رسالة شنكال.. من مرحلة الإنقاذ إلى الدفاع الذاتي

الأربعاء 18-05-2022 | PM 11:09 شنكال

فريدريكا خيردينك

بعد تعرض شنكال إلى حملة الإبادة الأخيرة على أيدي تنظيم داعش الإرهابي، التقت الصحفية الهولندية، فريدريكا خيردينك، بمقاتلين من حزب العمال الكردستاني كانوا في مهمة تنظيم المجتمع في شنكال بعد نجاح عملية إنقاذ القسم الأكبر من الإيزيديين خلال عملية الإبادة. من ضمن هذه المجموعة، أجرت خيردينك محادثة مطولة مع المقاتل في الحزب، هفال أكين، و هو كردي من شمال كردستان. تتذكر الصحفية الهولندية فحوى الحديث الذي دار بينها وبين أكين، و وجهت له الرسالة التالية التي ينشرها المركز الكردي للدراسات:

 

عزيزي هفال أكين..

كيف حالك؟ منذ تجدد الهجوم على شنكال من قبل الجيش العراقي، أفكر فيك وبرفاقك في منطقة شنكال. هل تتذكر محادثاتنا التي لم تكن حول الحرب ضد داعش فقط بل أيضاً حول أهمية التثقيف السياسي للمجتمع الإيزيدي؟ شعرت بالفخر لأنني تعلمت منك، كنت في المجموعة الأولى التي هرعت لإنقاذ الإيزيديين عندما بدأ داعش الإبادة الجماعية في آب/ أغسطس 2014. لقد ترك تفاني مقاتلي حزب العمال الكردستاني انطباعاً عميقًا بداخلي خلال هذه المحنة. ولهذا أكتب هذه الرسالة إليك الآن.

لست متأكداً إن كنت تتذكرني أم لا. ربما نعم، لأنه بمجرد أن جلسنا وتحدثنا، بعد بضع أيام من لقائنا، أخبرتني أنك رفضت معظم طلبات الصحفيين لإجراء مقابلة معك. كانت معظم طلبات زملائي التي تلقيتها من الصحفيين الذين مرّوا سريعاً لجمع قصصهم ولم ترغب أن تكون جزءاً مما تشير إليه الصحافة غالباً باسم "صحافة المظلة"، وهو نوع التقارير التي يعدّها مراسل ينزل في مكان ما للحصول على قصّته بسرعة قبل أن يغادره دون معرفة الكثير من الديناميكيات المحلية السارية. فقط بعد أن رأيت أنني بقيت ولم أكن في عجلة من أمري، وافقت على التحدث. هل تذكر؟

الآن وأنا أكتب هذا، أعتقد أنه طريقتي الصحفية البطيئة ربما تشبه طريقتك في خوض النضال، أو في الواقع، طريقة حزب العمال الكردستاني في خوض النضال. رأى حزب العمال الكردستاني (إلى جانب وحدات حماية الشعب) ضرورة الإسراع وحماية الإيزيديين ضد هجوم داعش في صيف عام 2014، لكنّه لم يغادر بعد انتهاء أخطر مرحلة من القتال. بقيتم جميعاً. كنتم تريدون حصد ما زرعتم.

لقد كنت جزءاً من المجموعة الأولى من مقاتلي حزب العمال الكردستاني التي نزلت من الجبال وسارعت لمساعدة الإيزيديين في تلك الأيام الأولى من آب/ أغسطس 2014. ولهذا السبب كانت العديد من المجلّات حريصة على التحدث إليك، على ما أعتقد، بالطبع أثار ذلك فضولي أيضاً.

لقد نشأت في اسطنبول، كما أخبرتني، ولم تكن على دراية بالمجتمع الإيزيدي خلال صباك. كنت تعلم بوجودهم فقط وأنّهم عاشوا وفقاً لقواعد مختلفة عن المسلمين، وقلت، "مجتمعهم كان غامضاً إلى حد ما"، هذا كان كل شيء. قلت: "عندما أتيت إلى هنا، سرعان ما أدركت أنهم مجتمع يعيش تحت القمع". لقد علمت أن هذا هو التشابه العميق بين المجتمع الإيزيدي في جنوب كردستان، والمجتمع الكردي في شمال كردستان وأماكن أخرى: مقموع، غير آمن، و بدون وسائل للدفاع عن أنفسهم ضد محاولات إلحاق الأذى بهم بل وحتى القضاء عليهم.

لم يمر الإيزيديون بأول إبادة جماعية لهم في عام 2014، بل تلك كانت المجزرة 73 بحقّهم. لقد أخبرتني أن"ذلك أصبح قدراً بالنسبة لهم وهم مقتنعون بأن هذه لن تكون آخر عملية قتل جماعية يتعرّضون لها. و هم منظمّون بقوة على أساس الانتماءات العشائرية، وهي بنية قد تتحول إلى تقسيم للمجتمع عن طريق التدخلات الخارجية. كل هذه الجوانب مرتبطة ببعضها البعض مثل السلسلة. نحن كحزب العمال الكردستاني، نحاول كسر هذه السلسلة".

عندما تساءلت عما إذا كانت أيديولوجية حزب العمال الكردستاني التقدّمية، والتي تهدف إلى كسر النظام الأبوي والهياكل الأبوية، ليست منفصلة تماماً عن المجتمع الإيزيدي الأبوي الذي رسمته لي للتو، قلت "لقد قيل الشيء نفسه عن المجتمع الكردي في باكور [كردستان تركيا] عندما بدأ حزب العمال الكردستاني كفاح ضد الدولة هناك و الهرمية السطلوية في المجتمع. لكن انظر إلى المنطقة اليوم. من خلال العمل الجاد يمكنك تغيير هذه الهياكل".

نعم. لم تكن المقاتل الوحيد من حزب العمال الكردستاني ممن الذي التقيته في شنكال ممن يلوم نفسه بسبب الإبادة الجماعية التي قام بها داعش. لقد قلت إن زعيمك عبدالله أوجلان قد أشار إلى وضع المجتمع قبل سنوات، وأن هناك مهمة لحزب العمال الكردستاني لحماية الإيزيديين. كان هذا دافعاً إضافياً لتفانيك أنت ورفاقك لهذه الدرجة: لقد شعرت أنك خسرت الإيزيديين، وأردت تعويض ذلك. ليس فقط بالدفاع عنهم ضد داعش بالسلاح، ولكن أيضاً بتثقيفهم للدفاع عن أنفسهم بالسلاح والفكر. ومثل رفاقك، أخبرتني: "لن نغادر حتى تنتهي مهمتنا هنا". و بالفعل، غادر عناصر حزب العمال الكردستاني في عام 2018 بسبب الديناميكيات المتغيرة على الأرض. هل تم إنجاز المهمة؟

الجيش العراقي بالطبع ليس داعش، لكنّهم بالتأكيد يريدون إخضاع قوات الدفاع الذاتي الإيزيدية التي ساعد حزب العمال الكردستاني في تشكيلها، وتدريبها عسكرياً وأيديولوجياً. هل تعتبر ذلك تهديداً وجودياً للمجتمع؟ وإذا كان الأمر كذلك، أليس من المحبط للغاية أن حزب العمال الكردستاني غادر شنكال منذ عام 2018؟ أم أنه ليس من المجدي الذهاب إلى هناك الآن، لأن ذلك سيؤدي فقط إلى تسريع وتيرة العنف؟ وبذلك، فإن عدم الذهاب إلى هناك الآن وسيلة للحماية أيضاً، لكن هل قوات الدفاع الذاتي قوية بما يكفي لأداء مهمة حماية الإيزيديين؟

أنا لا أعرف أين أنت الآن ، هفال أكين. لقد أصبت أثناء القتال ضد داعش، وعندما التقينا كنت لا تزال في طور التعافي من إصابة في الرأس. لقد قُلتَ إنّك تتوقع أن يتم إعادتك إلى الجبال في أقرب وقت ممكن. من المحتمل أنك كلّفت بمهمة تساهم في التعافي من الأحداث الصادمة التي شهدتها. أتمنى أن تكون قد تعافيت، وأن تجد طريقة لتجسد تجاربك في كفاحك كما كنتَ تطمح.

 

* فريدريكا خيردينك، صحفية هولندية، مهتمة بالشؤون الكردية. صدر لها كتاب بعنوان "مات الأولاد" تطرقت فيه إلى تاريخ القضية الكردية في تركيا، منطلقة من سؤال بدأ بمجزرة روبوسكي وانتهى به: هل تم قتل هؤلاء لأنهم كرد فعلاً؟ هذا السؤال سيقود الكاتبة لاحقاً إلى العمل على تحقيق ميداني من نوع آخر استغرق نحو عام كامل بقيت فيه فريدريكا بين مقاتلات ومقاتلي حزب العمال الكردستاني في معاقل جبلية عديدة، وصدر كتابها بالهولندية في عام 2018، والنسخة الإنجليزية صدرت مطلع العام 2021 بعنوان "This Fire Never Dies".