كردستان.. الانعزال على طريق الشرق التجاري

الإثنين 21-02-2022 | PM 07:02 بدليس

حسين جمو

إذا كان للكرد من حاضرة مزدهرة في فترة بزوغ نجم السطنة العثمانية فهي بدليس بلا منازع. فالمدينة قائمة على تقاليد معمارية يصعب معها تجاهلها أو العبث بها، كما كان يحصل في معظم الإمارات الكردية عبر تغيير العاصمة بسهولة. والأكثر من ذلك أن دورها التجاري يقيّد أي محاولة لتهميشها، فحين دوّن شرف خان البدليسي كتابه "الشرفنامة"، كانت المدينة ما تزال محافظة على ما يميزها: "هي ملتقى الحجاج الذين يقصدون زيارة الحرمين الشريفين، سواء أكانو يأتون من الشرق من تركستان والهند مارّين بإيران من خراسان والعراق، أم كانوا من السياح القادمين من الغرب عن طريق جدّة والزنجبار. وخلاصة القول – والكلام لشرف خان – فإن التجار: الخطا، و الختن، و الروس، و الصقلاب، و البلغار، و الرحل العرب، و العجم، وسائر السياح من جميع أنحاء العالم من كل جنس وملة الذين يطوفون العالم ويجوبون البلاد، لا بدّ أن يمروا من صخرة بدليس الخرقاء التي تقع على مسافة فرسخ جنوبي بدليس" (ص 324 – ج1).

ينبغي عدم الاستهانة بمسار قوافل الحجاج في مدن العبور. فكما ساهم طريق الحج الشيعي الناشئ منذ مطلع الدولة الصفوية من قم إلى النجف في تقوية مدينة كرمانشاه الكردية، وبالتالي تجذير ميلها العَلَوي، فإنّ طريق الحج السني ( و هو حج لعامة المسلمين وليس مخصصاً) جعل من المذهب السني ذو بعد تجاري أيضاً وليس مقتصراً على الإيمان فقط.

و بالرغم من أنّ بدليس لم تكن يوماً أعلى شأناً (في الاقتصاد والسياسة) من آمد و مقاطعات دياربكر، فإن بدليس امتازت بإدارتها الكردية الوراثية، بينما كانت دياربكر وعاصمتها آمد تدار من حاكم يعينه المركز، لذلك كانت آمد منذ نهاية الحكم الأيوبي، تمثل المركز العسكري للسلطة الدخيلة. و لعل أهمية بدليس في هذا الجانب يفسر تحرك جيشا كل من الشاه والسلطان في وقت واحد باتجاه هذه المدينة حين توفي أحد حكام بدليس. ومن المهم إلقاء نظرة على البيئة السياسية التي كانت تتشكل لتطيح بالازدهار الكردي المحدود والقصير الأجل لاحقاً.

بعد الاتفاق الشهير بين السلطان سليم الأول والأمراء الكرد عام 1514، لم تتضمن الوثيقة شرط "عدم الإخلال" بالاتفاق.

الإخلال الأول جاء من السلطان سليمان القانوني. وقد وردت ملامح الخرق في "الشرفنامة" في حوادث سنة 1531 – 1532. فالاتفاق الذي صاغه إدريس البدليسي مع السلطان سليم يقضي بتوريث الأمراء الكرد الولاية لأبنائهم، فقرر سليمان القانوني خلع شرف خان البدليسي، وهو جد مؤرخ الشرفنامة، وتولية حاكم من خارج بدليس؛ فما كان من شرفخان إلا الالتجاء إلى الشاه طهماسب الأول "الذي بالغ في إكرامه والحفاوة به و قدم بنفسه حتى بلدة أخلاط" لاستقباله (الشرفنامة - الجزءالثاني - ص 134) غير أن شرفخان توفي بعد عام من انضمامه إلى الشاه طهماسب، فجرّد السلطان سليمان جيشاً كبيراً وسار في مقدمته مدة 120 يوماً قاصداً احتلال كامل أذربيجان بالانطلاق من بدليس، وأذربيجان في خرائط ذلك الوقت كانت تشمل غالبية شمال كردستان. في المقابل، فور تلقيه نبأ وفاة حاكم بدليس، ترك الشاه طهماسب خراسان وتوجه إلى أذربيجان في الحال. لا يوضح مؤرخ "الشرفنامة" ما الذي كانت تمثله إمارة بدليس للطرفين، وهو لم يُعنى كثيراً بالتحليل و التعريف، غير أن تحركات الشاه والسلطان خلال أعوام 1534 – 1535 – 1536 كانت تتمحور حول "الصراع على بدليس" التي تعني، بصورة أشمل، الصراع على كردستان. (يراجع الشرفنامة – الجزء الثاني – ص 135، 139)، في نهاية هذا الصراع تمكن السلطان سليمان القانوني من خرق وثيقة العهد العثمانية الكردية، وخلع الأمير شمس الدين، وهو الوريث الشرعي للإمارة، من ولاية بدليس، وعيّنه حاكماً على ملاطية ومرعش. أما طهماسب فإنه أدخل مقاطعتي وان وأرجيش إلى التبعية الإيرانية حتى سنة 1548 تاريخ إعادة احتلال هذه المنطقة مجدداً من جانب السلطان سليمان في حملة عسكرية لبضعة شهور فقط، ثم رد الجيش الصفوي بهجوم استعاد بموجبه كل هذه المناطق فضلاً عن مدينة بدليس ذاتها، وبحسب وصف صاحب الشرفنامة عن هذه الحملة فإن "جيوش القزلباش أحدثت في البلاد التخريب والدمار" (ج 2 - ص 147).

على أنّ تموضع كردستان بين دولتين شهرتا سلاح الحرب المذهبية ذات الطابع الإبادوي، مسألة تحتاج إلى المزيد من القراءات للوصول إلى خلاصة متماسكة عن حقيقة السياسات الكردية في تلك المرحلة. فعلى الرغم من الانقلاب الكردي الكارثي على الدولة الصفوية منذ العام 1514، فإنّ طريق العودة لبلاط الشاه الصفوي كان مفتوحاً على الدوام، كما في مثال شرفخان حاكم بدليس.

هناك اجتهاد يحتاج متابعة وتنقيباً بحثياً مفاده أنّ هنالك مبالغة في تصوير تأثير الاتجاهات الدينية على القادة الكرد في مرحلة الصدام العثماني الصفوي، و أنّ الكرد فضلوا التحيز إلى دولة المذهب السني (العثمانية) تحت تأثير الميل المذهبي. حقيقة لا تشير الوقائع المدونة في "الشرفنامة"،  وهو أهم مصدر في التاريخ الكردي، على اتخاذ الكرد قراراتهم تحت هاجس المذهب السني أو الشيعي، لكن ما تم تصويره أكاديمياً في الدراسات الحديثة يذهب في عكس هذه الفرضية، ويربط "عدم النجاح" بوقوع الكرد تحت هيمنة التفكير الديني، و هي خلاصة لا تستند إلى الأدلة بقدر استنادها إلى القراءة الغربية للتاريخ الحديث في المشرق و تعظيم العامل الديني في صناعة الأحداث.

مراسيم بيضاء لكردستان

 إن إلقاء نظرة على التقديرات السكانية مطلع القرن السادس عشر بين ثلاثة شعوب توضح جانباً من علاقة السيكولوجيا بنمط بناء الدولة؛ فرغم أن التقديرات المعقولة لا تستند لأرقام وإحصائيات موثقة، لكن حجم وكثافة الانتشار الجغرافي والقبلي، يوضح أن عدد السكان كان متقارباً بين الكرد والفرس والترك. نجحت سلالات حاكمة في تأسيس إمبراطوريات إيرانية وتركية تجاوزت حدودها الطائفية والإثنية، و ذلك على عكس الكرد، الذين حكموا طيلة العصور الوسطى والحديثة مناطق أقل من مساحة انتشارهم الفعلية. التفسيرات عديدة وربما متناقضة، ولا ينبغي إغفال أن "الإبتكار التجاري" يكمن في قلب هذه المفارقة، و هذا الابتكار متعلق بالسلالات الحاكمة في كل مجموعة، و ليس بالشعوب نفسها حيث تتقارب الخصائص الاجتماعية والمذهبية.

كان لافتاً عبر التاريخ أنّ القادة الذين أهملوا "البعد التجاري" في بناء الكيانات السياسية لم ينجحوا في بناء دول إمبراطورية، وهذا كان حال الكرد – وما زال – في الشرق الأوسط، وتم تصويرهم، مثلهم مثل الأوزبك والبلوش والبشتون، كقوة معيقة لتوسع رأس المال التجاري. بعبارة أخرى، لم يقدموا أنفسهم كشركاء تجاريين للقوى الإمبراطورية - ولاحقاً الرأسمالية - الباحثة عن مراكمة الثروة والنفوذ. حتى في التفاهمات التي تمت بين السلطان سليم الأول والأمراء الكرد بين أعوام 1514- 1516 كانت الشراكة مبنية، في الجوهر، على منح الحرية للكرد في أن يبقوا منعزلين.

إنّ قراءة الاتفاق – الشراكة – بين الدولة العثمانية والكرد في بدءاً من العام 1514 وقع أيضاً ضحية الفرضية الدينية، لذلك لم يحظ هذا الحدث الحاسم في التاريخ العثماني بتحليل يرقى إلى حجم التغير الذي طرأ. كان الاتفاق هو الرافعة الاستراتيجية الأولى التي رسمت الطابع الامبراطوري للدولة العثمانية بعد أن كانت قبل هذا التاريخ دولة نصف بلقانية ونصف أناضولية. بعد هذه الشراكة التي منحت للأمراء الكرد حق حكم إماراتهم وتوريثها و الحق في إقامة حكومة كونفيدرالية باسم كردستان، انكسرت الدولة الصفوية، ليس في المعركة العسكرية (جالديران)، فسرعان ما استعادت العاصمة تبريز و معظم أراضي كردستان؛ إنما خسرت التحالف مع الإمارات الكردية، من أورميه إلى آمد، وهذا الأمر أجبر الصفوية على إعادة صياغة كلية لاستراتيجيتها، فبدلاً من الطموح الامبراطوري للشاه اسماعيل الصفوي في أن يكون نهر الفرات هو الحد الطبيعي بينه وبين العثمانية، فإنه بات مقتنعاً بنهر آراس.

حاولت الصفوية الاستثمار في الأخطاء العثمانية في كردستان، فكسبت ولاء عدة إمارات كردية بشكل متفرق دون أن يشكل تحولاً في مجرى الصراع على الهضاب الثلاث المتسلسلة (الفارسية والأرمنية والأناضولية).

الملفت في الاتفاق الكردي العثماني أن السلطان سليم قام بخطوة لم يفعلها في أي مكان آخر، فقد أرسل صفحات فارغة ممهورة بختمه إلى العالم الكردي الكبير إدريس البدليسي وطلب من الأخير كتابة أسماء أمراء كردستان و حقهم في توريثها وإدارتها.

ما تكشفه الشرفنامة أن حملة الشرق للسلطان سليم، ضد الصفويين، كانت قد بدأت بمبادرة من الزعماء الكرد على شكل نداء حمله إدريس البدليسي للسلطان، وأقنعه أن بانضمام كردستان إلى دولته سيكون دحر الصفوية تحصيل حاصل. يورد صاحب الشرفنامة شذرات من سيرة عراب الاتفاق "مولانا إدريس الحكيم"، وهو الاسم الذي كان يعرف به في كردستان، منها أنه كان ذو شأن رفيع في حكومة "الآق قوينلو" ثم تغير الحال "ثم صار من ندماء مجلس السلطان سليم خان.. ورافق السلطان في غزوه مصر" ( ص 326 – ج1). و المنصب الذي أسنده له السلطان سليم بعد لقائهما في أماسيا هو كبير المستشارين.

يمكن صياغة المعادلة عشية جالديران على الشكل التالي: "الطرفَ الذي سيتحالفُ مع الكرد، كان سيغدو القوةَ السائدةَ في منطقةِ الشرقِ الأوسط. وموقفُ السلطانِ العثمانيِّ ياووز سليم بعقدِه التحالفَ الاستراتيجيَّ بين القوتَين اللتَين تكادان تُعتَبَران متكافئتَين (الكرد و الترك)، لَم يتأخرْ عن إعطاءِ ثمارِه التاريخية. والتحالفُ المُبرَمُ كان يعترفُ للإماراتِ الكرديةِ بشبهِ استقلاليةٍ واسعةِ النطاقِ وبصلاحياتِ التحولِ إلى حكومة. وأكثر من كونِه تحالفاً، فقد كان يَشُقُّ طريقَه صوب إمبراطوريةٍ تركيةٍ – كردية، مثلما حالُ الإمبراطوريةِ النمساويةِ – المجرية. وأيُّ راصدٍ يَقِظٍ للتاريخ، سيَتمكنُ من رؤيةِ الطابعِ الاستراتيجيِّ للشراكةِ بين بلادِ الأناضولِ وميزوبوتاميا" (عبدالله أوجلان – خريطة الطريق – ص 108).

إن إعطاء لمحة عن الأحداث التي تلت وفاة كل من إدريس البدليسي والسلطان سليم، يفيد في إظهار هشاشة وثيقة التحالف. و من الجلي أن سياسة سليمان القانوني بخصوص الجبهة الشرقية تتلخص في إنهاء الحكم الوراثي - الشرعي بأمر من السلطان السابق- للسلالات الكردية. وكان الانقضاض على استقلالية الإمارات الكردية تدريجياً امتد ثلاثة قرون.

طريق الشرق التجاري

يمكن اعتبار مطلع القرن السادس عشر (1500م) بداية التحضير للنزال النهائي بين الدول المشرقية الثلاث الكبرى (الصفوية - العثماني – المملوكية) ونهاية القوى الثلاث الصغرى (الآق قوينلو – القره قوينلو – دلقادر). كانت الخريطة التجارية في حالة توازن وترقب لنتائج الصراع.

يبدأ الطريق التجاري الأكثر نشاطاً من تبريز، عاصمة الدولة الصفوية، حيث تصلها البضائع من مدن إيران ووسط آسيا وتتجه إلى بدليس - آمد – أورفا وصولاً إلى حلب؛ فأصبحت تبريز صاحبة اليد العليا تجارياً مقارنة مع المركز التجاري العثماني في مدينة بورصة على بحر مرمرة، وبالتالي، وقعت الدولة العثمانية في مطلع القرن الخامس عشر تحت رحمة مركزين اقتصاديين، تبريز في الشرق، والقاهرة عاصمة المماليك في الجنوب. و لم تكن أي من مدن شرق الفرات (كردستان) في يدي العثمانية قبل حملة جالديران، وبالتالي الاتصال التجاري كان مباشراً بين الصفوية والمماليك، لكن ليس حين كان جيش السلطان يرابط على الطريق في حملات خاطفة ومؤذية للتجارة بين الدولتين.

تشير سجلات الرسائل الخاصة بالسلطان العثماني سليم الأول (1512 – 1520) كيف تحولت العلاقة بينه وبين السلطان المملوكي قانصوه الغوري (قتل عام 1516) من الود إلى الجفاء، وكيف بادر السلطان سليم إلى لغة الشتائم في حقه. كان السبب أن المماليك أرسلوا وفوداً إلى تبريز، وعقدوا علاقات تجارية مثمرة مع الصفويين. أسس هذا التحالف لنهضة جديدة لمدينة حلب التي باتت مجدداً محطة تجارية كبيرة بين تبريز والقاهرة والقسطنطينية. وكان رد سليم على هذا التحرك الثنائي، الصفوي المملوكي، بإغلاق طريق الشرق التجاري، أي التجارة بين بلاد الشام وإيران، وحظر دخول القوافل المتجهة من حلب إلى الشرق المرور عبر الأراضي العثمانية بعد انتصار جالديران، حيث باتت له القدرة على استخدام هذا السلاح الاستراتيجي (طريق الشرق) بفضل جرأته السياسية في توزيع المراسيم البيضاء على أمراء كردستان. فكانت حرباً تجارية مدمّرة سرعان ما حسمت في معركة مرج دابق بعد فترة وجيزة، في أغسطس 1516، في ريف حلب الشمالي؛ وفيها أبيد جيش المماليك وقتل زعيمهم قانصوه الغوري، فدخل سليم الأول إلى حلب ثم دمشق ثم القاهرة والإسكندرية، ليستولي على كافة خطوط التجارة في الحوض الشرقي لبحر المتوسط.

انقلاب تجاري 

تلعب المدن الكبيرة دور الرابطة الاقتصادية مع المراكز الصغيرة القريبة، وهذا يؤدي إلى بقاء هذه التجمعات ونموها. كما في حالة اسطنبول التي كانت سبباً في إحياء مناطق ميتة، مثل دوبروجة شرق رومانيا التي باتت مصدراً لتزويد اسطنبول بالقمح بعد عام 1453، وكذلك تحولت سراييفو من قرية بائسة إلى مركز للبوسنة نتيجة اتخاذ العثمانيين مساراً برياً للتجارة عبر البلقان في القرن الخامس عشر من أجل إلحاق الضرر بتجار البندقية الأقوياء.

أصيبت التجارة العالمية بصدمة التنافس العدمي بين القوى الإسلامية الحديثة، الصفويين والعثمانيين والمماليك. وبينما نجح العثمانيون في هزيمة المماليك والاستيلاء على عائدات التجارة من مصر إلى القسطنطينية، إلا أنهم عجزوا عن تحقيق انتصار تجاري ضد الصفويين، رغم المبالغة في تصوير الانتصار العسكري في جالديران والذي كان الانتصار، إلى حد كبير، ثمرة انقلاب الكرد على الصفويين وضمهم كردستان إلى الدولة العثمانية (وردت تفاصيل التحالف في وثائق الباب العالي وكذلك في كتاب أوليا جلبي "سياحتنامة"). فقد بقي مسار التجارة الآسيوية خارج أيدي العثمانية لأن هزيمة اسماعيل شاه في جالديران كانت جزئية ومرقتة، ولاحقاً أعاد حفيده الشاه عباس الكبير ( 1588 م ـ 1629 م) كل ما فقدته الصفوية في جالديران، وأحدث انقلاباً تجارياً مبتكراً على العثمانيين.

فقدت مدن خط التماس العثماني الصفوي ميزتها التجارية مع وصول الشاه عباس، الحاكم الصفوي القوي، إلى عرش إيران. فقد كانت بلاد إيران قد تحولت إلى مُنتِج للحرير الطبيعي، ولم تعد منذ زمن تستوردها من الصين. وازدهرت فيها فنون صناعة السجاد منذ العهد المغولي الذين اهتم خاقاناتها بالفنون. لكن بسبب تأسيس الأوروبيين مراكز لهم في بورصة العثمانية، بقيت أنواع من السلع الإيرانية تتدفق إلى الأناضول عبر كردستان، للوصول إلى محطة التبادل التجاري مع الأوروبيين. لكن ذلك لم يدم طويلاً، فقد وجّه الشاه عباس ضربة مؤلمة لتجارة الترانزيت، وحوّل المسار التجاري إلى المحيط الهندي بتأسيس ميناء بندر عباس، متخلياً عن الطريق البري بين تبريز والأناضول. وفي عام 1603 منع تصدير الحرير عبر الدولة العثمانية.

هكذا، أدت التحالفات السياسية الدولية إلى عزل الدولة العثمانية تجارياً، وباتت مدخولات التجارة تسد قدراً ضئيلاً من الحاجات، لكنها كانت كافية لضمان بقاء المحطات التجارية على قيد الحياة.

في فترة انقطاع التجارة بين تبريز والأناضول، نشط الطريق الذي ابتكره الامبراطور جستنيان عبر البحر الأسود، وكان هذا الممر الشمالي، البديل التجاري المثالي للطريق الإيراني. كان رداً عثمانياً على الشاه الإيراني. لكن التوسع الروسي جنوباً أخرج هذا المسار عن السيطرة العثمانية، واستولى القيصر إيفان الرابع (1547-1584) على معظم طريق الحج والتجارة من آسيا الوسطى إلى الأراضي العثمانية. بدت حقبة الازدهار التجاري تتعرض لتحديات في نهاية عهد سليمان القانوني (حكم بين 1520 – 1566)، وباتت مقولته الشهيرة موضع شكّ: "أنا الشاه في بغداد، وفي بيزنطة أنا القيصر، وفي مصر أنا السلطان. تبحر سفني في مياه أوروبا والمغرب والهند". وباتت المدن الحدودية بين الصفوية والعثمانية ليست مجرد شريط حدودي يضم مدناً قليلة وفق مفاهيم هذه الأيام، إنما كانت كل كردستان وأرمينيا وأذربيجان، التي تضم اليوم عشرات الملايين من السكان، كانت منطقة حدودية عسكرية. وحدث انزياح سكاني مستمر من المدن الصغيرة باتجاه مراكز حضرية تتمركز فيها جيوش، مثل دياربكر وباكو وتبريز وتبليسي. فضلاً عن ذلك، فقدت الدولة العثمانية سيطرتها على التجارة في البحر الأسود وتمادى الفرسان القوزاق، و هي فرقة مرتزقة عملت لصالح روسيا ورسمت طريق فتوحاتها لمرحلة طويلة، ودمروا عام 1614 مدينة سينوب التجارية على الضفة الجنوبية للبحر الأسود، واحتلوا ميناء Yeniköy شمالي إسطنبول وأحرقوها عام 1625، وسيطروا على آزوف على مدخل القرم. هكذا فقدت الدولة شريانها الاقتصادي وتلاشى ازدهار موانئها حقبة من الزمن. و تاريخياً لوحظ تناوب ظاهرة تنافر بين المدن الداخلية والبحرية، فحين تزدهر الموانئ ومدن الساحل، نتيجة التجارة الدولية، تتراجع المدن الداخلية، والعكس صحيح. ذلك أن الاقتصاد الكلي في الدولة لم يكن تكاملياً، وبقي التنافس بين المدن البحرية والداخلية قائماً. ففي الفترة التي فقدت الموانئ العثمانية الحماية في القرن السادس عشر، فإن مدناً داخلية، مثل حلب ودياربكر، كانت مزدهرة بالخانات والأسواق، ونشاط الموانئ كان يعتمد على هذه التجارة الداخلية؛ ومع اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح تأثرت المدن الداخلية سلباً لصالح الموانئ البحرية.

يرصد الباحثان، خليل إينالجيك و دونالد كوارتر، في كتابهما (An Economic and Social History of the Ottoman Empire) تحولاً من هذا النوع بسبب التجارة. فقد كان الإنجليز حتى نهاية القرن السادس عشر يشترون الفلفل والتوابل في القاهرة. ولكن مع تأسيس شركة الهند الشرقية في عام 1600، أصبح الإنجليز يشترون التوابل مباشرة من السواحل الهندية لأن أسعار التوابل كانت تصل، بسبب الضرائب العثمانية، إلى ثلاثة أضعاف سعرها في موانئ الهند.

نهاية العالم!

حتى منتصف القرن السابع عشر كانت المدن العثمانية قد باتت بعيدة عن محاور التجارة المزدهرة: الطريق الآسيوي الأوروبي البري بات تحت سيطرة الروس، والطريق البحري عبر المحيط الهندي تحت هيمنة الأوروبيين، والطريق الأقل ازدهاراً، وهو طريق إيران، بات يتفادى الأراضي العثمانية.

من الطريف أن فترة الانحدار رافقتها خرافة نهاية العالم على مستوى كافة طبقات السكان، خاصة الطبقات الدنيا، فقبل حلول العام 1000 حسب التقويم الهجري، وهو ما يعادل 1591 و1592 في التقويم الميلادي، ساد يأس بين السكان أن يوم القيامة سيحل قريباً، وسرت نزعة استسلامية أمام الفساد والنهب وحتمية أن كل شيء سينهار قريباً. كما شهدت القاعدة الأساسية للحكم العثماني، في الأناضول، حركة تمرد متقطعة ومنهكة للدولة، استمرت أكثر من قرن، بين 1519 و1648. في هذه الحقبة انقلب اتجاه التنمية، وعلى ما ينقل الكاتب والجغرافي العثماني أوليا جلبي في "سياحتنامة"، فإن منطقة كردستان كانت تشهد ازدهاراً في كافة المجالات، التجارة والفنون والصناعة والأدب، فيما كانت مناطق الأناضول في حالة اضطراب.

كانت فترة ازدهار المدن، عموماً، تكون ذات دورات قصيرة، خاصة القريبة من خطوط التماس، بسبب تبدل السيطرة بين الدول، وسياسات العقاب الجماعي التي كانت تترك كل مرة المدن المتنازع عليها خراباً، ويتم على الفور قتل جماعي للقسم الأعظم للسكان. هذا ما دعا المؤرخ العثماني إبراهيم بجوي (1572-1650) إلى التعبير عن أسفه لما فعله الجيش العثماني في تبريز عام 1585 "قاموا بقتل السادات والأشراف والنجارين وأرباب الحرف الذين وجدوهم في المدينة وذلك في ثلاثة أيام وثلاث ليال". وحدثت كارثة لطّخت سمعة هذا القائد العثماني. فقد حدث سبي واغتصاب علني لنساء تبريز الشيعة، وتم بيع العديد منهن في الأسواق مع أطفالهن، وهو حدث لم يستطع المؤرخ بجوي أفندي تجاهل التنديد به. كان الانقسام السني الشيعي قد بدأ يحد من التفاعل التجاري والاجتماعي، وهو مسار تفاقم لاحقاً بشكل أكبر.

كردستان وحلب

تاريخياً، ارتبطت نهضة مدن كردية عديدة بمدينة حلب، فحين تزدهر الأخيرة تجني دياربكر وبدليس مكاسب اقتصادية مهمة، حيث أنها تشكل معبر التجارة بين حلب والمدن الإيرانية، وبقي هذا الارتباط بين حلب وكردستان، وكذلك الموصل وكردستان، حتى نهاية الحكم العثماني. 

في منتصف القرن السابع عشر، زار الرحالة العثماني أوليا جلبي (1611 – 1682) مدينة آمد، فكان فيها 60 سوقاً. و قدم جلبي وصفاً فريداً للصناعات المزدهرة في المدينة (آمد) ومحيطها الريفي (دياربكر)، من بينها المسدسات والرماح والسيوف، وفنانون يرسمون منمنمات تاريخية "يتفوقون على بهزاد"، على حد تعبير جلبي. وبهزاد (توفي عام 1535) أشهر رسام منمنمات في تاريخ المنطقة. وكانت المهنة الشائعة لسكان آمد هي التجارة والصناعات الحرفية.

كانت أرزروم خلال الحقبة العثمانية الوسطى تنافس دياربكر في تجارة العبور، حيث أن القوافل القادمة من بلاد إيران، حين تعبر من أرزروم، فهذا يعني أن وجهتها إلى "بورصة" على بحر مرمرة، أما حين تمر من دياربكر فإنها تسلك الطريق إلى حلب ثم إسكندرون. كما يشكل الطريق ذاته مساراً للحج الإسلامي حيث تتجمع قوافل الحج القادمة من كردستان والأناضول والقفقاس والبلقان في حلب قبل الانطلاق جنوباً صوب دمشق ثم الأراضي المقدسة في الحجاز. 

قناة السويس.. محنة شرق المتوسط

وفّر هذا التذبذب التجاري بقي يوفر شيئاً لصالح الاستمرارية المدنية؛ لكن ليس قبل أن تحل الضربة القاضية على شرقي المتوسط والأناضول مع افتتاح قناة السويس. كانت البلاد قد أنهكت من الديون ولم يعد الدخل المالي يعين على سد بؤر الفساد الكبيرة، فكانت الحصيلة ثورتان دستوريتان في كل من طهران واسطنبول بين 1906 – 1911 كانتا تعبران في مظهر أساسي إلى تحولات اجتماعية تأثرت عميقاً بالانهيار الاقتصادي في البلدين. وفقدت مدن فرصتها في دخول حضارة التجارة، مثل الأنبار في العراق، التي خسرت مشروع ربطها بالبحر المتوسط عبر سكة حديد طموحة، بسبب عدم جدواها أمام ثورة النقل البحري العالمي المتمثلة في قناة السويس.

في هذه الفترة تحديداً، التي تزامنت مع قرن الإصلاحات الفاشلة في إيران وتركيا، تعرضت كردستان وأرمينيا والموصل إلى انهيار إداري شامل. وفي هذه المرحلة التي فقدت فيها الدولة مواردها الأساسية، وباتت "دولة تابعة" للمركز الاقتصادي الأوروبي بالمفهوم الرأسمالي الكلاسيكي، اتسعت البداوة وتقلصت المساحات الحضرية في المدن، من تبريز إلى دياربكر وصولاً إلى حلب، واقتربت مضارب وخيام القبائل البدوية الكبيرة من المدن الرئيسية التي باتت تحرسها حاميات عسكرية ضعيفة تضطر للدخول في صفقات إذعان لرد الغارات القبلية.

كيف حدث الانهيار؟

أدى التفاوت في التطور بين امبراطوريات العالم إلى تحويل بعضها لمجرد ساحات عبور (ترانزيت) للتجارة الدولية، واستنزاف للموارد الخام المحلية، وهذا الأمر وسّع الطبقات الهامشية في المجتمع. حدث هذا في الدولة العثمانية منذ مطلع القرن السابع عشر.

ما ساعد على هذا المسار التدريجي أن الدولة العثمانية لم تكن جزءاً من أعظم تحولين في أوروبا. وهما الثورة الفرنسية (1789) والثورة الصناعية في بريطانيا. لم تسمح البنى التقليدية من تحديث الدولة و أن تواكب هذين الحدثين الكبيرين، رغم المحاولات المعروفة في عهد السلطانين محمود الثاني (1808-1839) وعبد المجيد الأول (1839-1861) والتي أدت، في أحد أوجهها، إلى هيمنة الطريقة الصوفية النقشبندية على كردستان كحركة مقاومة ضد التأثيرات الجانبية لـ"الإصلاح المضطرب"، وإلى صعود النزعة القومية الأرمنية، والعبث الذي طال المجتمعات المحلية المتداخلة، دينياً، على أيدي مبشّرين مغامرين من البروتستانت والكاثوليك.

في موازاة ذلك، فقدت الدولة العثمانية السيطرة على الموظفين المدنيين الذين تولوا تسيير أمور الدولة بدلاً من العسكريين كجزء من الإصلاحات. و باتت الضرائب وحشية في طرق الجباية، و هي عبارة عن نهب منظّم للفقراء أدت في بعض أجزاء الدولة، مثل كردستان والعراق، إلى ارتداد عكسي في التقدم، فقد تحوّل قسم كبير من الفلاحين الذين فقدوا كل شيء، من الزراعة إلى البداوة، وانضموا إلى الفرق المسلحة المتحركة من مكان إلى آخر لنهب القوافل والإغارة على مكاتب الحكومة على أطراف المدن. و تفاقم الانهيار الاقتصادي والاضطراب الاجتماعي مع التداعيات الكارثية لحرب القرم (1853 – 1856) ثم فتح قناة السويس (1869).

كانت المحطات التجارية في هذه المنطقة المضطربة من شرق الامبراطورية العثمانية تفقد مكانتها شيئا فشيئاً لأسباب لا يمكن ترتيبها لكثرتها، لكنها مرتبطة، في الأساس، بفشل التحول الصناعي في الدولة ككل. و قد صاغ عالم الاجتماع البريطاني إريك هوبزباوم(1917 – 2012) تعريفاً بليغاً للثورة الصناعية في كتابه "عصر الثورة" بأنها- من حيث حجم المبيعات – "انتصار لسوق التصدير على السوق المحلية"، وقد حدث العكس في الدولة العثمانية. و الأكثر من ذلك أن علامة التحول التاريخي تمثلت في أن الغرب، وللمرة الأولى في التاريخ، بات يصدّر إلى الشرق أكثر مما يستورد. و قد جُرّدت الهند من التصنيع على نحو منهجي منظم حتى أصبحت بدورها سوقاً لصناعات لانكشير القطنية. وبات ما عرف تاريخياً بـ"طريق التوابل" أو – على نحو أوسع – طريق الحرير، هو طريق القمصان القطنية في ظل الهيمنة التجارية البريطانية. وتحولت الدولة العثمانية إلى سوق لتوفير المواد الأولية للمصانع الأوروبية، حيث عطّلت المعاهدة التجارية البريطانية العثمانية، في العام 1838، تطور الإنتاج المحلي، وانهارت الصناعة المحلية بشكل متسارع بدون المرور بفترة انتقالية، وهو انحدار أثار استياء نخبة عثمانية متمدنة، من أبرزهم نامق كمال. 

في عقود لاحقة، كانت المدن والأرياف ترزح تحت ضغط هائل وبلغ السكان حالة من اليأس بسبب الاختلال الاقتصادي الرهيب، وسرعان ما حلت مجاعة الحرب العالمية الأولى، ثم الاحتلال الروسي المدمر لكردستان وشمال إيران عام 1916، ففقدت مدن صغيرة توفرت عنها إحصائيات، مثل راوندوز في كردستان العراق، ثلاثة أرباع سكانها في غضون عام واحد. وفي نهاية الحرب الكبرى الأولى، كان عدد المنازل الخالية في مدن الشرق وقراها يفيض عن حاجة السكان.

اليوم، مسارات طرق التجارة الرئيسية في الشرق تتعرض لتدمير ذاتي متواصل منذ عام 1980، من أفغانستان إلى إيران والعراق وسوريا. و تشن تركيا هجوماً في جوارها الكردستاني و تمارس تدميراً ممنهجاً للمسار القديم "حلب- دياربكر" التي باتت تتمثل اليوم - سياسياً- في القامشلي - دياربكر. و مع الحرب التي دارت رحاها مع تنظيم داعش في العراق وسوريا، تعرضت كافة محاور الربط الجغرافي بين إيران والبحر المتوسط للدمار، ولا يبدو أن الموصل والرقة وحلب ودياربكر، في طور إعادة الإعمار. وبدلاً من النمو المستدام دخلت حواضر شرق المتوسط و بين النهرين مجدداً في الخراب المستدام.