ما لم يقله المتهم نزار الخزرجي في روايته الأخرى في قناة (العربي )

الإثنين 16-05-2022 | AM 11:51 NIZAR

جبار قادر

بعد أن تواری عن الأنظار وهرب من وجە العدالة في مملكة الدنمارك لسنوات، وبعد أن نشروا لە کتاباً بعنوان( یومیات مقاتل) عن الحرب العراقية الإيرانية ١٩٨٠ – ١٩٨٨، أطل علینا رئیس أرکان الجیش العراقي الأسبق الفریق الأول الرکن نزار الخزرجي الذي دخل عامە الرابع والثمانون في برنامج (وفي روایة أخری) عبر شاشة فضائية (العربي) مع الإعلامي بدرالدین الصائغ، وقال کلاماً جانب فیە الحقیقة کلیاً وتراجع عن کل ما سبق، حتى أنه ناقض نفسە في العدید من حلقات روایتە، خاصة فيما یتعلق منها بالكرد والجرائم الخطیرة التي ارتكبها الفریق ورفاقە کحملات الإبادة الجماعیة المعروفة بالأنفال وضرب مدینة حلبجة الآمنة وغیرها من المواقع الكردیة بالأسلحة الكیماوية.

في الحقیقة لم يذكر الفریق أية رواية أخرى، بل عاد وردد نفس الخطاب البعثي المعروف، الخطاب الذي یتهرب من مواجهة الحقائق الصادمة، ویتنصل من المسؤولیة عن الكوارث التي تسبب بها في العراق وسوریا وعدد آخر من بلدان المنطقة. هذە الروایة البائسة التي تصور أقسی الهزائم کأمٍ للمعارك ومنازلة کبری ضد قوی الشر، هذا الخطاب البائس الذي یعتبر فقدان حوالي ملیون قتیل وجریح وأسیر عراقي، بإعتراف السید الفریق نفسە، في حرب عبثیة ضد إیران والتي دامت ثمان سنوات وهدرت فیها موارد العراق لعقود، نصراً کبیراً في ما کانت تسمی بالقادسیة أو قادسیة صدام، لیعود نظام صدام حسین بعد احتلال الكویت ویوقع علی صك أبیض لملالي إیران. هذا الخطاب المسكون بنظریة المؤامرة والذي یلقي بالمسؤولیة دوماً علی الآخرین ویحملهم أسباب فشل سیاساتە العبثیة وحروبە الكارثیة. من المؤسف بل والمعیب أن یطل علینا الرجل وهو یعیش آخر أیامە ویتنكر لكل ما قالە سابقاً عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانیة التي ارتكبها رفاقە في حزب البعث في کردستان، بدءاً من حملات القمع الوحشیة للجیش العراقي علی مدی أربعة عقود، ومروراً بضرب الكرد بالأسلحة الكیماوية.

اعتقدنا لوهلة بأنە ربما صحي ضمیرە وهو في هذا العمر وسیكشف عن بعض الحقائق المؤلمة التي اطلع علیها بحکم موقعە المهم في الدائرة الضیقة المحیطة بصدام حسین، خاصةً وقد مر حوالي عقدین من الزمن علی زوال حكم القتلة والمجرمین وظهور الحقائق الساطعة واکتشاف مئات المقابر الجماعیة في طول البلاد وعرضها، والكشف عن عشرات الأطنان من الوثائق الحكومیة الرسمیة التي تعطي شروحاً تفصیلیة للجرائم البشعة والانتهاکات الخطیرة لحقوق الإنسان في العراق علی أیدي قوات ذلك النظام. ولكننا صدمنا بنكوصە وعودتە المعیبة إلی نفس الخطاب البعثي الدیماغوجي والتبریري وتحمیل الآخرین مسؤولیة الكوارث التي حلت بالبلاد والعباد.

بدايةً، لابد أن نذکر السید الفریق بأنە لو لم یكن متأکداً من تورطە الكامل في جرائم الإبادة الجماعیة للنظام البعثي لما توسل بالعدید من الدول والمخابرات العربیة لترتیب تهریبە من الدنمارك بعملیة بولیسیة مثیرة. فقد کان البولیس الدنماركي یتأکد من تواجدە في العنوان المثبت لدیهم أسبوعیاً ثلاث مرات في أیام الاثنین والأربعاء والجمعة. لعل الفریق الهارب من دولة اللاقانون الصدامیة کان یعتقد بأن المحاکم في دولة مثل الدنمارك تصدر أحكامها تحت تأثیر ضغوطات الرأي العام أو الحكومة أو أیة جهة أخری. ولكن الحقیقة أن المحكمة الدنمارکیة لم تكن لتصدر أي حكم بحقە دون وجود أدلة وإثباتات جنائیة لدیها لا یرقی الشك إلیها، ولم تكن لتخضع مطلقاً لرغبات مجموعة من الشباب الكرد الذین سجلوا الدعوی بحقە، کما لم تكن لتستمع إلى شهادات الزور التي دبجتها قوی المعارضة العراقیة لإنقاذ الجنرال من ورطتە.

لقد خرج الفریق مثل مجرم هارب من العدالة من بیتە مساء یوم الجمعة المصادف ل ١٤ من آذار ٢٠٠٣، بعد أن کانت الشرطة قد تحققت من تواجدە في البیت قبل ذلك بفترة قلیلة، مستغلاً عطلة نهایة الأسبوع وهرب بسیارات دبلوماسیة الی السوید ومنها إلی السعودیة بجواز سفر سعودي، ومن هناك ذهب الی سوریا ومن ثم استقر ولا يزال یعیش في الإمارات. من المؤسف أن القنوات الفضائیة العربیة لا زالت تتلاعب بعواطف البسطاء من المشاهدین العرب المتلهفین إلی رؤیة من ینقذهم من أوضاعهم البائسة، وتحاول هذە القنوات أن تجعل من الأفاقین والمهزومین أبطالاً صنادید في أعینهم ومن الهزائم النكراء انتصارات مدویة. یتعجب المرء من حالة التخدیر التي أصابت الملایین من البشر الذین لا یرغبون في رؤیة الحقائق الساطعة التي تعمي الأبصار، ولا زالت تتحدث عن بطولات لمجرمین قلما شهد التاریخ أمثالهم، وأبرز قادتهم نواب العرفاء علي حسن المجید الذي عرف بالكیماوي وقریبە سائق الدراجات البخاریة التي تتقدم مواکب المسؤولین، حسین کامل والذي عرف بحسین صوندة لأنە کان یعاقب المهندسين والضباط العاملین في هیئة التصنیع العسكري بالصوندة (الخرطوم) عندما تصیبە موجات الغضب أو لمجرد التسلي وإهانة الناس، وصولاً إلی فیلدمارشال الفذ صدام حسین المتخلف عن الخدمة الإلزامیة، والذي أخرج في أواخر إیامە من حفرة بطریقة تثیر الاشمئزاز لدی کل شخص لدیە شئ من الكرامة.

أقول اعتقدنا لوهلة بأن الخزرجي ربما سیقول شیئاً من الحقیقة، ولكنە فعل العكس وکذب حتی القلیل من الحقائق التي سبق وأن ذکرها في مقابلاتە التلفزیونیة بعید خروجە من العراق ولجوئە إلی الأردن ومن ثم أثناء إقامتە في الدنمارك، فقد تراجع عن مقولاتە تلك وحاول التملص منها بصیغ کان الكذب واضحاً علیە بوضوح وفضحتە حرکاتە وتلعثمە خلال مواجهتە ببعض الأسئلة المحرجة لە وللنظام الذي انتمی إلیە. تجدر الإشارة إلی أنە بعد أن یأس من لعب أي دور في عراق ما بعد البعث، والذي لا یختلف بالمناسبة کثیراً عن عراق صدام سوی بتغیر وجوە المجموعات الدمویة والناهبة لثروات البلاد، وبعد أن وجد نفسە محاطاً من کل جهة برفاق الأمس من البعثیین الأفاقین وکتبة التقاریر في موطنە الجدید الإمارات العربیة، قرر أن یعود إلی حظیرة البعث وأفكارە الفاشیة المقیتة. ویبدو أنە بعد افتضاح أمرە فإن طبالوا البعث أخذوا ینشدونە ضابطاً للإیقاع ویحاولون دفعە الی الواجهة. والمؤکد لدینا أن مجموعة من کبار الضباط وأساتذة الجامعات والصحفیین البعثیین الذین لجأوا بعد سقوط النظام إلی دول الخلیج وفي مقدمتها الإمارات أحاطوا بە وأوضحوا لە بأن ما صرح بە حول جرائم النظام بعد هروبە من العراق سیقضي علی أي أمل للبعث في المسقبل في جمیع الدول العربیة، وسیتخذ کأدلة لإدانتهم جمیعاُ بالجرائم الخطیرة التي ارتكبوها والتي لا تسقط بتقادم الزمن، لذلك لابد من التنصل منها بطریقة ما.

من هنا کان نشر مذکراتە التي کتبوها لە في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ومن ثم ترتیب لقاءات تلفزیونیة مطولة یتنصل فیها من کل ما سبق وصرح بە محاولة لإعطاء صورة مناقضة تماماً للمشاهدین الذین لابد وأن نسوا ما قالە قبل أکثر من عقدین من الزمن.

سأعرض في هذا المقال ما یؤکد هذا التوجە لدی السید الخزرجي ومن خلال کلماتە وتصریحاتە الموثقة صوتاً وصورة. لن أعلق کثیراً علی أحادیثە المملة عن الجیش والحرکات العسكریة والقتال وبطولاتە، وغیر ذلك من المواضیع المحببة لدیە والذي لا أعتقد بأنە یمتلك شیئا من الثقافة خارج ذلك الإطار. وکي نوضح نكوصە وتراجعە عن اعترافاتە السابقة وتناقضە مع نفسە وتزییفە للحقائق، نتعرض إلی جزء من تصریحاتە في لقائین تلفزیونیین سابقین فقط، جری الأول منهما في نهایة عام ١٩٩٨ في الأردن وذلك بعید لجوئە إلیها بفترة قصیرة، والثاني في الدنمارك بتاریخ ١٠ نوفمبر ٢٠٠١ أثناء إقامتە هناك وانتظارە المثول أمام المحكمة بالتهم التي وجهت إلیە بسبب دورە في إبادة المدنیین الكرد خلال حملات الأنفال (٢٣ شباط ١٩٨٨ – ٩ أیلول ١٩٨٨)، وضرب القری والقصبات الكردیة وفي مقدمتها حلبجة الشهیدة بالأسلحة الكيماوية. الغریب أن الفریق بدأ ینكر الآن استخدام الأسلحة الكیماوية کلیاً في کردستان وهو أمر أصبح معروفاً علی نطاق العالم، بل یسمیها تهماً ملفقة تهدف الی شیطنة الدولة العراقیة. في حین أن هناك عشرات الوثائق الحكومیة الرسمیة الصادرة عن رئاسة أرکان الجیش، التي کان یرأسها آنذاك، والاستخبارات العسكریة، الذي کان یترأسها رفیقە في الجرائم وفیق السامرائي، ورئاسة الجمهوریة، تشیر کلها بوضوح لا لبس فیە إلی الأوامر الصادرة بتوجیە ضربات کیماوية حتی قبل ضرب حلبجة بعام واحد علی الأقل. وقد نشرت (١٤) وثیقة منها وبعضها في عدة صفحات في کتاب لي صدر عن الأکادیمیة الكردیة بأربیل في عام ٢٠١١ تحت عنوان (استخدام الأسلحة الكیماوية ضد الكرد في ضوء الوثائق الرسمیة العراقیة في عام ١٩٨٧) وباللغتین الإنكلیزیة والعربیة، وکنت قد قدمت خلاصتە في مؤتمر عقد في البرلمان الأوروبي في نفس العام.

بعد عرض موجز لنصوص من تصریحاتە تلك، نتطرق إلی ما قالە أخیراً في الحلقات التي عرضتها قناة (العربي) في برنامج (وفي روایة أخری) لیری القارئ والمشاهد مدی التناقض الصارخ بین الحدیثین، ولیتأکد بأن ما یقولە ویكتب بإسمە مزیف ومليئ بالأکاذیب، وطریقة عرضە لآرائە بائسة وتعابیرە فقیرة وثقافتە ضحلة، ولا یدع کل ذلك مجالاً للشك بأن ما نشر باسمە قد خطە آخرون. سأرکز هنا علی ما قالە بصدد الكرد وحرکاتهم المسلحة والجرائم التي أُقترفت بحقهم علی أیدي الجنرال ورفاقە في العقیدة، وأترك ما رواه عن بطولاتە في الحروب الدمویة المدمرة في کردستان وإیران والكویت إلی المتخصصین في تلك الأحداث والمطلعین علی تفاصیل تلك العملیات العسكریة، التي لا بد وأنە زیف الكثیر من الحقائق المتعلقة بها أیضاً، وبذلك تفقد شهادتە ومذکراتە التي نُشرت أیة أهمیة لها في دراسة تاریخ تلك الفترة وأحداثها.

الغریب في الأمر أن لا الإعلامي الذي أجری اللقاء ولا الفریق الأول الرکن کلفا نفسیهما بالرجوع إلی ما سبق وصرح بە الخزرجي للقنوات العربیة وبالأخص قناة (MBC) بعید هروبە من العراق في عام ١٩٩٨، أو أثناء إقامتە في الدنمارك وانتظارە المحاکمة بتهمة ارتكابە "جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانیة"، وهذە اللقاءات مصورة وموجودة ویمكن لكل شخص

مهتم بالأمر أن یعود إلیها. والأغرب أن المتهم _وهذا تعبیر قانوني ینطبق علی الخزرجي لأن المحكـمة أصدرت قراراً بإلقاء القبض علیە والمثول أمامها للدفاع عن نفسە عن التهم الموجهة إلیە وهي جرائم لا تسقط بالتقادم_ لا یتذکر ما قالە في تلك التصریحات ویأتي الآن لیقول ما یناقضها تماماً. هناك تفسیر منطقي واحد لهذا الأمر وهو أن الذي یكذب سرعان ما ینسی ما قالە، وحین یعود ویروي نفس الوقائع مرة أخری نراە یقول شیئاً مغایراً تماماً، بینما الذي یقول الحقیقة لا یمكن أن یقولها بصور مختلفة. الذي حصل مع السید الخزرجي یدخل ضمن الحالة الأولی، إلا إذا کان قد قرر عن سبق إصرار أن یتراجع عن ما قالە واعترف بە وقرر أن یقدم صورة مناقضة.

سأذکر هنا بعض ما صرح بە حرفیاً في أول لقاء تلفزیونی لە في الأردن مع قناة (MBC) في أواخر عام ١٩٩٨. في هذا اللقاء ذکر بأنە قریب علی (حرکة الوفاق) الذي کان یتزعمها الدکتور أیاد علاوي، وقال في صدام ما لم یقلە مالك في الخمر، إذ قال عن صدام في هذا اللقاء (الشعب مهان وهو مرتاح، الشعب جوعان وهو مرتاح، الجیش مهان وهو مرتاح، السیادة منتهكة وهو مرتاح)، کما قال فیە (یزداد طغیاناً یوماً بعد یوم) و (الشعب العراقي یعیش تحت الظلم والرعب). وصرح بأن صدام قال لە یوماً (یا نزار نحن لا ندع شخصاً ینهي البسملة فقبل أن یكملها نكون قد قطعنا رأسە)، بمعنی إذا اشتبهوا في شخص مجرد شبهة فإنهم یقضون علیە فوراً، وأن یقول صدام هذا الكلام لنزار الخزرجي یعني شیئاً واحداً وهو أن الأخیر یدخل ضمن دائرتە الضیقة ویعتبر شریكاً مخلصاً في الإجرام والقتل. کما قال عن صدام بأنە (قتل آلاف مؤلفة من العراقیین ویرهب العراقیین وهو وعائلتە ینهبون ما تبقی من ثروات العراق)، و (قتل عدداً کبیر من الضباط الكفوئین بسبب أخبار غیر صحیحة عنهم). هذا غیض من فیض مما نطق بە الخزرجي في أول لقاء تلفزیوني لە في عمان بعد لجوئە إلیها في نهایة عام ١٩٩٨. ولم یكتفي في هذا اللقاء بالتندید بصدام ونظامە بل سوق نفسە کمعارض صلب للنظام، وزعم بأنە سیعمل بالتعاون مع ضباط الجیش المخلصین و(حرکة الوفاق) من أجل قلب الأوضاع في العراق وإقامة نظام یعیش في سلام مع جیرانە ویحافظ علی وحدة العراق.

بعد تصریحاتە تلك هللت لە المعارضة العراقیة واعتبرتە "کارزایا للعراق"، وإنە سیقود حرکة الإطاحة بصدام حسین ونظامە. وکانت هذە نوعاً من الفانتازيا السیاسیة وقد کتبت في حینە مقالاً عن هذە الطروحات واعتبرتها دلیلاًعلی عدم جدیة المعارضة العراقیة ومحاولة خلق زعماء وهمیین. وفي مقابلة أخری أجرتها نفس القناة (MBC) بتاریخ ١٠ نوفمبر ٢٠٠١ مع طالب اللجوء السیاسي نزار الخزرجي في الدنمارك هذە المرة، ویبدو أنە جری الترتیب للقاء بهدف دعم موقفە أمام الرأي العام والمحاکم في تلك البلاد. فبعد أن وجهت لە تهم قتل المدنیین الكرد خلال حملات الأنفال الدمویة وقصف مدینة حلبجة علی ضوء دعاوی رفعتە مجموعة من الشباب الكرد اللاجئین والمقیمین في الدانمارك والذین هربوا من بطش نظام صدام حسین وکانوا من ضحایا سیاساتە وقمعە، وصف السید الخزرجي في لقاءە ذلك هؤلاء الشباب رأساً وبدون مقدمات بأنهم غیر عراقیین واتهمهم کما هو دیدن رفاقە بتهم جاهزة، فبدلاً من نعتهم بالمخربین وأدلاء الخیانة والإنفصالیین کما کان الخطاب الرسمي یصف المنتمین الی الحرکات الكردیة أثناء قیادتە لحملات إبادتهم وتدمیر بلادهم، اتهمهم بأنهم ینتمون الی حرکات کردیة علی ارتباط بأجهزة صدام حسین وتحصل علی دعم مالي وعسكري منە، في حین أعرف شخصیاً عدداً من هؤلاء الشباب حق المعرفة ولم یتجاوز عددهم في بدایة الأمر ٦ أشخاص، ومن ثم ازداد العدد بسرعة إلی حوالي ١٥٠ شخصاً بین مشتك وشاهد، وفق ما أعلنه الادعاء العام للمحكمة الدنمارکیة وینتمي قسم منهم إلی الحزبین الكردیین الرئیسیین (الاتحاد الوطني الكردستاني والدیمقراطي الكردستاني)، الذین أرسل ممثلوهما رسائل تزکیة لدعم موقف الخزرجي أمام المحکمة، ادعوا فیها أنە ضابط وطني ویعمل ضد نظام صدام حسین. التقیت شخصیاً ضمن وفد کردي ضمني ورئیس المؤتمر القومي الكردستاني المرحوم الدکتور عصمت شریف وانلي، وکنت نائبە في المؤتمر آنذاك، بفریق التحقیق في قضیة الخزرجي، وأجبنا علی أسئلتهم وقدمنا شروحات مستفیضة عن کل ما کنا نعرفە عن دورە في حملات إبادة الكرد، وسلمناهم وثائق تثبت مشارکتە في تلك الجرائم، کما زودنا ممثلوا الكتل البرلمانیة في البرلمان الدنمارکي بأدلة ومنها کتاب (هیومان رایتس ووتش – Human Rights Watch) عن حملات الإبادة الجماعیة في کردستان وفي مقدمتها حملات الأنفال. وکنا قد أرسلنا قبل ذلك رسالة إلی وزیر العدل الدنمارکي شرحنا فیها رأینا في قضیة المتهم الخزرجي وأبدینا استعدادنا للحضور وتقدیم الوثائق والمستمسكات المتوفرة لدینا.

وبمساعدة العدید من الأصدقاء استطعت أن أعثرعلی ضابط کردي عـمل مترجماً شخصياً لنزار الخزرجي وأقنعناە بكتابة رسالة یذکر فیها ما یعرفە عن دورە في تلك الأحداث. التقیت بە في فندق السلام في السلیمانیة في أواخرعام ٢٠٠٢، وسلمني رسالة أکد فیها بأنە شاهد الخزرجي بأم عینیە کیف أمر بقتل العدید من العسكریین ورقص وهوس في حفلة قتلهم، فضلاً عن مسائل أخری أشار إلیها في رسالتە. وعقدنا أثناء زیارتنا الی کوبنهاغن مع المرحوم الدکتور عصمت شریف وانلي مؤتمراً صحفیاً وقدمنا الأدلة التي کانت بحوزتنا إلی الصحافة المحلیة، کما عقدنا ندوة حضرها عدد من الكرد المقیمین هناك ومن بینهم عدد من الشباب الذین رفعوا الدعوی ضد الخزرجي أو تقدموا بشهاداتهم وتحدثنا خلالها عن لقاءاتنا مع فریق التحقیق وممثلوا الأحزاب الرئیسیة في البرلمان الدانمارکي، واعتبرنا نحن أیضاً ضمن المشتكین والشهود في القضیة. وفي تلك المقابلة ذکر بوضوح تام بأنە حین سمع بضرب حلبجة اتصل (بوزیر الدفاع عدنان خیراللە وهو ابن خال صدام حسین وسألە عن الضربة فأکد لە الأخیر حسب زعمە أنە لا یعلم شیئاً عن الموضوع وطلب منە أن یمهلە ساعة أو أکثر لیحصل علی الجواب وسیتصل بە)، ویسترسل في کلامە قائلا إن عدنان خیراللە (اتصل بە بعد مرور ساعة تقریباً، وقال لە نعم حصلت الضربة من قبل طائراتنا وبأمر مباشر من القائد العام للقوات المسلحة صدام حسین). وأثناء حدیثە عن ضرب حلبجة حاول التملص من المسؤولیة بحجة أن القوة الجویة مرتبطة مباشرة بالقائد العام للقوات المسلحة صدام حسین، کما أکد علی وجود قیادة عامة للقوات المسلحة. ولزیادة إبعاد التهمة عن نفسە أکد أن الضربة الكیماوية وجهت إلی حلبجة بسبب المعلومات التي قدمها علي حسن المجید وأعوانە في مکتب تنظیم الشمال إلی صدام حسین حول سقوط حلبجة بأیدي الإیرانیین.

ويزعم السید الخزرجي بأنە لا هو کرئیس لأرکان الجیش العراقي ولا وزیر الدفاع وهو کما ذکرنا ابن خال صدام حسین ولا حتی قائد الفیلق الأول المسؤول عن العملیات العسکریة في ذلك القاطع کامل ساجت علی علم بهذە الهجمات الكیماویة، وحجتە في ذلك أن القوة المسؤولة عن الضربة الكیمیاویة مرتبطة أیضاً بصدام حسین، وتترك المنطقة بعد تنفیذها للضربات الكیمیاویة مباشرة. هل یعقل أن لا یعرف رئیس أرکان الجیش ولا وزیر الدفاع ولا قائد الفیلق الذي تدخل المنطقة ضمن مهام فیلقە بهذە العملیات والضربات؟!. في حین في روایتە الأخیرة ضمن الحقلة السادسة مع قناة (العربي) ینفي تماماً هذە الضربات، ویحاول أن یفسرها بحجة أن الجانبين الإیراني والعراقي کانا یستخدمان الأسلحة الكیمیاویة. أراد أن یوهم المشاهد بأنە ربما بسبب تبادل الضربات بین الجانبین أصیبت حلبجة، وهذا تفسیر في غایة البلاهة، ویذهب في تزییفە للحقائق بعیداً إذ یقول بأن التحقیقات التي أجریت بعید الحرب أثبتت بأن العراق لم یمتلك ذلك العامل الكیمیاوي الذي استخدم في ضرب حلبجة، بل کان موجوداً لدی إیران. رغـم أنني کنت وما زلت أری أن النظامین الإیراني والعراقي لم یختلفا عن بعضهما، فهما غارقان في بحور العنصریة والفاشیة، ولكن کیف تضرب إیران حلبجة وقواتها کانت تسرح وتمرح فیها وتحتفل باحتلالها لها. کما یدعي الخزرجي بأنە (سأل الطیاريين العراقیين بعد الحرب عن طائرات القوة الجویة العراقیة في ذلك الیوم، فأکدوا لە بأنە لم تکن هناك أیة طائرات عراقیة هناك). جرت تلك الأحداث والكلام حولها قبل خروج السید الخزرجي من العراق بعقد کامل ومع خروجە اعترف بها.

ویأتي الآن وبعد مرور عقدین من الزمن علی ماذکرە في لقاء ٢٠٠١ لینسج دون نجاح قصة مناقضة تماماً، یا تری لماذا انقلبت الأمور وتراجع الفریق عن قول الحقائق؟، وهناك العدید من الروایات التي تناقلها الناس وتروی علی لسان السید الخزرجي الذي أخبر الزعماء الكرد الذین أنقذوە من موت محقق علی ید صدام حسین حین قال لهم: "أنتم تخطؤون حین تقولون بأن صدام أباد منكم ١٨٢ ألف شخص مدني کردي أثناء حملات الأنفال، فالعدد یصل الی ٢٥٠ ألف شخص". وقد أکد أکثر من مرة في لقاءاتە السابقة علی أن حملات الأنفال کانت موجهة ضد السكان المدنیین الكرد ولیس رأس التخریب کما یسمیهم في لقاءاتە الأخیرة. وذکر نفس العدد من الضحایا أي (٢٥٠) ألف في التحقیق الذي جری معە أثناء تقدیمە طلب اللجوء السیاسي في الدنمارك، ولكنە عاد وتراجع عن کلامە بعد أن أخبروە بأن ذلك قد یعرضە للمساءلة، فزعم بأن الخطأ ناجم عن سوء فهم لکلامە عند ترجمتە الی الدنمارکیة.

یعود الفریق الأول الرکن الخزرجي بعد أکثر من عقدین لیقول لنا في لقاء تلفزیون بأن الأنفال لم تكن "سوی عملیة أمن داخلي، وإن ما یقال عن الموضوع هو محاولة لشیطنة الدولة العراقیة". هذە "العملیة الأمنیة الداخلیة" شارکت فیها حسب کلامە هو ولیس غیرە وفي هذا اللقاء بالذات ١٧ فرقة عسکریة وفي ٩٥ اتجاە، لیخونە التعبیر في نهایة روایتە المزیفة ویؤکد "طردنا الأکراد خارج الحدود، ونظفنا المنطقة الشمالیة من التواجد الكردي"، أي أن کلامە یدور هنا عن الكرد کشعب ولیس کحرکات مسلحة وقیادات سیاسیة، کان الإعلام البعثي یسمیهم برأس الحیة ورأس التخریب المسلح، والذين سماهم السید الخزرجي بعید هروبە بالقوی الکردیة بحد تردد وتلعثـم، وادعی بأن له علاقات قویة مع قیاداتهم، بل کان واثقاً من أن تلك القیادات ستدافع عنە إذا جری الاستئناس برأیهم، وهو محق في ذلك إذ أن الممثلين السذج لتلك القیادات أرسلت رسائل إلی المحكمة الدنمارکیة تدافع فیها عن مهنیة الفریق الأول الرکن الخزرجي ووطنیتە، لعلهم یقصدون المهنیة في قتل المدنیین الكرد وتدمیر کرستان، وحسناً فعل السید الخزرجي حین عاد إلی العادة القدیمة في مذکراتە المنشورة ولقاءاتە التلفزیونیة الأخیرة لیصفهم بالمخربین والإنفصالیین ورؤوس التخریب والعاملین من أجل إقامة إسرائیل ثانیة في الشمال، وغیر ذلك من التسمیات المعروفة في الخطاب الرسمي القوموي العربي والبعثي منە علی وجە الخصوص.

من حسن الحظ أن المحاکم في الدول التي یسودها القانون والنظام لا تعیر اهتماماً بمثل هذە الرسائل، بل واصلت تحقیقاتها في القضیة حتی توصلت الی النتائج الصحیحة. وقد واجهنا بدورنا هذا السؤال من فریق التحقیق أثناء لقاءنا بهم، إذ سألونا: إذا کانت لدیكم کل هذە الوثائق والإثباتات وکل هذە الحقائق کما تدعون، فکیف تفسرون إرسال ممثلي الحزبین الرئیسیین لدیكم رسائل للدفاع هذا المجرم؟. فکان جوابنا، أن الأحزاب تمارس السیاسة وتعتقد کما المعارضة العراقیة بأن وجود مثل هؤلاء الضباط في صفوف المعارضة المناوئة لصدام حسین أمر ضروري، وإذا واجهتهم مثل هذە التهم فإنهم سیبقون الی جانب النظام ولن یتجرؤا إلی الهرب مادامت المحاکم تنتظرهم خارج العراق. بطبیعة الحال نحن لم نکن مقتنعين بهذا الرأي، لأن وجود أشخاص تعودوا علی سفك الدماء وإشعال الحروب في صفوف أیة معارضة سیاسیة لن یکون في صالح بناء دولة آمنة بعیدة عن الانقلابات العسکریة والمغامرات الهوجاء. المتابع لروایة الفریق عن الأحداث یقتنع بأنە لا یعرف الکثیر من تاریخ العراق وحتی الفترة التي عاشها والذي یزعم أنە قاتل من أجلە، إذ ینكر بإصرار تنازل صدام حسین عن أراض عراقیة لشاە إیران وفق اتفاقیة الجزائر في ٦ آذار ١٩٧٥للقضاء علی الحرکة الکردیة، وهو أمر یعرفە حتی تلامیذ الثانویة، کما أن عدائه للكرد یعمیە عن رؤیة الحقائق التاریخیة، إذ یزعم أن الجیش العراقي لم (یکن مؤهلاً لمقاتلة العدو الإسرائیلي في حرب تشرین ١٩٧٣ بسبب تواجد أکثر قطعاتە في الشمال لمحاربة التمرد الكردي). الکل یعرف بأن الفترة من ١١ آذار ١٩٧٠ وحتی ١١ آذار ١٩٧٤ کانت فترة سلام وقتیة بین الحرکة الكردیة والحکومة العراقیة ولم تشهد کردستان بإستثناء عـملیات التعریب الاستفزازیة البعثیة وترحیل الكرد من مواطنهم أي قتال عسکري. لذا لم تكن هناك أصلاً حاجة إلی وجود قطعات کبیرة في کردستان، ولابد أن السید الخزرجي کان مطلعاً علی قیام قیادة الحرکة الکردیة بإعلان وقف إطلاق النار ضد الجیش العراقي أثناء حرب حزیران ١٩٦٧، لأنها کانت متأکدة بأن القیادات العسکریة الفاشلة التي لم تقاتل في تاریخها إلا الأبریاء من المواطنین العراقیین، وستعلق فشلها علی شماعة الحرکة الكردیة، ومن کانوا یسمونهم بالإنفصالیین والمخربین.

الغریب أن الخزرجي في لقاءاتە الأخیرة یتحدث عن الرئیس والسید الرئیس بعد أن قال فیە في السابق ما لم یقلە مالك في الخمر کما أشرنا إلی ذلك أعلاە، وکعسكري مهني وکبیر، کما یدعي، کیف قبل علی نفسە أن یکون خیال مآتة لا یعرف شیئاً عن حرکات الجیش وهجمات الطائرات والضربات الكیمیاویة وهو رئیس أرکان لە؟، وکیف قبل أن یعمل تحت إمرة هارب من العسكریة أعطی نفسە رتبة فیلدمارشال؟، وکیف قبل أن یتحكم بە نائب عریف کان یعمل سائقاً لتوصیل الوقود إلی الطائرات في القوة الجویة بکرکوك ونقصد بە علي الكیمیاوي؟، وکیف سمح أن یهینە حسین صوندة وأکبر رتبة حملها قبل هطول الرتب علیە کانت سائق دراجة ناریة في مواکب کبار رجال دولتە؟. ومن منطلق تزییفە للحقائق التاریخیة حاول الخزرجي أن یسبغ علی عمە إبراهيم فیصل الأنصاري الذي کان قائداً للفرقة الثانیة في کرکوك ورئیساً لأرکان الجیش صفات المهنیة والوطنیة وغیرها لم یتصف بها الرجل أبدا، وکل من عاش في کرکوك في الستینات وأنا منهم یعرف بأن هذا الأنصاري لم یقل إجراماً عن ابن أخیە، والذي کان بالمناسبة مرافقاً لە آنذاك، فقد اشتهر بقتلە للكرد وتعلیق جثثهم في الساحات العامة وتدمیرە للقری الكردیة القریبة من منابع النفط، بل وحتی تدمیرە لأحیاء کردیة کاملة داخل مدینة کرکوك مثل حي (کوماري – الحي الجمهوري) وغیرها. کما أن أخبار مجالس القمار واللیالي الحمراء التي کان القائد یؤمها یومیاً کانت تزکم الأنوف. حاول الفریق أن یصور نفسە علی أنە یمتلك عقلیة استراتیجية في الشؤون العسکریة، ولكننا یمكن أن نسأل أي عقل ستراتیجي هذا الذي یزعم بأن العراق خرج من الحرب الإیرانیة العراقیة منتصراً، وقد فقد وفق کلامە هو لا غیرە، أکثر من ١٥٠ ألف قتیل في صفوف الجیش فقط، وأکثر من ٧٠٠ ألف جریح، وأکثر من ٨٠ ألف أسیر، وبلغت تكالیف الحرب بین ٣٠٠ – ٣٥٠ ملیار دولار؟، ویعتبر هذا العقل الاستراتیجي أن الكوراث التي حلت بالعراق نتیجة سیاسات رئیسە وقائد مسیرتە مجرد أخطاء. لیتك أکرمت ضحایا نظامك وأکرمتنا بسكوتك یا سیادة الفریق، فقد سكت دهرا ونطقت کفراً.