هل هناك مستقبل للنظام الدولي متعدد الأطراف؟

الأحد 10-04-2022 | PM 04:34 un2022

رفيق دوساني

ليس من المستغرب فشل الأمم المتحدة في اتخاذ إجراءات من شأنها ردع الغزو الروسي لأوكرانيا، فهذا هو الاتجاه السائد و المستمر منذ نحو عقدين من الزمن و الذي أثبت عجز المنظمات الدولية متعددة الأطراف من معالجة التحديات الدبلوماسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية حول العالم.

ونتيجة لذلك، فقد تصاعد دور قوتين متنافستين على مستوى العالم. القوة الأولى هي الميل إلى استخدام التكتلات الغير رسمية مثل الحوار الأمني الرباعي، أما القوة الأخرى فهي انتشار التكتلات الإقليمية.

لقد أضعفت هاتين القوتين من عمل المنظمات الدولية و يمكن أن يؤدي ذلك للعودة لحقبة الحرب الباردة التي استمرت لعقود، كما أثارت تساؤلات حول مدى استمرار هذه المنظمات الدولية في عملها على المدى الطويل.

بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، أظهرت تعدّدية الأطراف قوتها في نظام عالمي أصبح متحداً أكثر من قبل. فقد حققت هذه التعددية نجاحات هامة حول العالم من أبرزها دور مجلس الأمن الدولي عام ١٩٩٢ في تسوية الصراع في منطقة البلقان، تحديداً بالبوسنة و الهرسك في أعقاب حرب (١٩٩٢ – ١٩٩٥)، و حرب كوسوفو ( ١٩٩8 – ١٩٩٩). كذلك دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تنفيذ إطار العمل المتفق عليه في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1994 فيما يتعلق بإغلاق المفاعلات النووية في كوريا الشمالية. كما أسست منظمة التجارة العالمية عام ١٩٩٥، ناهيك عن دور منظمة الصحة العالمية في مكافحة وباء متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس) عام ٢٠٠٣.

بدأ النظام الدولي متعدد الأطراف بالضعف بعد الخلافات التي شهدها مجلس الأمن الدولي حول العراق عام ٢٠٠٢. فبعد أن  فشلت الولايات المتحدة في إقناع كل من فرنسا وروسيا – عضوين دائمين بمجلس الأمن – بالموافقة على غزو العراق، أنشأت تحالفاً خاصاً من أجل هذا الهدف. في عام 2013، فشلت الولايات المتحدة مرة أخرى في الحصول على موافقة مجلس الأمن للتدخل العسكري في سوريا، لتعودة مرة ثانية لإقامة تحالف من أجل تحقيق هدفها.

وبناء على ما ذكر سابقاً من أمثلة عن تزعزع النظام الدولي متعدد الأطراف، فقد أدى ذلك بدوره إلى تشكيل تحالف عالمي غير رسمي. وفي بعض القضايا، كانت التحالفات الإقليمية بديل أفضل عن النظام الدولي. إن مثل هذا التفكير كان الدافع وراء المحادثات السداسية من أجل نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية عام 2003.

بعد أن تجدد الصراع عام ٢٠٠٩ حول الحقوق البحرية في بحر الصين الجنوبي وفشل الاحتكام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، سلكت المفاوضات منحى آخر، وهذه المرة عبر رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) التي تتفاوض منذ تلك الفترة على مذكرة تفاهم مشتركة فيما يتعلق بهذه القضية مع الصين.

علاوة على ذلك، فإن فشل منظمة التجارة العالمية في تسوية المنازعات وتجارة الخدمات قد أخرجها من مركز تنسيق التجارة الدولية، وبالتالي تصاعد دور المنظمات الإقليمية مثل الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تُركز على آسيا وتقوم بتنسيق التجارة فيما بينها و بقية العالم.

ومما سبق يتضح أن البدائل عن النظام الدولي متعدد الأطراف تنطوي على نتائج متفاوتة. بالنسبة لبعض الخدمات العامة مثل برامج المساعدات الغذائية و دعم اللاجئين والرعاية الصحية وتغير المناخ، فإن البدائل للنظام متعدد الأطراف محدودة، وفي مثل هذه الحالات فإن الابتعاد عن التعددية ستكون نتائجها سلبية أكثر مما هي إيجابية.

على سبيل المثال، أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتقلص حجم التمويل المقدّم لها الذي يزداد عاماً تلو الآخر. ففي اليمن مولت برامجها للاجئين بنحو ١٢ ٪ فقط هذه السنة، أما في أفغانستان فقد وصلت إلى ٣٠ ٪. و في ظل تقلص دور و عمل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لا يوجد بدائل عنها على الأرض تقوم بهذه المهمة.

على مدى العقد الماضي، اتسعت الهوة فضلاً عن غياب الثقة بين البلدان المتقدمة و النامية بشكل كبير، مما أدى إلى جمود طال مجالات عدة.  ونتيجة لعدم جدية الدول العظمى في التعامل مع قضية التغيّر المناخي _وهذا ما برز جلياً خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي " كوب ٢٦" الذي جرى عقده في شهري تشرين الأول (أكتوبر) و تشرين الثاني (نوفمبر) بمدينة غلاسكو_ دفع ذلك بأحد المراقبين في صحيفة الغارديان البريطانية ويدعى جون فيدال إلى خلاصة أنه :" فشل مؤتمر غلاسكو في تحقيق أهدافه من حيث التزام الدول بالإيفاء بتعهداتها خاصة فيما يتعلق بالتخلص التدريجي من الفحم و تقليص الدعم المالي فضلاً عن حماية الغابات".

لماذا يبدو أن النظام الدولي متعدد الأطراف بدأ يفقد قيمته؟ لا توجد إجابات دقيقة و حاسمة على هذا السؤال، لكن من المحتمل أن هذا النظام بدأ يتدهور نتيجة لما نشهده اليوم من ظهور نظام متعدد الأقطاب، والذي بدأ مع تنامي قوة كل من الصين وروسيا في الفترة الممتدة بين (٢٠٠٠ – ٢٠١٠).

و ليس من باب المصادفة أن النظام الدولي متعدد الأطراف كان فعّالاً فقط خلال حقبة النظام أحادي القطب الذي برز في أعقاب الحرب الباردة، و قد يكمن الخلل في جوهر هذا النظام المتعدد الأطراف، فضلاً عن قواعده التي أصبحت متداعية و قديمة، لذلك فهو بحاجة إلى تصحيح الأخطاء و إجراء عملية تحديث، و غالباً ما يكون من الصعب سياسياً تحقيق الإصلاحات، مما يدفع للبحث عن بدائل إقليمية أو غير رسمية بمقدورها اتخاذ إجراءات مُنسقة وسريعة.

هل سيستمر النظام متعدد الأطراف بالتراجع و الضعف؟ من الصعوبة التكهن بذلك في ظل تناقض في وجهات النظر بين كل من الصين و الولايات المتحدة، خاصة أن الأخيرة لم تعد تبدي اهتماماً أكثر بهذا النظام في الوقت الحالي، وهذا ما سعى إليه ترامب بتسريعه للتحول عن هذا النظام متعدد الأطراف والذي بدأ بشكل فعلي في عهد الرئيس جورج بوش الابن عام ٢٠٠١.

أما إدارة بايدن فعلى الرغم من مشاركتها الجزئية في النظام متعدد الأطراف والتي رفضها ترامب مثل منظمة الصحة العالمية، فقد فضّلت المسار الغير رسمي و الإقليمي ويظهر ذلك من خلال الحوار الأمني الرباعي "كواد" (Quad)، و تحالف أوكوس (AUKUS)  _اتفاق أمني ثلاثي يضم كل من أستراليا و بريطانيا و الولايات المتحدة_على النظام متعدد الأطراف .

من ناحية أخرى، دأبت الصين إلى توسيع التزامها تجاه المنظمات الرسمية و الدولية وإن كان ذلك يتماشى مع معاييرها و أهدافها، وخطت أبعد من ذلك بكثير بإنشاء نظام متعدد الأطراف خاص بها وهو "مبادرة الحزام والطريق".

وفي حال فشل النظام متعدد الأطراف فإنه سيثير جملة من التحديات حول كيفية معالجة القضايا الدولية العامة، و من الصعوبة تحديد ما إذا كان استبداله سيكون إقليمياً مبنياً على القواعد الدولية أو تحالفات كيفية عالمية غير رسمية. وفي كلتا الحالتين، قد يكون انهيار النظام متعدد الأطراف احتمالاً وارداً و أمراً غير مُستحب.

 المصدر:مؤسسة راند

ترجمة: المركز الكردي للدراسات