الحرب .. محاولة في فهم أصولها وملامحها !

الثلاثاء 01-03-2022 | PM 02:16 Iran

بدر الحمري

لا أريد أن أكون متشائماً في زمن أصبح فيه كل شيء قابل للاشتعال والاحراق والانفجار؛ والسبب في ذلك على الأقل أنّ مصيرنا لم يعدّ مُتصل بإراداتنا الفردية بوصفنا كائنات مُسالمة أو ( ودِيعة ) كما سَخِر أحدهم من دعاة السلام اليوم، وإنما مصيرنا معقود بسياقات الكراهية والتسيُّد ( الاستبداد ) وظلم الإنسان لأخيه الإنسان في ترادف تام مع مقوله توماس هوبز الأشهر « الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ». وإن كان لنا – نحن دعاة السلام الداخلي والخارجي - فخرٌ يمكن أن نضعه نيشاناً على صدورنا فهو دعوتنا الدائمة إلى السلام والحوار فهما السبيلان إلى إدارة أية أزمة كيفما كان نوعها. لكن هذه الحرب التي تشتعلُ نيرانها بهدوء تام، وبكثير من الكذب والشائعات وصناعة الخوف وعبادة القوة والغطرسة والأنانية، هل تعني أنّ الإنسان كائن متوحش بالطبيعة، وبالتالي نسقطُ بأيدينا كلَّ أمل في السلام الدائم؟ بصيغة أخرى: هل يمكنُ الكشف عن التلازم بين غريزتا العدوان والتدمير من جهة وغريزة الحب والرغبة في الحياة من جهة ثانية؟ وهل يمكنُ أن تزول غريزة العدوان فتحل محلها الصداقة وتزول الكراهية لتحل محله المحبة؟ أي هل يمكن القضاء على الحرب فعلا؟

الحرب بين فيزيائي وعالم نفس: أينشتاين وفرويد

في بداية القرن 20 تبادل الفيلسوف وعالم الفيزياء والرياضياتي ألبيرت اينشتاين (1879- 1955) وجهات النظر حول الحرب مع الطبيب والمحلل النفسي سيغموند فرويد( 1856-1939 ) في مناظرة تاريخية تناولت سؤال الحرب وأسبابها. ومما أكده أينشتاين أنّ " مجال النشاط البشري الأكثر أهمية بالنسبة لمصير الأمم هو بلا شك في يد حكام سياسيين غير مسؤولين كلياً".

إنّ القادة السياسيين أو الحكومات مدينون بسلطتهم إما لاستخدام القوة أو لانتخابهم من قبل الجماهير، ولا يمكن اعتبارهم ممثلين للعناصر الأخلاقية أو الفكرية الفائقة في الأمة ». مؤكداً أن النخبة المثقفة بانقسامها يستحيل عليها التعاون لحل المشكلات. كما يُرجح ألبيرت أينشتاين أن خطر الانحطاط بصفة عامة « حاضر على الإطلاق بسبب عيوب الطبيعة البشرية. ومع ذلك، وعلى الرغم من تلك المخاطر، ألا ينبغي لنا أن نبذل على الأقل محاولة لتشكيل مثل هذا الارتباط على الرغم من جميع المخاطر؟ يبدو لي أنّ هذا أقل من واجب حتمي ! ». وفي كثير من المواضِع يتحدث أينشتاين عن نزعة الكراهية والتدمير التي تسكنُ الإنسان، وتنمو بداخله؛ فحيثُ « في الأوضاع العادية، يكون هذا الميلُ مستتراً ولا يظهر سوى في الظروف غير المعتادة، إلاّ أنَّ استدعاءه وترقيته إلى سلطة الهوس الجمعي مهمة سهلة نسبياً. وربما يكمن، هنا، صلب كل التشابك بين العوامل التي نضعها في الاعتبار، لغز يمكنُ للخبير في العلم المختص بالغرائز الإنسانية، وحده، أن يحله » يقصد هنا المحلل النفسي سيغموند فرويد. ثم يطرحُ ألبيرت أينشتاين سؤاله العريض والقلق: هل التحكم في التطور العقلي للإنسان أمر ممكن في سبيل الصمود أمام الاختلالات العقلية للكراهية والدمار؟ موجهاً في الآن نفسه نقده للمثقفين من كونهم لا يصلُون إلى الحياة الحقيقية، فهم أكثر عرضة للاذعان للمقترحات الجمعية التدميرية، لأنهم يتعرفون على الحياة عبر المطبوعات وأشكالها الاصطناعية. من ثمة يعرض ألبيرت أينشتاين مشكلة السلام العالمي على سيغموند سيغمُوند فرويد في ضوء اكتشافاته للنزعة التدميرية في النفس البشرية، وكيف يمكنُ النظر إلى هذا السلام العالمي، مرجحاً أنّ هذا النظر سيكون مثمراً ونافعاً، وسيأتي بأنماط عمل جديدة وجيدة.

كان ردّ عالم النفس سيغموند فرويد عن التساؤلات السابقة التي طرحها ألبيرت أينشتاين بتعبير المفاجأة، حيث قال فرويد « قد فاجأتني بطرح سؤال عما يمكن القيام به من أجل حماية البشرية من لعنة الحرب، وقد كنت خائفاً في البداية من فكرة عدم أهليتي ( كدت أكتب عدم أهليتنا ) للتعامل مع ما بدا أنه مشكلة عملية، من شأن رجال الدولة، لكنني أدركتُ بعد ذلك أنك لم تطرح السؤال بصفتك عالم طبيعة وفيزيائياً، وإنما بصفتك مُحباً للخير يحذو حذو عصبة الأمم، مثلك في ذلك مثل المستكشف القطبي فريتيوف نانسين، الذي أخذ على عاتقه توصيل المعونات إلى ضحايا الحرب العالمية المشردين الجائعين ».

تكمن مفاجأة فرويد أمام أينشتاين أن الحرب لا حلّ لها، وأن البشرية بنزوعاتها التدميرية ماضية إلى الحروب، كما أن هناك تلميح صغير إلى أن العلماء لا دخل لهم في صناعة السلام العالمي، فهم في أقوى مواقفهم أو مكانتهم يتحولون إلى كائنات مُحبة للخير فقط.

رُغم ذلك حاول فرويد أن يجيب عن الأسئلة من خلال تأملي فلسفي سيكولوجي في مفهومي الحق والقوة، فرغم تناقضهما إلا أن أحدهما ينجم عن الآخر؛ فتسوية المصالح بين البشر غالباً ما تتم عن طريق العنف، منذ القوة العضلية الفائقة إلى الأسلحة.« ومن اللحظة التي استحدثت فيها الأسلحة، بدأ التفوق الفكري يحل محلّ القوة العضلية الفائقة، بينما بقي الغرض الأساسي من المعركة واحداً: أن يجبر أحد طرفي الصراع الآخر بالتخلي عن مطلبه أو اعتراضه نتيجة تقويض قوته وإضراره، ومن شأن هذا الغرض أن يتحقق تماماً، إذ قضى عنف المنتصر على العدو بشكل دائم، بتعبير آخر: قتله ». وإن كان سيغموند فرويد يعدد فوائد القتل التي حددها في فائدتان وهما: أولا، أنّ العدو لن يفكر في المعارضة مرة أخرى، ثانياً، أنّ قتله سيُرضي غريزة ما. فإنّه – فرويد - ينبهنا إلى مشاعر الخوف العدائية التي تكون لدى المنتصر عند إخضاع العدو بدلا عن قتله، ليفكر المنتصر دائماً في مشاعر العدو ورغبته المتوارية في الانتقام، هكذا فإنه يضحي بجزء من أمانه الشخصي، وهكذا تعيش البشرية في صراع دائم، خفي أو ظاهر، إنه سلم مقرون بالحرب، وجهان لعملة واحدة، أساسها العنف المدعوم بواسل حربية مفكر فيها، حتى إننا ليمكنُ أن نعرف هذا الإنسان بكونه كائن مفكر في الحرب. فما العمل من أجل تحقيق السلم العالمي؟

صحيح أنّ سيغموند فرويد يضع حلا لبلوغ الحق ثم القانون، وهو طريق القوة العليا للأفراد باتحاد عدد من الضعفاء، وصحيح أن الحق هو قوة المجتمع، لكن سرعان ما يتحول هذا المجتمع ( المجموعة ) إلى عنف من جديد يوجه ضد أي فرد يقاومه، مستخدما – كما يقول فرويد – الوسائل نفسُها، سعياً وراء الأغراض نفسها، إلاّ أن المفارقة هنا أن المنتصر لم يعد هو الفرد، بل المجتمع / المجموعة. ولكي يتحقق ذلك يجب أن يقضى على الفرد من أجل المحافظة على المجتمع ( المجموعة ) بشكل دائم. فتنشأ في المجتمع تعبيرات غير متساوية من حيازة القوة بداخله .. فيحدث صراع جديد .. وهكذا.

أما الخلاصة التي يخلص إليها سيغموند فرويد فهي نفسها التي توصل إليها ألبيرت أينشتاين وهي التأكيد على تشكيل هيئة مركزية يكون لها حق الفصل في كافة صراعات المصالح، غير أن س. فرويد يضع مطلبان واضحان منفصلان ضروريان لتحقيق هذا الأمر، وهما: إنشاء هيئة عليا ومنحها السلطة اللازمة. لكن يعود فرويد من جديد ليؤكد على حقيقته العلمية وهي أن العنف غريزة تدميرية في الإنسان !!

الحرب .. أو السَّلام المسلّح

إذا ما آفترضنا جدلا أنّ هناك هوية للشخص، فإن كل هوية في سياقات الحرب يكون لها نصيب من التوحش والعداء على حياة الآخر، اللهم الهويات المسالمة التي ترتفع بسلميتها إلى صفِّ الإنسانية. من هنا تأتي صورة من صور صراع الهويات وتقاتلها. كان الفلاسفة، ومنهم نيتشه مثلا، يرون أنّ الحرب هي الأصل، وما أشكال السلم القائمة بين الحين والآخر إلا أشكال تضليلية، هشة، مؤقتة، لأنه « سلام مُسلح » بمعنى آخر « كل دولة تمتلك جيشاً تتعهده لتلبية رغبة محتملة في القيام بغزو » بلد آخر، بصرف النظر عن هذه الدولة المغزُوة هل هي دولة ظالمة، أم صاحبة حق، وهل الحرب دائمة ناجحة، والغازي منتصر دائماً، من دون عدِّ الأموات والخسائر وكسب كراهية الناس بالمجان، أم ماذا؟ وإذا كانت الدولة المسالمة حقاً وتاريخياً لا تلجأ إلى إقامة جيوشها إلاّ من أجل الدفاع عن نفسها وأرضها وحقوقها التاريخية فإن كثير من الدول تلجأ إلى المبرر نفسه من أجل التوحش على جيرانها قبل أباعدها، مما يعني أنّ الحروب قائمة ولكن مع إيقاف التنفيذ !

وإذا ما نحن تأمَّلنا العالم المعاصر، سنجدهُ يتصف بكثير من الملامح التي درجنا على توضيحها في الفقرة السابقة، ونزيدُ على ما سبق الآتي:

- أنه عالم قائم على المصلحة المادية، تكادُ « تنعدم فيه الأخلاق، إلاّ ما كان خادماً لهذه المصالح؛ ولما كان الغالب على هذه المصالح أنها منتزعة غير مستحقة، كانت هذه الأخلاق غاية في الفساد؛ ونلاحظ هذه الحالة بجلاء في العلاقات بين الدول، فقد أضحى بإمكان أي دولة أن تدعي وجود مصالحها في أي مكان من العالم على قدر بأسها، حتى إنّ منها التي تعتبر أنه لا مكان في الأرض، وحتى في خارج الأرض، إلا فيه مصالحها، محذّرة من المساس بها، بل قد تصير إلى التقلب في هذه المصالح بغير حدّ؛ فما كان مصلحة لها في مكان، لم يعدّ كذلك إلى حين؛ وما لم يكن مصلحة لها في مكان ما، يصير كذلك إلى حين.

- أنه عالم يسوده التنازع بإطلاق؛ إذ كل واحد يمكن أن ينازع غيره في أي شيء .. حتى فيما تحت يده، إذ كل ما في يد أحدهما، الآخر أولى به منه؛ والشاهد على ذلك تداول الهيئات السياسية على السلطة؛ فالقانون الذي يحكم هذا التداول هو أن كل هيئة تولت السلطة، كائنة ما كانت، ينبغي أن تعمل الهيئات الأخرى على إسقاطها، حتى ولو تحالفت معها ظرفياً لقلة أنصارها؛ ذلك لأن هذه التولية ليس منطقها الحق والاستحقاق، وإنما النزاع وانتزاع السيادة؛ فالأصل في السلطة، في هذ العالم القابيلي، أنها لا تستحق، وإنما تنتزع ( طه عبد الرحمن ).

- أنه عالم منافق بلا حدود؛ فما دامت المصالح المادية هي التي تحكم العلاقات الاجتماعية في أبعادها الإنسانية، والمصالح المادية متقلبة وفق الظروف الاقتصادية خاصة، فإنه من الطبيعي أن تتغير الأخلاقيات الصادقة بين الحين والحين لتغير هذه الظروف والمصالح، فيصير صديق الأمس عدو اليوم، وعدو اليوم يمكنُ أن يصير صديق الغد، « ومتى رتبنا المتسيدين بحسب مستوياتهم الثقافية، لاحظنا أنّ النفاق في التعامل بينهم لا يظهر في فئة ظهوره في أدناهم تكويناً، لأنه لا قيمة تردعهم ولا حياء يمنعهم؛ غير أن حب التسيُّد لا يلبث أن يحمل أعلاهم ثقافة على أن ينافقوا مثل نفاقهم، كي لا يفوتهم مزيد التسيد؛ لكن، في عالم أسقط فيه الاعتبار الخلقي، لا عجب أن ينحط الأقوى إلى رتبة الأضعف » ( طه عبد الرحمن )

-أنه عالم هالك بالحروب؛ فالتسيُّد لا حد له، يضرب بأنيابه في جميع الفئات والهيآت من دون حدود، « كما أنّ وسائل النزال التي يتخذها هؤلاء الأفراد والهيئات لا تخص مجموعة محددة من الآليات، وإنما تشملُ جميع الطرائق المتاحة، ولا أنّ لها قدراً ينبغي أن لا تتخطاه، إذ أنه بالإمكان دائماً تبريرها بالرجوع إلى المصالح؛ وما دام التسيُّد هو الغاية والنزاع هو وسيلة كل فرد وهيئة إليه، فلا بدّ أن يلقى هذا العالم نهايته بحرب؛ وهذه الحرب إما أن تكون حرباً منهكة، إذ تكثر النزاعات في كل بقاع العالم ويتداعى بعضها إلى بعض وتتسلسل إلى أن يهلك الجميع؛ وإنا أن تكون حرباً مدمرة لا تبقي ولا تذر يتلولاَّها أسفَه وأجهل المتسيدين، لا سيما وأن نصيبهم من التسيد أضحى يربو على نصيب المنسوبين إلى العقل والعلم ».