قد يفوز بوتين بكل المعارك لكنه يخسر الحرب

الأربعاء 02-03-2022 | PM 11:47 turkey

يوفال نوح هراري

تتزايد التوقعات التي تشير إلى توجّه فلاديمير بوتين نحو هزيمة تاريحية، بعد أقل من أسبوع على بدء الحرب. على الرغم من احتمال تقدّمه في كل المعارك إلا أنه قد يخسر الحرب. تأسس حلم بوتين بإعادة بناء الإمبراطورية الروسية دائماً على كذبة عدم كون أوكرانيا أمة حقيقية، وأن الأوكرانيين ليسوا شعباً حقيقياً، وأن سكان كييف وخاركوف ولفيف توّاقون إلى حكم موسكو. هي كذبة بالمطلق، فأوكرانيا أمة بتاريخ يعود إلى أكثر من ألف عام، وكانت كييف مركزاً هاماً عندما لم تكن موسكو قرية حتى. لكن الطاغية الروسي كرر كذبته لعدة مرات لدرجة أنه بات يصدّقها بنفسه.

أعتمد بوتين، حين التخطيط لغزو أوكرانيا، على العديد من الوقائع. فروسيا تتفوق عسكرياً على أوكرانيا. وكان يعلم أن الناتو لن يرسل قوات لمساعدة أوكرانيا. كان يعلم أيضاً أن الاعتماد الأوروبي على النفط والغاز الروسي سيؤدي إلى تردد بعض الدول مثل ألمانيا في فرض عقوبات صارمة على روسيا. بناءً على هذه المعطيات المعروفة، اعتمدت خطته على ضرب أوكرانيا بقوة وبسرعة، والإطاحة بحكومتها، وإنشاء سلطة تابعة له في كييف، وتفادي العقوبات الغربية.

لكن عاملاً بقي خارج حساباته في هذه الخطة. كما تعلّم الأمريكيون في العراق والسوفييت في أفغانستان، فإن غزو بلد ما أسهل بكثير من السيطرة عليه. أدرك بوتين امتلاكه القوة القادرة على غزو أوكرانيا، لكن هل سيقبل الشعب الأوكراني بالنظام الجديد التابع لموسكو؟ راهن بوتين على أنه سيقبل بذلك. فهو يردد دائماً بأن الأوكرانيين ليسوا أمة حقيقية. في عام 2014، أبدى الأوكرانيون مقاومة شديدة للغزو الأوكراني لشبه جزيرة القرم. لماذا سيكون الأمر مخلفاً في عام 2022؟

يبدو واضحاً يوماً بعد يوم أن مقامرة بوتين تتجه نحو الفشل. يبدي الشعب الأوكراني مقاومة ضارية، ويحظى بإعجاب العالم بأسره، ويتجه نحو الانتصار في الحرب. الأيام القادمة أكثر سواداً. قد ينجح الروس في احتلال أوكرانيا بأكملها. لكن للخروج من الحرب منتصراً، على الروس أن يسيطروا على أوكرانيا، ولن يتمكنوا إلا إذا قبل الشعب الأوكراني بذلك. وهو ما لا يبدو مرجحاً بشكل كبير.

تدمير كل دبابة روسية وقتل كل جندي روسي يزيدان من شجاعة الأوكرانيين على المقاومة، كما أن كل قتيل أوكراني يعمّق كراهية الأوكرانيين تجاه الروس. الكراهية هي أبشع المشاعر. لكن بالنسبة للدول المضطهدة، فإن الكراهية هي كنز مخفي مدفوناً في الأعماق ومحرّك لمواصلة المقاومة لأجيال. لإعادة تأسيس الإمبراطورية الروسية، يحتاج بوتين إلى نصر غير دموي نسبياً يؤدي إلى سلام غير مكروه نسبياً. إراقة المزيد من الدماء الأوكرانية، يعني التأكد من استحالة تحقيق بوتين لحلمه لن يتحقق أبداً. ليس اسم ميخائيل غورباتشوف بل اسم بوتين الذي سكتب على شهادة وفاة الإمبراطورية الروسية. غورباتشوف رحل تركاً الروس والأوكرانيين يتبادلان مشاعر الأخوة، لكن بوتين حوّلهم إلى أعداء، وأوصل الأمر إلى اليقين من أن الأمة الأوكرانية ستعرّف نفسها من الآن فصاعداً كأمو معارضة لروسيا.

الأمم في نهاية المطاف مبنية على القصص. كل يوم يضاف المزيد من القصص التي سوف يرويها الأوكرانيون في الأيام المظلمة القادمة، وعلى مدى العقود والأجيال مستقبلاً. الرئيس الذي رفض الفرار من العاصمة، طالباً من الولايات المتحدة المساعدات العسكرية لا الملجأ. والجنود الأوكرانيين الذين قاموا السفينة الحربية الروسية في جزيرة الأفعى؛ والمدنيين الذين حاولوا إيقاف الدبابات الروسية بسد طرقها جلوساً. هذه هي القصص التي بنيت عليها الدول. على المدى الطويل، هذه القصص ستكون أكثر أهمية من الدبابات.

الطاغية الروسي يعرف ذلك أكثر من أي شخص آخر. عندما كان طفلاً، تغذّى على قصص عن الشجاعة الروسية في حصار لينينغراد. إنه الآن يخلق المزيد من هذه القصص، حيث يؤدي فيها دور هتلر.

قصص الشجاعة الأوكرانية تحفّز ليس الأوكرانيين فقط، بل العالم أجمع. إنها تمنح الشجاعة لحكومات الدول الأوروبية، وللإدارة الأمريكية، وحتى لمواطني روسيا المضطهدين. إذا تجرأ الأوكرانيون على إيقاف دبابة بأيديهم الخالية من السلاح، يمكن للحكومة الألمانية أن تجرؤ على تزويدهم ببعض الصواريخ المضادة للدبابات، ويمكن للحكومة الأمريكية أن تجرؤ على عزل روسيا عن نظام سويفت، ويمكن للمواطنين الروس أن يجرؤوا على إظهار معارضتهم لهذه الحرب التي لا معنى لها.

لسوء الحظ، من المرجح أن تكون هذه الحرب طويلة الأمد. لكن القضية الأكثر أهمية قد حُسمت بالفعل. لقد أثبتت الأيام القليلة الماضية للعالم بأسره أن أوكرانيا أمة حقيقية، وأن الأوكرانيين شعب حقيقي، وأنهم بالتأكيد لا يريدون العيش في ظل إمبراطورية روسية جديدة. السؤال الرئيسي الذي لا اجابة له بعد، هو كم من الوقت ستستغرق هذه الرسالة لاختراق جدران الكرملين السميكة.

المصدر: الغارديان

ترجمة: المركز الكردي للدراسات