً نقدياً لدفع أجرة الفندق".

احتجاجات لورستان

تواجه إيران صعوبات كبيرة في تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان. كما تعاني من موجة جفاف غير مسبوقة تهدد الكيان الإيراني.

يوم الخميس (19 أيار/ مايو) أطلقت قوات الأمن الإيرانية الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع لتفريق محتجين مناهضين للحكومة في عدة أقاليم فيما تتواصل الاحتجاجات على ارتفاع أسعار المواد الغذائية. ونزل الإيرانيون إلى الشوارع بعد أن تسبب خفض دعم الغذاء في ارتفاع الأسعار بنسبة تصل إلى 300% لبعض المواد الغذائية الأساسية التي تعتمد على الدقيق. سرعان ما اكتسبت الاحتجاجات منحىً سياسياً، كما أن مناطق بقيت بعيدة عن موجات الاحتجاج السابقة باتت اليوم مركز الحراك الشعبي ضد الإجراءات الحكومية، خاصة منطقة قبيلة "بختياري" و معظم منطقة "لورستان الكبرى".

وبحسب أرقام رسمية نشرتها وكالة رويترز في 19 أيار/ مايو، يعيش زهاء نصف سكان إيران، البالغ عددهم 85 مليون نسمة، تحت خط الفقر. وفاقمت العقوبات الأمريكية، إلى جانب ارتفاع التضخم والبطالة وتراجع العملة الوطنية والفساد الحكومي، الوضع الاقتصادي المتردي.

الاتفاق النووي..بعيد المنال

إن المعضلة الاقتصادية لإيران تتعرض لضغط كبير من ثلاثة عوامل متزامنة، الأول العقوبات الأميركية، الثاني الحرب في أوكرانيا، الثالث الجفاف وسوء إدارة الموارد المحلية.

وتضيق الأفق للتوصل إلى إحياء الاتفاق النووي حيث تعرضت آمال الرئيس الأميركي جو بايدن، في المضي قدماً في المحادثات النووية لانتكاسة كبيرة الأسبوع الماضي، عندما صوتت أغلبية عظمى من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في مجلس الشيوخ، لصالح تأييد إجراء يقوده الجمهوريون، يصر على أن أي اتفاق مستقبلي مع طهران يجب أن يتناول دعم إيران للإرهاب في المنطقة، وأنه لا ينبغي لواشنطن رفع العقوبات المفروضة على الحرس الثوري الإيراني. ومن غير المرجح أن توافق طهران على ذلك.

علاوة على ذلك، من المرجح أن تزداد المعارضة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لإحياء الاتفاق بعد التحذير الصارخ هذا الأسبوع من قبل مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي قال إنه "قلق للغاية" بشأن ما وصفه بعدم تعاون إيران فيما يتعلق بآثار اليورانيوم غير المبررة في البلاد.

عجز إيراني عن منافسة روسيا

لكن خيبة إيران الأساسية تكمن في تبدد فرص استفادتها القصوى من أسعار النفط المرتفعة، والسبب بحد ذاته يشكل معضلة عصية على الحل، حيث وعلى نحو مفاجئ، باتت روسيا تزاحم إيران على منافذ تصريف النفط ذاتها، و كلا البلدين المتوافقين في معظم الملفات الدولية في وجه الغرب، يتنافسان على سوق واحدة. و لسوء حظ إيران فإنها الطرف الخاسر حتى الآن.

بحسب تقرير لوكالة رويترز نشرته الخميس (19 أيار/ مايو)، تراجعت صادرات النفط الخام الإيراني للصين بشدة منذ بدء الحرب في أوكرانيا، إذْ فضّلت بكين الخام الروسي منخفض السعر، تاركةً 40 مليون برميل من الخام الإيراني مخزنة في ناقلات في البحر في آسيا تبحث عن مشترين.

و دفعت العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة على موسكو بسبب غزوها لأوكرانيا، المزيد من الخام الروسي باتجاه الشرق حيث التقطته الصين، مخفضةً طلبها للنفط من إيران وفنزويلا، وكلاهما يرزح تحت وطأة عقوبات غربية.

أظهرت بيانات ملاحية أن نحو 20 سفينة محملة بالنفط من إيران كانت راسية قرب سنغافورة حتى منتصف مايو أيار، و بعض الناقلات راسية هناك منذ فبراير شباط، لكن عدد السفن التي تخزن الخام الإيراني زاد بسرعة منذ أبريل نيسان مع توجيه المزيد من الخام الروسي شرقاً، وفق ما صرت به مصادر ملاحية لـ"رويترز". وبحسب شركة كبلر للبيانات والتحليلات، فإن حجم الخام الإيراني المخزن في مستودعات عائمة قرب سنغافورة قد زاد إلى 37 مليون برميل في منتصف مايو أيار، ارتفاعاً من 22 مليون برميل في أوائل أبريل نيسان.

والخام الإيراني أثقل من الخام الروسي، و تحتوي على كبريت أكثر، مما يجعلها أكثر تكلفة في تكريرها من النفط الروسي. وقال متعامل من مصفاة صينية "لا أحد يتطلع للخام الإيراني الآن إذ أن الخامات الروسية أفضل جودة وأرخص سعراً. باعة الخام الإيراني يتعرضون لضغوط شديدة".

و تحاول إيران إيجاد أسواق جديدة لضعف قدرتها على منافسة النفط الروسي، من حيث الجودة والسعر. و أکد وزیر النفط الإيراني جواد أوجي، أن إيران لديها عملاء في سوق النفط وأنها حددت أسواقا جديدة. وحول الموقف الروسي، قال الوزير الإيراني: "تقدم روسيا الكثير من الخصومات لزبائنها، لكن نظرا للعقوبات الغربية، ستستغرق وقتا طویلا لتعثر على مشترین".

وفي 17 أيار/ مايو، قال مصدر مطلع بقطاع النفط إن إيران حددت سعر البيع الرسمي لخامها الإيراني الخفيف للمشترين الآسيويين لشهر حزيران، بعلاوة قدرها 4.25 دولار للبرميل فوق متوسط خامي عمان/دبي، وبخصم 4.95 دولار عن الشهر السابق.

وتفقد إيران حصة سوقية غير قليلة في الهند أيضاً. وبحلول أوائل يونيو حزيران المقبلأ، ستكون الهند قد اشترت أكثر من 30 مليون برميل في ثلاثة أشهر، حسبما تقول  كبلر، أي أكثر من مثلي وارداتها في عام 2021 بالكامل.

أمام هذه الهزيمة الإيرانية في سوق تصدير النفط، لم يلجأ المسؤولون المعنيون في طهران، كما جرت العادة، إلى إطلاق جمل ناعمة بخصوص التناقضات الأخيرة مع روسيا حول أكثر من ملف. فقد أقر حميد حسيني، عضو مجلس إدارة اتحاد مصدري النفط والغاز والبتروكيماويات الإيراني في طهران، في تصريح لوكالة "رويترز: أن "روسيا يمكنها تحويل نحو نصف صادراتها إلى جنوب شرق آسيا خاصة الصين.. وهذا تهديد محتمل ضخم لصادرات الخام الإيرانية".

لكن هذا التنافس الاقتصادي لن يؤثر على العلاقات الوثيقة بين الجانبين. وفي 17 أيار مايو، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده، إن العلاقات بين طهران وموسكو "استراتيجية"، مؤكداً أن بلاده لن تسمح لأي قضية بالمساس بهذه العلاقات.