٧ فرضيات يتوجب على الولايات المتحدة تفاديها ضد روسيا في أوكرانيا

الإثنين 28-03-2022 | PM 09:25 turkey

مايكل جونسون

شكّل الغزو الروسي المتواصل لأوكرانيا مأساة إنسانية من عدة نواحٍ. فمن ناحية الخسائر البشرية والمادية فقد العديد من الأوكران حياتهم وأحبائهم ومنازلهم وخسروا وظائفهم وحرّياتهم بسبب الغزو، ومن الناحية الجيوستراتيجية، خسر الغرب الرهان الذي بنوه سابقاً على سياستهم الخارجية واستراتيجية الدفاع المتعلّقة بمواجهة وإيقاف تمدد روسيا.

بعد نحو عامين من غزو روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 نشر حلف شمال الأطلسي كتيبةً في كل دولة من دول البلطيق في إشارة منه لإلتزامه بأمنها. ولو كانت روسيا قد غزت في شباط / فبراير دولة أخرى في البلطيق بدلاً من أوكرانيا، فإن حلف شمال الأطلسي لن يستطيع الوقوف بوجه الأطماع الروسية، وسيرضخ للأمر الواقع كما يحدث اليوم في أوكرانيا.

ولو حدث ذلك، كان سيكون الرئيس الأمريكي وحلف شمال الأطلسي في موقف لا يُحسدون عليه، وسيكون أمامهم إما اللجوء إلى فرض عقوبات صارمة ضد روسيا أو استخدام السلاح النووي أو إرسال القوات والإمدادات إلى تلك الدول لشهور لشن هجوم مضاد ضد روسيا، وجميع هذه الإجراءات هدفها الوقوف بوجه التهديدات النووية الروسية التي تسعى روسيا من خلال التلويح بها إلى زرع الخوف والهلع في حلف شمال الأطلسي وثنيه عن حماية دول البلطيق.

إن توفير غطاء الحماية لأعضاء حلف شمال الأطلسي من أي عدوان محتمل هو أمر بالغ الأهمية وذي تكلفة أقل مقارنة بتحريرها بعد احتلالها. لكن حلف شمال الأطلسي يفتقر إلى الإجماع السياسي الضروري من أجل استقدام قوات كافية قادرة على الصمود في حال حدوث عدوان، وذلك وفقاً لما رأته دراسة لمؤسسة "راند" شاركتُ في تأليفها بعنوان "تقوية الخاصرة الشرقية لحلف شمال الأطلسي لصدّ اي عدوان محتمل" والتي نُشرت عام 2016. لماذا لم يتم التوافق بين أعضاء حلف شمال الأطلسي إلا على نشر 4 كتائب فقط، تعمل بالتناوب وبشكل دوري، وهي تشكّل 25 ٪ فقط من القوة التي أوصت بها الدراسة؟

بعد الغزو الروسي لأوكرانيا مؤخراً، من المرجح أن تسعى الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لإعادة تقييم الفرضيات والمناقشات التي أثارتها عدة مصادر سواء كانت حكومية أو داخل الأوساط الأكاديمية على مدى السنوات السبع الماضية، والتي حدّت من الردع العسكري التقليدي في أوروبا:

1-     يتوجب على الولايات المتحدة ألا تنزلق في أُتون حروب أخرى أبديّة

تذهب هذه الفرضية إلى أنه يتوجب على الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي تجنّب المواجهة العسكرية المباشرة مع روسيا في أوكرانيا بسبب خطر نشوب حرب نووية. مع ذلك، فإن الاختيار الخاطئ بين المواجهة المباشرة والنأي بالنفس عما يجري، غالباً ما يُغفل الدور الدفاعي كبديل واقعي لمنع الصدام وإفشال السلام.

2-     لن تحدث حرب شاملة سواء في أوروبا أو آسيا بسبب تشعّب العلاقات الاقتصادية.

تؤكّد هذه الفرضية على أن الديكتاتوريين سيسلكون مسار القادة المنتخبين بشكل ديمقراطي من حيث تكاليف و مزايا الحرب. فالمستبدّون يتمتّعون بقدرة كبيرة على مقاومة المخاطر وقد يعطون الأولوية للمكاسب الاستراتيجية على التأثيرات الاقتصادية. بالإضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أن دعم العقوبات قد يُشكّل عبئاً على الغرب لفترة طويلة بسبب تأثير هذه العقوبات على التمويل المشترك والطاقة وسلاسل التوريد.

3-     إن نشر حلف شمال الأطلسي لقوات له في بولندا ودول البلطيق يعتبر أمراً استفزازياً وتهديداً لروسيا

لا توجد إرادة سياسية أو قدرة عسكرية لدى حلف شمال الأطلسي لغزو روسيا ولا يخفى هذا الأمر على بوتين . في حال أقدم حلف شمال الأطلسي على نشر 3 ألوية لتعزيز نظام الردع في دول البلطيق، فإن روسيا ستظل تدافع بميزة 1 ضد 10 وهو ما يتجاوز كثيرا نسبة 3 ضد 1 في حال كان النظام الدفاعي ناجحاً. لا تزال الأسلحة النووية الروسية تجعل تكاليف الغزو الروسي أكبر من الفوائد التي يجنيها. إن عدم نشر الغرب قوات في أوروبا الشرقية، والذي من شأنه استفزاز روسيا يعكس إما الأمل في حسن نية بغية مفاوضات دبلوماسية مع بوتين، والذي أصبح مستبدّاً ومخادعاً وغازياً،  أو كعمليّة تمويه لإخفاء قيام حلف شمال الأطلسي بإرسال الإمدادات والمعدات بالإضافة للقوات إلى أوروبا الشرقية.

4-     لن تقدم روسيا على مهاجمة حلف شمال الأطلسي بسبب المادة 5

تكون المادة 5 لحلف شمال الأطلسي، التي تنص على أنّ أيّ هجوم ضدّ أي عضو بالحلف هو هجوم على جميع الأعضاء، أكثر فاعليّة عندما تدعمها قوات مشتركة مُدّربة ومستعدّة للتصدّي للهجوم الروسي منذ اليوم الأول وليس بانتظار أشهر للرد. حتى لو تم الحاق الهزيمة بالروس في أوكرانيا لا يمكننا اعتبار ذلك بمثابة "بداية صفحة تاريخية جديدة". طالما أن القادة الروس يخشون القيم الديمقراطية ويحدّدون إزدواجيّة المصالح ويرفضون الوضع الراهن والنظام العالمي القائم على القواعد الحالية، ولديهم القدرة على شن حرب، يبدو من الخطورة الافتراض أن الحرب لن تندلع أبداً والتي ستجعل خاصرة حلف شمال الأطلسي الشرقية لقمة سائغة لبوتين ومعرضة لخطر الغزو الروسي.

5-     بمقدور حلف شمال الأطلسي التصدّي لروسيا عبر القوّة الجويّة. لذا، فإن تمركز قوات على الأرض في أوروبا الشرقية أمر غير ضروري أو مُلِح.

ليكون أداء القوّة الجويّة للحلف أكثر فاعلية، فإنه بحاجة إلى إسناد برّي يعملان معاً كفريق مشترك.  وعكس ذلك، يمكن للقوات الروسية التقدم والسيطرة بسرعة على الأهداف والتوغل داخل المدن ممّا يثير مخاوف الحلف بشأن الخسائر المدنية. يبلغ عدد سكان أوكرانيا 44 مليون شخص بينما يبلغ تعداد جيشها نحو 200.000 جندي لايزالون يقاتلون بشراسة ضد الغزو الروسي و منعه من التقدم . أما دول البلطيق فيبلغ عدد سكانها فقط 6.2 مليون نسمة بينما يبلغ تعداد جيشها 22000 جندي وهي هدف سهل نسبياً لروسيا. من غير الواقعي التكهّن أن دول البلطيق بإمكانها هزيمة العدوان الروسي على الأرض، بينما يتمتع حلف شمال الأطلسي بقدرة على التصدّي لها عبر القوّة الجويّة.

6-     يتوجب على الولايات المتحدة التعاون مع روسيا من خلال استراتيجية "كيسنجر العكسية " ضد الصين.

غالباً ما اصطدمت نظرية كيسنجر هذه (أي الموازنة) بالرفض من قبل الساسة الروس المتخرّجين من مدرسة المخابرات الروسية. وثمن التعاون الذي يطلبه بوتين ضد الغرب باهظ جداً مثل سحب قوات حلف شمال الأطلسي من أوروبا الشرقية وبالتالي يصبح أعضاء الحلف في ذلك الجزء معرّضين لخطر الغزو الروسي. إن التعاون مع روسيا غير مضمونة النتائج. هل ستعيد روسيا نشر قواتها الغربية على الحدود الصينية؟ هل ستُوقف روسيا صادرات الطاقة وتفرض العقوبات؟ هل ستهاجم روسيا الصين إذا أقدمت على غزو تايوان؟ جميع هذه الأسئلة صعبة التحقيق، فمن غير المرجح أن يحدث تعاون بنّاء مع روسيا يُفضي إلى احتواء الصين إلا حين تسمح الديمقراطية الروسية الحقيقية بتقليص التوترات مع الغرب، أو عندما تُمثل الصين تهديداً مباشراً لروسيا. وعلى كلٍّ لا يبدو أيّاً من هذه السيناريوهات قابلاً للتحقيق سواء في المستقبل القريب أو حتى البعيد.

7-     يتوجب على الولايات المتّحدة أن تترك مهمة أمن أوروبا للأوروبيين من أجل تركيز استراتيجية الدفاع والإنفاق على الصين.

في ظل تحوّل الصين إلى قوّة عظمى تسعى للهيمنة على آسيا وممارسة نفوذ عالمي، يبدو أن الأمريكيين سيكثفون جهودهم لاحتواء الصين وترك أمن أوروبا للأوروبيين. في حال فشل ردع العدوان الروسي على أوروبا الشرقية، فإن مصالح الولايات المتحدة الحيوية معرّضة للخطر خاصة وأن ذلك سيؤدي إلى نشوب حرب نووية. لا يتطلب التصدي لروسيا وجود قوات مثلما كان الحال إبّان الحرب الباردة. قد يكفي فيلق واحد فقط من الحلفاء بدلاً من ثمانية. والقوات الأمريكية موجودة بالفعل هناك. وفي حال أُتّخذ القرار في هذا الاتجاه، فإنّ وجود 3 ألوية متمركزة على الجانب الآخر للمحيط الأطلسي يعتبر أمراً خاطئاً. كما أن هناك وجود كثيف للقوات الأوروبية غير المدرّبة والمجهّزة بشكل ملائم. إذا أرادت الولايات المتحدة تحقيق بيئة أمنيّة "مستقرة ويمكن التنبؤ بها" في أوروبا للتركيز على الصين، فهناك خيارات أكثر فعاليّة ومتاحة تستحق الدراسة.

بغزوها لأوكرانيا أبطلت روسيا القانون التأسيسي للعلاقات المشتركة والتعاون والأمن الموقّع بينها وبين حلف شمال الأطلسي عام 1997. وفقاً لذلك أصبح الحلف له الحق في الرد وإرسال قوّات له إلى أوروبا الشرقية. من جانبها، يمكن للولايات المتحدة التفكير في إقامة مقر قيادة الفيلق الخامس والفرقة المدرّعة الأولى وتقديم الدعم لهذه الوحدات في بولندا. كما قد يقوم أعضاء حلف شمال الأطلسي بزيادة حجم القوّات في دول البلطيق إلى ثلاثة ألوية.

لمجابهة روسيا يحتاج حلف شمال الأطلسي إلى وجود معدّات على الأرض لتكون رديفاً للقوة الجويّة، بالإضافة إلى ضمان وصول الإمدادات للحفاظ على سير العمليات المشتركة وخاصة المزيد من الأسلحة المضادة للدروع. يمكن لحلف شمال الأطلسي أيضاً أن يعمل على تحديث أنظمته الهجومية الخاصة بأجهزة الاستشعار عن بعد، بحيث يمكن إرسال البيانات التي تلقتها من مقاتلات الشبح ومنظومة الأسلحة ذاتية التشغيل والقوات الخاصة بمنتهى الدقة إلى الجيش بسرعة قبل أن تتمكن منظومة الصواريخ المحمولة من تغيير موقعها.

غالباً ما تشنّ الدول الحروب عندما لا تقبل بالوضع الراهن وتعتقد أنّه بإمكانها جني فوائد أكثر من خلال القتال مقارنة بالمفاوضات. دأب الاستبداديون خشية من أن تؤدي الحرية إلى تغيير ديمقراطي من شأنه اضعاف أو اسقاط أنظمتهم، إلى سحق المعارضة الداخلية أو محاولة السيطرة على مجال نفوذ إقليمي. لم تتبدّل مصادر الحروب هذه، فقد كانت حاضرة قبل غزو الجيش الروسي لأوكرانيا في 24 شباط /فبراير.

عندما تكون الحسابات في شن الحروب وما يرافقها من تصعيد كارثي خاطئة كما يحدث اليوم في أوكرانيا، فإن الأهمّية القصوى التي تستحق إهتمامنا وإعادة تقييم افتراضاتنا تكمن في كيفية استعدادنا للتصدي لعدوان محتمل، وبالتالي عدم الانجرار إلى حرب شاملة.

المصدر: مؤسسة راند

ترجمة: المركز الكردي للدراسات