كيف يساهم برنامج تدريب أميركي في تمكين قادة دمويين في تركيا؟

الأربعاء 11-05-2022 | PM 09:57 خلوصي

ميغان بوديت

كشفت وثائق سرية عن تلقّي مسؤولين أتراك رفيعي المستوى من المشاركين في إقرار وتنفيذ سياسات الدولة العدوانية والاستبدادية المناهضة للكرد، تدريبات عسكرية أمريكية، وذلك في إطار برنامج المساعدة الأمنية، الذي دعم القادة الدكتاتوريين وفرق الموت في جميع أرجاء العالم وقد بقي هذا الدعم مستمراً للوقت الحاضر.

في تشرين الأول عام 1979 حضّ السفير الأميركي في تركيا، رونالد سبيرز، الكونغرس، على عدم قطع الدعم الأميركي للجيش التركي، لكن طلب السفير الأميركي في تلك الفترة لم يكن ذو أهمية.

 تحتل تركيا موقعاً متميّزاً على البحر المتوسط ​​وتشترك في حدود برية مع الاتحاد السوفياتي، فضلاً عن كونها عضواً في حلف شمال الأطلسي منذ نحو 30 عاماً، إلى جانب دورها الهام بخط المواجهة في الاستراتيجية الأميركية خلال حقبة الحرب الباردة. وقد قامت الولايات المتحدة بتعزيز علاقتها مع أجهزة الأمن والاستخبارات التركية لتحقيق أهدافها وتقويتها على حساب السلطات المدنية المنتخبة.

يُعتبر البرنامج الدولي للتعليم والتدريب العسكري (IMET) وهو برنامج مساعدة أمنية يُموّل تكاليف تدريب الأفراد العسكريين الأجانب في الولايات المتحدة إلى جانب نظرائهم الأميركيين، أحد عناصر تلك الاستراتيجية.

رأى سبيرز أن المساعدة التي يقدمها البرنامج الدولي للتعليم والتدريب العسكري تستحق تسليط الضوء عليها حيث قال: «إن عائدات هذا البرنامج أكبر بكثير من الأموال القليلة نسبياً التي تنفق عليه». ومثالاً على ذلك، ذكر السفير العديد من الضباط الأتراك رفيعي المستوى الذين درّبتهم الولايات المتحدة من خلال البرنامج الدولي للتعليم والتدريب العسكري وهم "نجدت أوروغ و صلاح الدين ديميرشي أوغلو و بدر الدين ديميريل و تحسين شاهينكايا ونجات تومر"، ووصفهم بأنهم "من صفوة الجيش الذين تلقوا تدريبات من الولايات المتحدة و تشبّعوا بالعقيدة العسكرية، فضلاً عن اكتساب العادات والتقاليد الأميركية".

من خلال هؤلاء كانت ثمار دعم الغرب لتبدأ بالنضوج في أقل من عام، فيتمكّن هؤلاء الجنرالات الخمسة في 12 أيلول من عام 1980 من الإطاحة بالحكومة التركية المنتخبة، حيث اعتبر ذلك بداية مرحلة جديدة من القمع السياسي والحرب الأبدية التي من شأنها بلورة السياسة التركية لعقود قادمة.

تولّى كل من قائد سلاح الجو التركي تحسين شاهينكايا، وقائد البحرية نجات تومر، السلطة في تركيا بموجب مرسوم لمدة 3 سنوات. وفي عام 2014 أدانت محكمة تركية كلاً من شاهين كايا، بالإضافة إلى مدبر الانقلاب كنعان أفرين، بارتكاب جرائم ضد الدولة.

كان قائد الجيش الأول نجدت شروغ، مسؤولاً عن تنفيذ الأحكام العرفية في إسطنبول في أعقاب الانقلاب العسكري، وقد تولّى رئاسة هيئة الأركان العامة عام 1983 واستمر في هذا المنصب حتى عام 1987.

أما الجنرال بدر الدين ديميريل، قائد الجيش الثاني، فقد كان مسؤولاً عن تنفيذ الأحكام العرفية في ولايات قونية و نيدة و قيصري و نفشهير و كرشهير و يوزغات. وكان قائد الجيش الثالث صلاح الدين دميرجي أوغلو، مسؤولاً عن تنفيذ الأحكام العرفية في ولايات أرزينجان وجوموشان وغيرسون وطرابزون وريزا وأوردو وسيواس وتوكات وأماسيا وجوروم وسامسون وسينوب.

انقلاب عام 1980 والحرب في كردستان

أُثير الجدل حول احتمالية تورط الولايات المتحدة بالانقلابات العسكرية التي حدثت في تركيا، خاصة بعد كشف موقع ويكيليكس عن الوثيقة التي كانت بحوزة السفير سبيرز عام  2016، والتي أظهرت أن هناك علاقة مباشرة بين برنامج التدريب الأميركي و القادة الذين دبروا الانقلاب و أدخلوا تركيا في مسار استبدادي و وحشي.

لم يعد هناك وجود للديمقراطية في تركيا بعد انقلاب عام ١٩٨٠ حيث حُلّ البرلمان المنتخب، وقُمعت الأحزاب السياسية، كما تم حظر النقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني، ومنعت الصحف من النشر، بالإضافة إلى اعتقال أكثر من نصف مليون شخص بتهم مُسيسة، وقد كان التعذيب قاسياً جداً داخل السجون، الأمر الذي دفع بمنظمة "هيومن رايتس ووتش" لوصف ذلك بأنه جريمة ضد الإنسانية، وقد لقي المئات من المعتقلين حتفهم في المعتقلات، ومن المحتمل جداً أن العدد الحقيقي يفوق ذلك بكثير.

إن أكثر المتضررين من هذا القمع هم الكرد الذين تعرّضوا لحملات تطهير عرقي ممنهجة بدأت منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، حيث سعى النظام الانقلابي لإنهاء الوجود الكردي وتجريم أي أمر يُعبّر عن الهوية الكردية.

نتيجة لهذا الاضطهاد فضّل بعض الكرد المقاومة على الخنوع، وذلك بعد إغلاق جميع الأبواب أمام حقوقهم الأساسية ورفضهم سياسة التتريك التي فرضت عليهم. أمام هذا الواقع بدأ حزب العُمّال الكُردستاني _ الذي أسسه مجموعة من طلبة الجامعات بأواخر السبعينيات _ نضاله المسلّح من أجل نيل الكرد حقوقهم وحرّيتهم عام 1984.

دمّر النظام التركي آلاف القرى وهجّر ملايين المدنيين وفرض الأحكام العرفية على الولايات ذات الغالبية الكردية، وأشرف على عمليات تصفية خارج نطاق القضاء، بالإضافة إلى وجود حالات اختفاء قسري نفّذتها القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها. لم تفض دعوات حزب العمال الكردستاني لوقف إطلاق النار إلى نتائج ملموسة من أجل مفاوضات بنّاءة مع النظام التركي. في عام 1991 اُنتخب 22 نائباً يمثلون الكرد تحت قبة البرلمان للمطالبة بحقوق الكرد سلمياً من النظام التركي، إلّا أنّه أاعتقل من هؤلاء 6 نواب خلال فترة ولايتهم وأعدم أحدهم رمياً بالرصاص.

تمويل عمليات القمع

ربما غضّت واشنطن الطرف عن عمليات القمع داخل تركيا، وذلك كجائزة تقدمها للنظام بعد وقوفه إلى جانب الولايات المتحدة، خاصة بعد انتصار الأخيرة في الحرب الباردة. لقد انقلبت الآية بعد ذلك؛ فتركيا القديمة ليست كما هي اليوم بعد الانقلاب، حيث شن خريجو برامج التدريب العسكري الأميركي حرباً على الحركات الشعبية وارتكبوا فظائع بحق الأقليات العرقية والمعارضين واليساريين.

وفقاً للوثيقة التي قدّمها سبيرز، فإنه على غرار خرّيجي البرنامج الدولي للتعليم والتدريب العسكري الأميركي الذين استطاعوا الإطاحة بالحكومة بعد انقلاب عسكري، تم تمويل "مدرسة الأميركيتين" ذات الصيت السيء، حيث دربت الولايات المتحدة الديكتاتوريين العسكريين وفرق الموت التي أرهبت بلدان تلك المنطقة بدءاً من تشيلي والأرجنتين إلى السلفادور وهندوراس.

قالت عالمة الأنثربولوجيا ليزلي جيل، في كتايها "مدرسة الاميركيتين: التدريب العسكري والعنف السياسي في الأميركيتين" :« لقد سيطرت الأنظمة المستبدّة العسكرية  المدعومة من الولايات المتحدة على معظم أميركا اللاتينية طوال سبعينيات القرن الماضي. وفي ظل استمرار الدعم الأميركي المقدّم لهم وجد هؤلاء الذين في السلطة الفرصة سانحة لإرسال أعداد غفيرة من القوات لهذه المدرسة حيث يتم تدريب الجنود الأجانب فيها وفقاً لما يطلق عليه اسم البرنامج الدولي للتعليم والتدريب العسكري».

وفي هذا السياق، أفاد أحد التقارير الخاصة بأبحاث الكونغرس أن "غالبية" الأفراد المدرّبين في مدرسة الاميركيتين "تم تمويلهم من خزانة برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي المقدم من خلال تشريعات المساعدة الأجنبية".

أثار كشف قائمة بأسماء أفراد جرى تدريبهم في مدرسة الأميركيتين ممن تورّطوا في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى الكشف عن أن مواد التدريب المستخدمة في المؤسسة تشرعن التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء، موجة غضب عارمة في التسعينيات حيث طالب المتظاهرون بإغلاق المدرسة وإنهاء برامج التدريب العسكري وأشكال الدعم الأخرى للأنظمة القمعية في أميركا اللاتينية. من جهة أخرى قدّم أعضاء في الكونغرس تشريعاً يقضي بوقف التمويل عن المدرسة ودعوا إدارة كلينتون إلى إغلاقها.

برنامج التدريب اليوم

 لم يبرز برنامج في الوقت الحاضر مثل برنامج التدريب العسكري الأميركي سابقاً والذي دعم تركيا في حربها ضد الكرد حيث ارتكبت أفظع الانتهاكات. وعلى الرغم من انتهاء حقبة الحرب الباردة إلا أن الولايات المتحدة لازالت مستمرة في دعم الجيش التركي والقوميين المتشددين في تركيا، مع عدم اهتمامها بمصير من سيكون ضحية هذا الدعم.

بين عامي 1950 و 2020 كانت تركيا تعتبر أكبر متلقٍ لأموال البرنامج الدولي للتعليم والتدريب العسكري على مستوى العالم، في وقت خصصت فيه وزارة الخارجية الأميركية 220 مليون دولاراً لتدريب الأفراد الأتراك خلال تلك الفترة الزمنية. في سنة  2004 تلقّت تركيا نحو 5 ملايين دولار من مساعدات البرنامج الدولي للتعليم والتدريب العسكري _ والذي يُعدّ أكبر دعم إجمالي سنوي ليس فقط على مستوى تركيا بل لجهة عدم حصول أية دولة خلال القرن 21 على مثل هذا المبلغ.

لم يتغيّر أسلوب تركيا في التعامل مع القضية الكردية عن السابق. على الرغم من فشل المحاولات الرامية لطمس الهوية الكردية في الثمانينيات وذلك نتيجة لكفاح حزب العمال الكردستاني المسلّح والانتفاضة الشعبية للكرد، بالإضافة إلى المسار السياسي المدني المؤيد للكرد الذي يتعرّض لمضايقات ولكنه يقاومها، إلا أن نظام حزب العدالة والتنمية اليميني، لا يزال يرى في القضية الكردية خطراً، وأن الحل العسكري هو الكفيل بالقضاء عليها، حيث لم يختلف عن القادة الأتراك من قبله خلال فترة الانقلاب.

تحت ذريعة "محاربة حزب العُمّال الكُردستاني" تحتل تركيا اليوم أراضٍ واسعة في العراق وسوريا، وتمارس سياسة تطهير عرقي بحق الكرد و الأٌليات الدينية مثل الإيزيديين والآشوريين بالإضافة إلى أقليات أخرى، ودعم الميليشيات الجهادية والدفاع عنها خاصة تنظيم داعش، إلى جانب اعتقال آلاف من المدنيين بحجج واهية ألا وهي "الإرهاب" من ضمنهم نواب منتخبون بشكل ديمقراطي ورؤساء بلديات من حزب الشعوب الديمقراطي وأحزاب أخرى.

يواصل المسؤولون الذين دربتهم الولايات المتحدة تنفيذ هذه السياسات القمعية. وقد ضمّت الوثيقة الصادرة عن وزارة الدفاع الأميركية والتي تم إقرارها عام 2018 لتتبع المسؤولين الذين درّبوا من خلال البرنامج الدولي للتعليم والتدريب العسكري وأصبحوا في مناصب رفيعة المستوى في بلدانهم نحو 70 شخصاً من تركيا. ولعل أبرز هؤلاء الأشخاص هو وزير الدفاع خلوصي أكار الذي تدرّب في الولايات المتحدة بين كانون الثاني/ يناير و حزيران/ يونيو عام 1987.

منذ تولّيه منصب وزير الدفاع عام 2018 كانت سياسة أكار الخارجية مبنية على العنف والاضطهاد، بدءاً من غزو تركيا لمناطق شمال و شرق سوريا مروراً بالهجمات بين الفينة والأخرى ضد إقليم كردستان العراق وصولاً إلى عمليات التصفية التي تتم خارج إطار القانون بحق القادة الكرد الذين قاتلوا تنظيم داعش و بذلوا جهوداً جبّارة في سبيل تحقيق الاستقرار في مناطقهم.

ومما يدعو للسخرية فرض الولايات المتحدة عقوبات على كل من أكار ووزارة الدفاع التركية بتهمة "تعريض المدنيين العزل للخطر" و "تقويض حملة محاربة تنظيم داعش" بعد غزو تركيا في عام 2019 لمدينتي سري كانيه (رأس العين)  و كري سبي (تل أبيض) في سوريا.

في الوقت الذي تشنّ فيه اليوم تركيا غزواً عسكرياً جديداً ضد إقليم كردستان وتضيّق الخناق أكثر من أي وقت مضى على المعارضة الكردية وغير الكردية، طلبت وزارة الخارجية التركية مبلغ 1،450،000 دولاراً كمساعدات من برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي للبلاد للسنة المالية 2023. وبالنظر إلى سجل البرنامج الحافل بدعم الاستبداد، لا يمكن تفسير هذا الدعم إلا أنه يصب في مصلحة الديكتاتورية وإطالة أمد الحرب، فضلاً عن استخدام الخيار العسكري كحل للقضية الكردية ولكن جميع هذه السياسات باءت بالفشل ولم تجلب للمنطقة سوى الموت و الدمار.

 

* نشر المقال في مركز التقدم الدولي بتاريخ 5 أيار/ مايو 2022