إلى متى تصمد تركيا في الموازنة بين الغرب وروسيا؟  

الجمعة 29-04-2022 | AM 12:23 أوكرانيا

جنكيز تشاندار

قال سفيرٌ تركي متباهياً في مؤتمر دولي مؤخراً "إن إجراء المفاوضات في تركيا بين روسيا و أوكرانيا هو الخيار الوحيد لإيقاف حمَّام الدم في هذه المرحلة".

وقد استضافت تركيا أولَّ اجتماع ضمّ وزيري الخارجية الأوكراني و الروسي منذ بداية الحرب ويُعتبر الوحيد في هذه المرحلة، إلى جانب عقدها جولة من المفاوضات بين الوفدين الأوكراني و الروسي، ورغم أن الاجتماعين في اسطنبول لم يفضيا إلى نتائج إيجابية، إلا أنّ ذلك كان الخيار الوحيد المُتاح لعقد مفاوضات مباشرة بين الطرفين.

وعلى ما يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس لديه الرغبة في السلام في هذا التوقيت، لذا فإن فشل المفاوضات في الوصول إلى وقف لإطلاق النار لا علاقة لتركيا به، كما أنَّ احتمال استمرار الحرب لمدة طويلة أثارت تساؤلات حول إمكانية تركيا مواصلة الحفاظ على التوازن مع كل من روسيا و أوكرانيا، وحول المدة التي تستطيع فيها الاستمرار في عدم فرض عقوبات ضد روسيا.

إن عملية الموازنة التركية المتواصلة نابعة من الحاجة و الاختيار، في وقت كان فيه موقف تركيا المبدئي منذ ضمّ شبه جزيرة القرم عام ٢٠١٤ و الغزو الروسي لأوكرانيا، موالياً لكييف، فلم تعترف تركيا بضمِّ شبه جزيرة القرم أو انتهاك سيادة ووحدة الأراضي الأوكرانية.

وفي خضم تصاعد التوترات بين موسكو والعواصم الغربية، قام الرئيس رجب طيب أردوغان بزيارة كييف قبل نحو ثلاثة أسابيع من الغزو الروسي، ووقَّع اتفاقيات تعاون عسكري وتجاري مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ورغم ذلك، لا غنى لتركيا عن روسيا، فهي تعتمد على الأخيرة من ناحية استيراد الطاقة والمنتجات الزراعية، وخاصة الحبوب و زيت دوّار الشمس، علاوة على ذلك يعتمد قطّاع السياحة في تركيا على السُيّاح الروس.

كما تعمل روسيا على إنشاء أول محطة للطاقة النووية في تركيا بتكلفة ٢٠ مليار دولار، وتستورد تركيا من روسيا نحو ٤٥ ٪ من الغاز الطبيعي لتغطية حاجة السوق المحلية و نحو ١٧ ٪ من المشتقات النفطية الأخرى، كما كرَّرت تركيا في عدة مناسبات بأنها لن تنضم إلى الدول التي فرضت عقوبات على روسيا.

إن الموقف التركي هذا نابع عن سياسة أردوغان التي تبنتْ نهج الاستقلالية الإستراتيجية وهو تفسير مُتخيل لسياستها الخارجية الأوروآسيوية و التي اكتسبتْ زخماً بعد عام ٢٠١٦ ويمكن اعتبارها ابتعاداً بشكل تدريجي عن الغرب.

بقيت تركيا في عهد الرئيس عصمت إينونو على الحياد خلال الحرب العالمية الثانية، وقد استطاع بحنكة الموازنة بين دول الحلفاء و المحور. إنَّ هذه الخلفية التاريخية و مقولة كمال أتاتورك "تحقيق السلام في الوطن و العالم" تصبُّ في مصلحة أردوغان لأنها تكمِّم أفواه معارضة الداخل ضده.

ولكن رغم ذلك لا يبدو أن موقف أردوغان من روسيا سيصمد كثيراً في حال طال أمد الحرب، فلن يكون هناك مجال للحياد، باعتبار أنَّ تركيا عضو في التحالف الغربي، وفي وقت تسعى فيه دول محايدة مثل السويد و فنلندا إلى الانضمام لحلف شمال الأطلسي.

كان تحذير وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين من تداعيات تقويض العقوبات ضدَّ روسيا موجهاً بشكل أساسي إلى الصين و بشكل غير مباشر إلى تركيا. وقد أدلت يلين بهذه التصريحات خلال اجتماع المجلس الأطلسي قبل نحو أسبوع من الاجتماع السنوي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

في نهاية المطاف سيتوجب على تركيا الاختيار بين روسيا أو الغرب، و لكن نظراً لقوة العامل الأوروآسيوي داخل مركز صنع القرار التركي و التيار المؤيد لروسيا في الدوائر الموالية للحكومة  ليس من المؤكد أن تقف تركيا إلى جانب حلفائها الغربيين ضدَّ روسيا.

ومع بداية اندلاع الحرب استضافت تركيا عدداً كبيراً من الشخصيات الدولية المؤثرة مثل الأمين العام لحلف شمال الأطلسي و المستشار الألماني الجديد أولاف شولتز. علاوة على ذلك، فقد تمت الإشادة بتفعيل تركيا لاتفاقية "مونترو" التي تمنع بموجبها دخول السفن الحربية من المضائق التركية إلى البحر الأسود.

وبرزت أهمية اتفاقية "مونترو" بعد غرق الطَّراد الروسي "موسكفا" وعدم استطاعة روسيا إحضار سُفنها الحربية إلى البحر الأسود، خاصة وأنها تمتلك ثلاثة طَّرادات في ترسانتها العسكرية، وقد عززت الحرب عن غير قصد الجغرافية السياسية الشائكة لتركيا.

في ٢٦ آذار/مارس نشرت الدورية البريطانية "ذا سبيكتاتور" على غلافها  رسماً كاريكاتورياً لأردوغان كسلطان بعنوان: "سبب تدهور تركيا" وكتب أوين ماثيوز :« إن أردوغان يُسابق الزمن لإصلاح العلاقات بين اثنين من أهم شركائه التجاريين وخاصة الولايات المتحدة، كما أن دعْمَ أردوغان لحلٍّ يحفظ ماء وجه بوتين سيكلِّفه باهظاً في علاقته مع حلفائه في حلف شمال الأطلسي».

في حال بقي الغرب و حلف شمال الأطلسي متحديْن فلن تستطيع تركيا الصمود في النأي بالنفس عن فرضْ عقوبات ضدَّ روسيا، ولكن إنْ حدث شقاق داخل التحالف الغربي سيدفع بأردوغان إلى الاستمرار في تبني مفهوم الأوروآسيوية باعتباره شكلا من أشكال الاستقلال الإستراتيجي.

 

* المقالة نشرت في المونيتور بتاريخ 22 نيسان 2022