الاستثمارات الروسية.. ملاذات محدودة للنجاة من العقوبات

السبت 30-04-2022 | AM 12:22 روبل

رؤوف بكر

فرض الغرب ودول حليفة حِزماً من العقوباتٍ الاقتصادية على روسيا رداً على حربها ضد أوكرانيا في 24 فبراير الماضي. ونزحت في الوقت ذاته الكثير من الشركات الأجنبية من السوق الروسية جراء العزلة العالمية التي تشهدها روسيا سواءً لجهة إبعاد مصارفها عن نظام "سويفت" المالي أو حتى الانخفاض الكبير في حركة الطيران من و إلى روسيا.

تشير التقديرات إلى وجود ما يصل إلى 60 في المئة من ثروة الروس في الخارج، أي ما يعادل نحو 600 مليار دولار أميركي. وتطرح مبالغ بهذا الحجم وعقوبات غير مسبوقة طالت مختلف المؤسسات المالية ورموز الأوليغاركية الروسية، تساؤلات عن الوجهة المقبلة المفضّلة للأغنياء الروس واستثماراتهم، خاصةً مع اتّباع العديد من الجنات الضريبية والمراكز المالية حول العالم، مثل موناكو وجزر كايمان وسويسرا، نهج الغرب، و إنْ بدرجاتٍ متفاوتة. وتبدو الخيارات محدودة أمام رجال الأعمال الروس وتنحصر في دول لا ترى بالضرورة أنها مضطرة إلى الانضمام إلى نادي العقوبات ما لم يصدر قرار من الأمم المتحدة بهذا الصدد وتتمتع في الوقت ذاته بعلاقاتٍ قوية مع موسكو.

مؤخراً، كشفت تقارير مساعي مصارف روسية إصدار بطاقات مصرفية تدعم نظام "يونيون باي" الحكومي الصيني للدفع كبديل عن "سويفت" و"ماستر كارد" وفيزا" وغيرها من أنظمة الدفع والتحويل. كما ارتفعت طلبات الشركات الروسية فتح حسابات جديدة في مصارف حكومية صينية لدى العديد منها فروعاً في موسكو مثل البنك الزراعي الصيني، البنك الصناعي والتجاري الصيني، بنك الصين وبنك التعمير الصيني. ولكن، تحمل إمكانية التعامل بالعملة الصينية "يوان" من قبل هذه الشركات وفتح حسابات بها مخاطر عديدة، أقله على المدى القصير، بسبب التذبذب في سعر الصرف بين "يوان" و"روبل"، الأمر الذي دفع بعض المصارف الصينية إلى تخفيض تمويل السلع الأساسية الروسية. وإن كان "روبل" استرد شيئاً من استقراره في الآونة الأخيرة بعدما هبط سعر صرفه إلى مستوى قياسي مقابل الدولار بلغ 150، إلا أن هذا التعافي مرتبط فحسب باستمرار الدول الأوروبية في شراء الغاز الروسي وبالتالي دعم العملة الروسية بشكلٍ غير مباشر.

ويقول الخبير الاقتصادي والزميل الأقدم في مركز "صندوق مارشال الألماني" للأبحاث في الولايات المتحدة جاكوب كيركيغارد في تصريحاتٍ خاصة لـ"المركز الكردي للدراسات"، إن الروس "يريدون بعد فرض العقوبات الغربية عليهم الاستثمار في دول مألوفة  (ذات توجه غربي مثلاً) وحيث يوجد لروسيا بالفعل علاقة اقتصادية، وحيث يمكنهم الوصول إلى خدمات لم تعد متوفرة في بلادهم، بما في ذلك اقتصاد متطور تقنياً والمرافق الفاخرة المعتادة". ويضيف كيركيغارد أن "على رأس القائمة للوجهات الجديدة للاستثمارات الروسية أماكن مثل إسرائيل ودبي وربما الهند"، موضحاً أن الروس "يريدون نظاماً مالياً متطوراً بدرجة كافية لإجراء تحويلات مالية سريعة دون تمحيصٍ شديد وحكومة محلية متساهلة".

وبشأن التبعات المحتملة لمثل هذا التوجه، ينوه كيركيغارد إلى أن "الخطر الرئيسي يتمثل في أن أي دولة ذات حجم كافٍ لجذب استثمارات روسية كبيرة ستثير امتعاض الغرب سياسياً وتُعرض مؤسساتها المالية إلى عقوبات من قبل الولايات المتحدة و/أو الاتحاد الأوروبي". ويوضح أنه "على هذا النحو، هذا نوع من الحل المؤقت لأن الأموال الروسية ستدخل ثم تخرج من الدول أو الكيانات تحت رقابة الحكومات الغربية"، مضيفاً أن ذلك "يعتبر ذا صلة بشكل خاص بالنسبة إلى الحكومات المضيفة التي لها علاقات سياسية واقتصادية مهمة مع الغرب". ويلفت الخبير الاقتصادي في مركز "صندوق مارشال الألماني" للأبحاث إلى أنه "بذلك، ربما لن يكون من الممكن لإسرائيل على سبيل المثال جذب الكثير من الأموال الروسية من دون أن تستجلب رد فعل سياسياً من حكومة الولايات المتحدة. ويعتبر كيركيغارد أن "الاستثمارات الروسية ستتدفق من بلدٍ إلى آخر بهذه الطريقة، ولكن من غير أن تكون قادرة لربما على الاستقرار في بلدٍ واحدٍ على وجه الخصوص بسبب تجاوز العديد من هذه العقوبات الحدود الوطنية وأهميتها السياسية بالنسبة إلى الغرب". ويؤكد في الوقت ذاته أن "الفارق الوحيد يكمن في الصين"، مستطرداً أنه في هذه الحالة "ستواجه الاستثمارات الروسية تحدي تجنب المخاطرة في أوساط المصارف الحكومية الصينية حيث أنه نظراً لصغر حجم الاستثمارات الروسية بالنسبة إليها، لن تهتم كثيراً بتلك الاستثمارات في البداية وستخشى التعرض إلى العقوبات الأميركية في حال تسهيلها تلك التعاملات المالية".

وتراقب الولايات المتحدة أي عملية تسوية أو تصفية للصفقات والمعاملات المالية عبر نظام "دار المقاصة للمدفوعات بين المصارف" في نيويورك، المسمى اختصاراً "تشبس"، الذي يضم في عضويته عشرات المؤسسات المصرفية الغربية ويمكن من خلاله فرض عقوبات على من يخرق حظراً مالياً ما على أي جهة.

كما تبدو وجهات عربية مرشحة كذلك لجذب الاستثمارات الروسية بفضل التسهيلات في إجراءات فتح الحسابات المصرفية والتحويلات وتسجيل الشركات. وبحسب إحصاءاتٍ رسمية، تحتل الإمارات العربية المتحدة مركز الصدارة بين دول الخليج كوجهة مفضلة للسياح الروس، إذ زارها نحو 256.000 ألفاً في الثلث الأول من العام الماضي، بينما يتوقع أن تحظى وحدها بنسبة 90 في المئة من الزوار الروس لدول الخليج بحلول 2026. وتحدثت تقارير في الآونة الأخيرة عن تدفق الأموال الروسية إلى دبي وارتفاع طلبات تحويل الأموال وفتح حسابات وشراء عقارات، بما فيها بالعملات المشفّرة.

وفي هذا السياق، تقول الخبيرة في الشأن الروسي والباحثة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى آنا بورشفسكايا في تصريحاتٍ خاصة لـ"المركز الكردي للدراسات"، إن "عدداً كبيراً من الأثرياء الروس يتوجه إلى الإمارات العربية المتحدة، حيث كان لدى العديد منهم أعمالاً تجارية هناك، وكان الخليج بشكل عام مكاناً مهماً للروس من ناحية الأعمال التجارية". وتستطرد: "كما أظن أن البعض سيجد طريقه إلى تركيا. وتساعد الصين من جانبها روسيا أيضاً على إيجاد بدائل للتعاملات المالية، ومن المقدّر أن تتعزز علاقة روسيا بالصين بشكلٍ كبير نتيجة عزلة روسيا من قبل الغرب". وتضيف بورشفسكايا فيما يخص الآفاق الاقتصادية وانعكاساتها المختلفة أنه "من المؤكد أن العلاقة بين روسيا والصين كانت تتقارب بالفعل بغض النظر عما يفعله الغرب، لكن أزمة أوكرانيا لا بد أن تقرّب روسيا والصين أكثر"، موضحةً أن هذه التطورات "قد تضع الصين في موقعٍ اقتصاديٍ وجيوستراتيجيٍ أقوى، حيث تلعب بكين دوراً فاعلاً في الشرق الأوسط". وتلفت إلى أن "آثار العقوبات ستكون مدمّرة بالنسبة إلى روسيا على المدى الطويل. لذا، بالنظر بعيداً في الأفق، يمكن أن تستفيد الصين من هذا الوضع".

ولعل من أهم العوامل التي تجعل إسرائيل مهتمة بجذب الاستثمارات الروسية، فضلاً عن طبيعة علاقتها الخاصة بموسكو، هو أن نحو 15 في المئة من مواطنيها يتحدثون الروسية ويحمل بعضهم جنسيتي البلدين مثل الملياردير رومان أبراموفيتش مالك نادي تشيلسي الإنكليزي الذي أعلن عزمه بيع النادي على خلفية العقوبات وغادر "لندن غراد" وهو اللقب الذي أطلق على العاصمة البريطانية لشعبيتها بين النخبة الروسية الثرية.

وتجد إسرائيل منافسةً من أنقرة في لعب دور الوسيط بين الروس والأوكرانيين لحل الأزمة، في وقت تبرز تركيا مرشحةً لاستقبال الأموال الروسية خاصةً في قطاعات الطاقة والعقارات والضيافة. وتتداول الأوساط المالية التركية فرضية التعامل بنظام المقايضة المسمى "سواب" للالتفاف على "سويفت" وهو المسار ذاته الذي يبدو أن الهند، حليف الكرملين التقليدي، تتجه إليه في ظل رغبتها في تعزيز التعاون في مجال الطاقة على وجه الخصوص. ويناقش المصرف المركزي الهندي إمكانية اللجوء إلى "سواب" بما يسمح ربط "روبية" بالعملة الروسية، بحيث يودع "روبل" في المصارف الهندية قبل تحويله إلى "روبية" وبالعكس، مع تحديد سعر الصرف بشكل مسبق. ومن ثم، تُستخدم المبالغ في تسوية قيمة التعاملات التجارية. لكن الغموض يلفّ احتمال إقدام الصين على تبنّي "سواب" بالنظر إلى أن اقتصادها نفسه يعتمد على الدولار الأميركي في تعاملاته، إذ أن سلع أكبر مُصدّر في العالم تُشترى بالدولار بشكل أساسي.

من جهته، يبدي الرئيس التنفيذي لمركز دراسات السياسة الأوروبية، ومقره بروكسل، كاريل لانو تشاؤمه بشأن مستقبل الاستثمارات الروسية، متسائلاً عن "ماهية الثروات المتبقية على اعتبار أن كل شيء تحت العقوبات الآن". ويوضح لانو في تصريحاتٍ خاصة لـ"المركز الكردي للدراسات"، أن هناك "فترة طويلة من عدم اليقين بالنسبة إلى الروس الذين يستثمرون في الخارج. يمكن المقارنة مع العقوبات على إيران وفنزويلا. الذّمم المَدينة ما زالت قائمة، كما سيكون هناك الكثير من المطالبات، في حين تقدر الخسائر المادية اليوم بنحو 200 مليار يورو". ويضيف لانو بشأن الفرص التي يمتلكها رجال الأعمال الروس للاستثمار بعيداً عن الغرب أن "معظم البلدان غير منفتحة على الاستثمار الأجنبي المباشر كما هو الحال في أوروبا; وحتى الولايات المتحدة أكثر تشدداً" في قوانين الاستثمار الأجنبي المباشر. ويشير إلى أن ما يتبقى للروس في هذه الحال "بعض ملاذات ما وراء البحار والهند وإندونيسيا لربما، بينما لا أعتقد أن أسواق رأس المال في الشرق الأوسط بحاجة إليهم".

وبما أن عزل الاقتصاد الروسي عن النظام المالي العالمي يعني التخلي عن استثمارات بقيمة عشرات مليارات الدولارات، فإن معرفة الوجهات التي سيتوجه إليها رجال الأعمال الروس وشركاتهم ومدى ترسّخ استثماراتهم فيها، ستتوقف على ما إذا كان الغرب ينوي توسيع العقوبات تجاه موسكو والمدة التي ستستمر فيها تلك العقوبات في حال فشل أو تعثر الحل السياسي.

 

* رؤوف بكر، صحافي وباحث مهتم بقضايا الشرق الأوسط والشؤون الأوروبية.