خطر الديمقراطية على الإمبراطورية الفارسية الإيرانية

السبت 22-01-2022 | PM 08:42 Iran

أحمد هاشمي

قُوبل سعي إيران للتحول إلى بلد ديمقراطي بعد الثورة الدستورية عام 1905 بمعارضة شديدة خاصة من قبل الإقطاعيين و المحافظين ورجال الدين فضلاً عن قوى إجتماعيّة أخرى. وعلى الرغم من مرور قرن على تحولها، إلا أن هناك فئات عديدة، من ضمنها عدد كبير من الشخصيات والأحزاب السياسية العرقية الفارسية، التي فضّلت تبني نظام معاصر بدلاً من النظام الديمقراطي خلفاً للإمبراطورية الفارسية.

صرح المسؤولون الإيرانيون في مناسبات عديدة بأنهم حُماة الإمبراطورية الفارسية، وأن مصير إيران مرتبط بمصير الجمهورية الإسلامية. إبّان الإحتجاجات المناهضة للنظام التي إندلعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، حذّر النظام المحتجين بأن المظاهرات من شأنها أن تؤدي إلى إنهيار البلاد وتقديمها على طبق من فضة لأعداء إيران وتحويلها إلى "سوريا ثانية".

ولمن الغريب أن هذا الدافع للحفاظ على النظام الحالي بشكله التقليدي يتجاوز الانقسامات السياسية المعاصرة بالإضافة إلى تبني قوى المعارضة آراءا متطابقة. فعلى سبيل المثال ووفقاً لتقرير وكالة رويترز، عندما وصلت احتجاجات 2019 في إيران إلى مستوى غير مسبوق ومثير للقلق حيث قُتل أكثر من 1500 متظاهر، حذّرت حركة الحرية الإيرانية التي يهيمن عليها الفرس من أن "إيران على وشك السقوط". ولمنع ذلك صرّح بعض القوميين الفارسيين العلمانيين أمثال السياسي المنشق ووزير الإعلام والسياحة السابق في عهد شاه إيران داريوش هُمايون جاهزيتهم لحمل السلاح والدفاع عن النظام الإسلامي الحالي إن كان ذلك يصبّ في مصلحة توحيد الإمبراطورية الفارسية. وبحسب الباحثة بريندا شافير، التي كتبت كثيراً عن إيران وجماعاتها العرقية، تمثّل هذه القضية نقطة حساسة حيث رأت أن "إيران تواجه صعوبة بالغة في التحول للديمقراطية كونها دولة متعددة الأعراق حيث تسيطر الأقلية على مقاليد الحكم و علاوة على ذلك يشكل التحوّل الديمقراطي خطراً على وجود الإمبراطورية الفارسية".

يدعم عدد كبير من الفرس من ضمنهم أعضاء نظام الشاه السابق ممن فروا من البلاد في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979 فكرة وحدة الإمبراطورية الفارسية على حساب التغاضي عن حقوق نصف سكان البلاد الأساسية من عرقيّات مختلفة. إضافة إلى تشجيع إمتلاك إيران للسلاح النووي، ودعم فيلق القدس التابع للحرس الثوري وتمجيد قائده قاسم سليماني. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست، فإن أردشير زاهدي، آخر سفير لإيران لدى الولايات المتحدة وصهر الشاه السابق "تحدث في بعض الأحيان بإيجابية عن النظام القائم ودافع عن البرنامج النووي للبلاد كما ومجّد زعيم فيلق القدس قاسم سليماني".

إن الرياح تجري وفقاً لأهواء النظام الإيراني في ظل هذا الوضع المعقّد والرغبة، خاصة من قبل الفرس، في الحفاظ على "الإمبراطورية" وإسكات المجموعات العرقية غير الفارسية في إيران و خارجها. غالباً ما يستغل النظام هذه الأيديولوجية التوسعية والتي يُشار إليها باسم "إيرانشهر"، لتبرير تدخلاته العسكرية في الخارج وقمع الأصوات المعارضة بالداخل لا سيما بين المجموعات العرقية غير الفارسية التي لديها أسباب قوية للسعي للتحول للديمقراطية.

الفرس العلمانيون أصحاب أيدولوجية "إيرانشهر" يدعمون النظام الإسلامي

لماذا يدعم العديد من القوميين الفرس العلمانيين نظام الملالي الحالي في إيران؟ الإجابة الصريحة عن هذا السؤال أنهم قلقون للغاية من إحتماليّة تفكك إيران نتيجة للسياسات العنصرية المتّبعة وعدم المساواة بين جميع الأعراق داخل البلاد. ومن المفارقات أن القوميين الفرس يخفون ذلك أثناء نقاشاتهم مع النُقّاد في الغرب. على سبيل المثال كرر مايكل روبين، وهو باحث في المعهد الأمريكي لأبحاث السياسة العامة، مزاعم الفرس دون النظر الى بقية المكونات، وذلك عبر مقاله الأخير الذي حمل عنوان ‏"لن تتفكك إيران عرقيّا على غرار إثيوبيا".

على الرغم من ذلك، لا يمكن إلقاء اللوم على روبين فلسان حاله كغيره من معظم المحللين الأمريكيين الآخرين والساسة ومراكز الفكر في واشنطن الذين لا يعلمون شيئا عن بقية الأعراق داخل إيران سوى من رواية الفرس الذين يقدمون صورة مغلوطة عن التركيبة العرقية المعقدة للبلاد وآثارها المستقبلية.

نتيجة للسياسات العنصرية المتّبعة في عدم المساواة العرقية داخل إيران، مكّن ذلك الفرس من أن يصبحوا أكثر ثراء وتعليما وأفضل تنظيما. فهم ممثلون بشكل كبير في الشتات الإيراني والأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام ومراكز الفكر. على سبيل المثال، الصحفيين والمفكرين الإيرانيين الأمريكيين الذين يقومون بأنشطة بحثيّة تتعلق بإيران في المراكز البحثية الكبرى في واشنطن أو عبر الوسائل الإعلامية جُلهم إما من أصل فارسي أو ينحدرون من العرقية الفارسية. و يقُدّم هؤلاء صورة عكسية للرأي العام عن هذه المجموعات العرقية غير الفارسية في إيران لأنهم يعتقدون إن هذه المجموعات تشكل مصدر تهديد لـ مفهوم "الأمة الإيرانية" القائمة على أساس الهوية الفارسية.

يجب أن تتضمن الرؤية المستقبلية في إيران إستراتيجية أكثر توازنا ووضوحا حيال القضايا العرقيّة وغيرها من القضايا المحلية المعقدة. وفي هذا الصدد، يعتبر الفرس عاملاً مكملاً لاغنى عنه في عملية التحول الديمقراطية الشاملة واللامركزية لمستقبل إيران. وإن حدث عكس ذلك فالبلاد حتما ستتجه نحو مصير مجهول.

وعلى النقيض مما تحدّث به روبن و غيره من الباحثين ، فإن النظام الإيراني لن يسقط كنتيجة لما يسميه البعض نظام قائم على العنصرية منذ عام 1925 وتقسم البلاد إلى عرقيات متعددة تشمل الأذر والعرب والكرد والبلوش. إنه من المهم التعرف على التنوع داخل إيران. ومع ذلك،  رفض النظام الإيراني الإعتراف ببقية المجموعات العرقية وحصرها فقط بالقومية العرقية الفارسية على مدى العقدين الماضيين، واتبع بشكل غير رسمي مبدأ الحقبة البهلوية المتمثلة في "أمة واحدة، لغة واحدة، قائد روحي واحد، إله واحد".

العلمانية تزيد من الوعي لدى المجموعات العرقيّة

ساعدت التطورات الأخيرة مثل بروز سياسات الهوية العالمية و تجدد القومية العرقية على الصعيد الدولي بالإضافة إلى ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الأخرى إلى إحياء الهويات العرقية في إيران. علاوة على ذلك، أدت سياسات أسلمة طهران إلى نتائج عكسية إلى حد كبير بين الشباب، ونتيجة لذلك اكتسبت القومية العرقية زخماً داخل البلاد. على عكس معظم الدول ذات الغالبية المسلمة، فإن الحماس للأيديولوجية الإسلامية في إيران بدأ بالخبو على مدى العقدين الماضيين. أمام هذا الواقع، بدأت الحركات القومية العرقية باعتلاء المشهد في إيران حيث بدأت المجموعات العرقية من الأذر والكرد والعرب والبلوش بالمطالبة بفرص إقتصادية متساوية واستقلال ثقافي ولغوي.

إيران أمام مفترق طرق إما إن تبقى إمبراطورية فارسية شيعية توسعية "إيرانشهر"، أو أن تتحول إلى دولة ديمقراطية متعددة الأعراق حيث لا يوجد تمييز بين الفرس و الشيعة عن بقية المجموعات الإثنية والعرقية والطائفية الأخرى.

وفي الوقت الذي تتراجع فيه شرعيّة النظام في الداخل بشكل متنامي ويتحول بقاءه في السلطة على المدى الطويل موضع شك، لا يسعنا سوا إنتظار ما يُخبّئه المستقبل لإيران.

المصدر:ناشيونال إنترست 

ترجمة: المركز الكردي للدراسات