الحرب الروسيّة على أوكرانيا وخارطة الهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية

السبت 05-03-2022 | PM 08:32 turkey

صلاح الدين مسلم

ليست الحرب الروسيّة على أوكرانيا بين فريقين كرويين وأنت حرٌّ في الاختيار، وليست الحرب بين قطبين أو تيّارين متصارعين، فروسيا ليست دولة اشتراكيّة الآن، بل دخلت النظام العالميّ بطريقتها البوتينيّة، وأوكرانيا كذلك تريد أن تدخل هذا النظام بطريقتها، فكلتا الدولتان تساندان النظام القائم، وتسعيان إلى ديمومته، وفي الحرب الضحايا هم الشعب فحسب، والجيش أيضاً من الشعب بالضرورة، فكلا الجيشين ضحيّة النظام العالميّ المهيمن، وبالطبع ليس من حقّ روسيا أن تهاجم أوكرانيا بحجة أمنها القوميّ، وعلينا أن نعتبر الدفاع الأوكرانيّ عن وطنه دفاعاً مشروعاً، لكن لا أصدقاء لكلا الشعبين المتصارعَين، فكلا الدولتين تريدان أن تقضيا على الآخر، بعيداً عن مصالح الشعوب كالعادة.

كان بوسع الدولتين العودة إلى التاريخ المشترك، فبينهما نقاط التلاقي أكثر من نقاط الافتراق، وأكثر من نقاط الالتقاء بدولة تبعد عنها آلاف الكيلوميترات. من الغريب من الزاوية المجتمعيّة أن تتحالف دول مع بعضها مترامية الأطراف ضدّ جيرانها، لكنّ هذه هي عادات الدول منذ الأزل. 

الولايات المتحدة الأميركيّة والنظام الدولي

من الواضح أن النظام العالمي يعتاش على استمراريّة الحرب، فالولايات المتحدة تنزع الأسلحة من هذا وتلزم ذاك باقتنائها، وتدمر أسلحة ذلك وفق برنامج يتوافق مع مصالحها، ومصطلح العقوبات على الدول القوية مثل روسيا هو  مصطلح ملتبس، فكل ما هو ممنوع على روسيا ستحصل عليه بطرق أخرى. فالعقوبات تؤثر على الكيانات الضعيفة فحسب، والأسلحة النووية تهديد مباشر وغير مباشر للشعوب لِترضخ لهذا النظام المهيمن. فهناك تسع دول في العالم تمتلك أسلحة نووية (الولايات المتحدّة، الصين، روسيا، فرنسا، كوريا الشمالية، باكستان، الهند، بريطانيا، إسرائيل) فهل الدور على باقي الدول المهيمنة والخاسرة من الحرب العالميّة الثانية كي تحصل هذه الأسلحة؟

لقد تغيّر القادة في قرننا الحالي، فمعظم القادة لا يمتلكون الخبرة ومنقادون من أجهزة الاستخبارات، فمنذ وصول جورج بوش الابن إلى الحكم الذي كان يقوده نائبه ديك تشيني، تغيّرت هذه المعادلات، فترى شاباً شاذاً وصل الحكم، ومجنوناً متهوّراً، وشاباً لا يمتلك الخبرة، ورجل عصابات، ومتعصّب، ويميني متطرّف، وامرأة بذهنيّة الرجال، ومتخلّف وأمّي وقادة يكذبون دون أي حياء... كأنّ سيناريو الحرب العالميّة الثانيّة يتكرّر.

 بات العالم بنظامه العالمي القائم على حافة الجنون، وأقصى درجات الاستهتار والتفكّك، نتيجة الافتقار إلى القاعدة القانونية والأخلاقية، وبحاجة دائمة إلى ديمومة الحروب والصراعات، وكأنّ الولايات المتّحدة بحاجة دائمة إلى دوام الصراعات في الشرق الأوسط، وفي روسيا، والدول المجاورة، والشرق الأقصى، حيث الصين والدول المجاورة، بل في كلّ العالم، فعندما تزداد التوترات والحروب تبقى تلك الدول ضعيفة ومنشغلة بصراعاتها اللا نهائيّة، وثمة روايات تلمح بأن أوكرانيا قد تكون هدية أمريكيّة لروسيا شريطة أن تتخلّى عن الصين.

لم تكن هذه التهديدات موجودة ما قبل بدء ساعة الحرب، فكانت الدعاية الأمريكيّة للحرب الروسيّة على أوكرانيا شبيهةً بالمزاح، فلم تكن التهديدات بقدر شراسة التهديدات الأمريكيّة ما بعد الحرب الروسيّة على أوكرانيا. ففي هذه الحرب ظهرت بوادر خطط جديدة لإعادة هندسة العالم ما بعد الحرب العالميّة الثانيّة، وانتهاء الحرب الباردة، وسقوط الاتّحاد السوفيتي، وبداية الحرب العالميّة الثالثة بغزو العراق، وانهيار برجي التجارة العالميتين في نيويورك.

هي عادة الدول القوميّة في إزكاء روح العداء، وهذا العداء لم يخدم الشعبين الروسيّ والأوكرانيّ، بالطبع لا يختلف الأمر في روسيا، فقد اعتبر الروسُ الأوكرانَ قوميّةً متدنيّةً، بالإضافة إلى الدينين المتصارعين (الكاثوليكي والأرثوذكسي) في أوكرانيا. كما دفعت الحرب الحالية، التفكير على الفور بوجوب زيادة الاستثمار العسكريّ، فقد صرّحت فرنسا وألمانيا بذلك، كما أن أميركا وفق تحليلات سائدة في الإعلام الغربي تراهن على أنّ روسيا ستخرج من أوكرانيا ضعيفة، هذه المقاربة الغربية تشي بأن الساحة الأوكرانية ستجر موسكو إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، مثلما أشار المبعوث الأمريكي السابق في سوريا، جيمس جيفري، في مقالة له في صحيفة الشرق الأوسط، وتأتي التصريحات الغربيّة التي تظهر أنّ هذه الدول ستكون مساندة لأوكرانيا لتعزيز هذا السيناريو. يبدو أنّ الرئيس الأوكرانيّ الذي لا يمتلك تلك البراغماتية السياسيّة، قد يكون ضحية لهذه المصيدة، فالغرب يتمنّى أن تطول هذه الحرب لتُستنفد القوّتان، فروسيا تقوى يوماً بعد يوم، وهي حليف للصين بحكم الأمر الواقع، وأوكرانيا إذا دخلت الاتّحاد الأوروبي ستصبح أقوى دولة من حيث القوّة العسكريّة، وهذا السيناريو المحتمل قد يخالف التطلعات الألمانية والفرنسية.

تكشف سجلات الحروب الأميركيّة في هذا القرن عن دروس معينة، إمّا تطول وتفشل وتصعب السيطرة عليها كما في العراق وأفغانستان وسوريا، أو يؤول الأمر بالانسحاب، ويبقى الشعب مقتولاً وحيداً ممزّقاً مهاجراً أمام هذه الأفعال غير المسؤولة. بدوره، يعلم الاتّحاد الأوروبي أنّ الهجوم الروسيّ على أوكرانيا هو حرب على هذا الاتّحاد الأوروبيّ الذي يعتمد على الولايات المتّحدة الأمريكيّة، إذْ بات الناتو أيضاً أسيراً لسياسة الولايات المتّحدة، أيّ أنّ النظام العالميّ المهيمن أسير المزاجيّة الأميركيّة التابعة للرئيس الذي يمتلك كلَّ صلاحيات الحرب والسلم، والرئيس الأميركي من جهته، أسير حملته الانتخابيّة، وأسير الحزب التابع له.

بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي، ساهم الاتّحاد الأوروبيّ مع حلف الناتو في إضعاف الدول كما فعلت في يوغسلافيا، حتّى قسّمتها إلى دول صغيرة ضعيفة جدّاً، وقبلت بشراكة بكرواتيا وأيضاً جورجيا ومولدوفا وسلوفينيا وأوكرانيا وجورجيا وأرمينيا أذربيجان، ولم تقبل حتّى الآن بالجبل الأسود والبوسنة والهرسك وكوسوفو وصربيا ومقدونيا بالإضافة إلى تعليق طلب ألبانيا وأيسلندا وتركيا، وظلّ الاتّحاد الأوروبي يتعامل مع الأقلّيات المناهضة للإمبراطوريات كالأرمن والأوكران والكرد وغيرها بطرق إقصائيّة وبمماطلات، وآخرها الوعود التسويفية لأوكرانيا.

تطويق الصين

استفادت الصين الشيوعية في الحرب العالمية الثانية من العداء الياباني الأمريكي، فاضطرت أميركا أن تدعم الصينيين الشيوعيين ليقاوموا اليابانيين، وكذلك دعمها الاتحاد السوفيتي بالسلاح، وكان يساعد ماوتسي تونغ ضد القوميين، فاستطاعت الصين أن تقوى من خلال دعم الاتّحاد السوفيتي لها من جهة، ودعم الولايات المتّحدة الأمريكيّة بعيداً عن الترويج الإعلاميّ بأنّها دولة شيوعيّة.

أضحت الصين قوّة عملاقة تضخّ الحياة في النظام العالمي القائم، ومن الخطأ أن ننظر إلى الصين وروسيا على أنّهما نظامان بعيدان عن الرأسماليّة، بل كان انهيار الاتحاد السوفيتي خسارة كبرى للرأسماليّة حسب العالم الاجتماعي المعروف، إيمانويل فالرشتاين، بخلاف أطروحة فوكوياما عن "نهاية التاريخ". والدليل هو سلسلة الأزمات الماليّة الكبيرة في العالم ما بعد انهيار الاتّحاد السوفيتي، لذلك حافظت روسيا والصين على الحزب الشيوعي برضى من العالم المهيمن، للتحكّم بسوق الدول القوميّة اليسارية، بالتحالف مع الرأسماليّة مضموناً، ولضمان سوق الأسلحة، فهناك دول رأسماليّة عدّة تقودها أحزاب يساريّة، ناهيك عن وقوع الاشتراكيّة في فخّ الدولة القوميّة أحد أعمدة الرأسماليّة.

فقد بات الاتحاد السوفيتي سليل الإمبراطوريّة الروسية، وظلّت روسيا محافظة على تقاليد الدولة في الهيمنة أوّلاً على شعوبها، وثانياً على الدول الاشتراكيّة، وتحوّلت الشيوعيّة إلى دين الدولة القوميّة، وهذا الأمر لا يختلف عن الصين أيضاً. مؤخراً، وبعد تسلّم الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن مقاليد حكم الولايات المتّحدة، وضع نصب عينيه هدفَين استراتيجَيين وهما؛ إعادة الهيمنة والهيبة الأمريكية، وتطويق الصين واحتوائها دون مواجهة.

شكل إعلان إدارة بايدن في 11 سيبتمر 2021 الانسحاب الكامل للقوات الأمريكيّة من أفغانستان حسب بعض الروايات بداية تطويق للصين، وتركها لقمة سائغة لحركة طالبان التي حاربتها، بعد عشرين يوماً لا غير، وصارت أفغانستان امتداداً للمسلمين الصينيين على حدودها، فاضطرت الصين إلى الحذر من أفغانستان بعد أن كانت القوات الأمريكيّة تحمي حدودها. وشكلت الحرب الروسيّة على أوكرانيا، والحصار العالمي لها مالياً، وعزلها إعلاميّاً ضربة أخرى على الصين، فلا تستطيع الصين أن تتهوّر وتفكّر بضمّ تايوان على الأقل في غضون السنوات الخمس القادمة وفق ما أشارت إليها مجلة فورين أفيرز مؤخراً، لا سيما أنّها تتخذ سياسة الهدوء السياسيّ. كما أنّ خروج اليابان من عزلتها السياسة، ودخولها معركة العقوبات على روسيا إثر حربها على أوكرانيا، أمست ضربة أخرى للصين، فاليابان وألمانيا تعودان إلى الساحة العسكريّة، وبقوّة بعد هزيمتهما في الحرب العالميّة الثانية.

هذا الضغط على الصين لم ينفع، فلم تستطع الصين أن تتّخذ قراراً حاسماً، وإن كان هناك ترويج إعلاميّ لضمّ الصين إلى محور الشرّ الروسي، وهي الغاية المنشودة، من خلال إظهار محور الشرّ، ومحور الخير، فمن كان مع أوكرانيا فهو مع الخير لا محالة، ومن كان مع الروس فهو مع الشر مطلقاً، وهذا ما رأيناه سابقاً في حربَي جورج بوش الأب والابن، وفي الحرب السوريّة أيضاً.

صعود الألمان واليابان

عندما دخل هتلر أوكرانيا اصطفّ الكثير من الأوكرانيين مع الجيش الألمانيّ ضدّ ستالين؛ مُدمِّر أوكرانيا، ومُدمِّر الاتّحاد السوفيتي، ومدمّر الاشتراكيّة، وهو تكرار للتاريخ، فأوكرانيا لا تتحالف عادةً مع جارتها التاريخيّة، بينما ترضى بالغرب البعيد، وذلك ليس عبثاً، فنظام القيصر الروسي قد حارب الشعب الأوكراني، واعتبره طبقة متدنيّة من المجتمع، وتابعاً له، وأتمّ نظام الاتحاد السوفيتي أيضاً هذه السياسة وزاد عليها سياسة المجاعة.

ركعت ألمانيا مرّتين 1918 و1945 وفرضت عليها عقوبات في معاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى وعقوبات مؤتمر بوتدستام التي كان الاتحاد السوفيتي وإسرائيل المستفيدتان الأكثر ما بعد الحرب العالميّة الثانيّة، إذْ ظلّت ألمانيا تدفع تعويضات هائلة لهما، فخرجت دول المحور (اليابان وألمانيا وإيطاليا) مهزومة من الحرب العالميّة الثانيّة. كانت كلّ المعاهدات على مدى القرن الماضي يسودها التقسيم القومي، وهو التقسيم غير المنطقي في العالم بأسره، فلا توجد دولة إلا وفيها مشاكل أثنيّة تؤدّي إلى مشاكل حدوديّة بالضرورة، فكلّ دولة قد خسرت جزءاً من أراضيها لدولة على حدودها، وتخلّت عن أراض تعتبرها أراضيها، سواء الصين أو اليابان أو ألمانيا أو بولندا... بالإضافة إلى حرمان أكبر قوميّة في العالم من أيّ مسمّى دولتي هو الكرد الذين انقسموا بين أربع دول. كان محور الرابحين في الحرب العالميّة الثانيّة بقيادة كلٍّ من (الولايات المتّحدة والمملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي) وكان قادة الحلفاء حينها (جوزيف ستالين وفرانكلين روزفلت وونستون تشرشل) واستمرت الحرب العالمية الثانية ست سنوات، حصدت 56 إلى 70 مليون شخص، وكعادة التاريخ، فالشعوب وحدها من تدفع فاتورة تهوّر الدول، ومن ثم، جرى تقسيم السياسة الدولية كعالم ثنائي قطب عقب اتفاقية يالطا الشهيرة.

باتت ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية مع السلام الرومانسي، والهدوء، والإعمار، وسياسة الابتعاد عن الصراعات، وفق مخطط مارشال الأميركيّ، لكنّها عادت بفعل الحروب الروسية على أوكرانيا إلى الساحة العسكريّة عقب عزلة دامت على نحو سبعين عاماً، وذلك عندما صرح المستشار الألماني أولاف شولتز بتزويد أوكرانيا بألف قاذفة للصواريخ، و500 صاروخ أرض جو، وتخصيص 100 مليار يورو في الميزانيّة من أجل الاستثمارات العسكريّة، أي رفع ميزانية الجيش من 40 مليار يورو إلى 100 مليار يورو.

عادت ألمانيا إلى السيطرة على أوروبا بالقوّة الناعمة هذه المرّة، ربما بوصاية أميركيّة، دفعتها هذه الحرب بوجوب تطوير ترساناتها العسكريّة، بحجة الدفاع عن أمن البلاد والاتّحاد الأوروبي، وحماية الحرية والديمقراطية، بعد أن كانت وصاية الولايات المتحدة تقتضي عدم الانفاق كثيراً في المجال العسكري سابقاً. استطاعت الولايات المتحدة الأمريكيّة تطويق ألمانيا عبر مشروع مارشال، وهي بحاجة إلى اليابان المروّضة أيضاً في تطويق الصين، إذْ باتت الصين وروسيا المنتصرتان في الحرب العالميّة الثانية قويّتين، وأصبحتا ندَّين للولايات المتحدة، وبعد هذه الحرب الروسيّة على أوكرانيّة، يبدو أنّ هناك توزيع جديد للأدوار من خلال نهوض اليابان وألمانيا من سباتهما، الأمر الذي يبعث أخبار سارة إلى واشنطن. فبعد ثمانية عقود من الحرب العالمية الثانية أصبح الجيش الياباني يحتلّ المرتبة الخامسة بين أقوى 140 جيشاً في العالم.

إنّ قرار إعادة اليابان وألمانيا إلى الساحة العسكرية هو قرار يخدم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، فالأوروبيون لا يحبون فكرة عودتها، خوفاً من عودة اليمين المتطرف الذي سيعيد ذاكرة الرايخ الثالث، ويعيد النازية من جديد، لكن سياستَي ترامب وبايدن تعتمدان على استدامة بؤر التوتر، والإبقاء بطريقة ما على التنظيمات الإرهابية، مثل عودة طالبان، والاعتماد على جبهة النصرة في إدلب، وعدم إنهاء رواية داعش، وسياسة اللين مع أردوغان، وتشجيع الإخوان من قبل بريطانيا، وسياسة غض النظر الأمريكية. إن عودة اليابان إلى الساحة العسكرية يشابه عودة ألمانيا، فهناك تقوية للعنجهية اليابانية التي لا تقبل بالصينيين، وهناك خلاف بينها وبين روسيا على بعض الجزر التي استولت عليها روسيا، ورجوع ألمانيا بالمباركة الأمريكية لِتقف أمام أيّ استهزاء أوروبيّ، أو تغوّل صينيّ.

روسيا وأوكرانيا الأشقّاء الأعداء

شجّع ستالين الصناعة وقضى على الزراعة في أوكرانيا وكازاخستان، وكأنّه أراد أن يجعل البلاد رأسماليّة ليقضي على الملكيّة والإقطاعيّة. فقد حصدت المجاعة ما يصل إلى 10 ملايين أوكراني حيث صودر مخزون الفلاحين من الغذاء قسراً من قبل الحكومة السوفيتية من خلال NKVD (سلف كي جي بي) والشرطة السرية.

كان ستالين يريد القضاء على الثقافة الفلّاحيّة، لِيقضي على فكرة التملّك، فالفلّاح لا يستطيع التخلّي عن أرضه وملكه، فكانت سياسته الغريبة في القضاء على فكرة الملكيّة من خلال العنف الثوريّ الديكتاتوريّ، فلم يأخذ ستالين المجاعة على أنها كارثة إنسانية، وإنما كحالة من حالات الصراع الطبقي، فاستخدم التجويع كأداة لإجبار الفلاحين إلى المزارع الجماعية، حيث تنتفي الملكيّة، تبعاً لهذه الخلفية، تسود مشاعر الكراهية بين الشعب الأوكراني حيال الاشتراكية والروس معاً، فسابقاً لقَوا الويلات على يد القيصر الروسي، والآن يرونها تحت ظلّ الاشتراكيّة، فرأوا الأوكرانيّون العذر في الروس وليس في النظام القائم، وهذا ما روّجه الإعلام الغربي مع مؤسساته الرسمية أيضاً.

لم يمضِ على استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي ثلاثون عاماً، بعد أن كانت تحت الوصاية الروسيّة على مدّة ستة قرون متواصلة، من جهته، لم يستخدم على ما يبدو فلاديمير زيلينسكي بصورة ناجعة فنَّ المساومة لينقذ شعبه، الأمر الذي جر بلاده إلى هذه الحرب. زيلينسكي الذي انتخب في عام 2019، ويمتلك شعبيّة كبيرة في أوكرانيا لأنّه كان ممثّلاً كوميديّاً مشهوراً، فجأة وجد نفسه أمام عمالقة السياسة والحرب وخاصّة (الروس والأميركيين والبريطانيين والألمان).

يعتبر الروسيُّ الأوكرانيَّ طبقة ثانية، وعقب الانفتاح الاقتصادي على السوق الحر الليبرالي، صار دخل الفرد الأوكراني أفضل بكثير من دخل الفرد الروسي، ومع ذلك، ما زال شبح النظام الشيوعي ماثلاً حتّى الآن في ذهنيّة الأوكرانيّ، فبعد هذه النقلة النوعية من النظام السابق الشيوعي صوب النظام الغربيّ الحالي، يشعر المواطن الأوكرانيّ بالخوف من عودة التقشّف.

الخلاصة

خلفت الحملات الأمريكية العسكرية بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي وراءها صراعاً مستداماً، حتى بشراكة أميركا مع قسد، وتحديداً في فترة ترامب الذي كان يحاكي عقيدة بوتين المتطرفة بطريقة ما، غضّت النظر عن الاحتلال التركي لعفرين، وأهدت سرى كانيه وتل أبيض للجيش التركي ومرتزقته، وبالأسلحة الألمانيّة. لقد احتلّ الاتحاد السوفيتي أفغانستان في عام 1979 وخرج بعد عشر سنوات بخسائر فادحة، وكذلك الأمر خرجت الولايات المتحدة بعد عشر سنوات بخسائر أفدح. بينما يجري على الدوام التلاعب بمفهوم الحق: عندما كان المحتلّ الاتحاد السوفيتي، كانت الولايات المتحدة تعتبر وجودَ الاتحاد السوفيتي غيرَ شرعيّ، والعكس صحيح بطبيعة الحال. في المحصلة، الشعوب من تدفع فواتير هذه الحروب.