طيف تروتسكي و أنور باشا في آسيا الوسطى

الأحد 09-01-2022 | PM 08:29 كازاخستان

حسين جمو

على عكس تحركاتها البطيئة في أوكرانيا وسوريا وليبيا، حسمت روسيا خلال الساعات الأولى من الاحتجاجات ضد النظام السياسي في كازاخستان، موقفها، وتدخلت على نحو عاجل مفاجئ في الإعلان والسرعة والتنفيذ، ومنعت سقوط نظام كان بدا أنه يتداعى بتسارع خاصة بعد سيطرة المحتجين على مؤسسات سيادية و عدم قدرة ورغبة قوات الأمن في ردع المحتجين.

وأعلنت السلطات السبت عن اعتقال الرئيس السابق لجهاز الأمن في كازاخستان كريم ماسيموف بتهمة الخيانة بعد إقالته، وهو حليف للرئيس السابق، نور سلطان نزارباييف منذ سنوات عدة بحيث شغل منصب رئيس حكومة في عهده.

وأظهرت خطوط التدخلات الإقليمية في كازاخستان تكتلين إقليميين يلتقيان في كازاخستان: دول معاهدة الأمن الجماعي التي تضم روسيا و بيلاروسيا و أرمينيا و كازاخستان و قرغيزستان و طاجيكستان، والتكتل الآخر منظمة الدول التركية وتضم تركيا و أذربيجان و كازاخستان و قيرغيزستان. إلى جانب هذين التكتلين، هناك دول «منظمة شانغهاي للتعاون»، وتضم الصين و روسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان والهند وباكستان. لم يكن لهذه المنظمة صوت معلن خلال الأحداث الأخيرة في كازاخستان، إنما اكتفت الصين، التي تقود فعلياً هذه المنظمة، بدعم التحرك الذي قادته روسيا باسم معاهدة الأمن الجماعي.

تعمل التكتلات الثلاثة في دائرة جيوستراتجية متقاربة، من القوقاز إلى آسيا الوسطى، ولم يحدث صدام أو تنافس بين التكتلين حتى تاريخ اضطرابات كازاخستان الأخيرة، حتى أن دولاً انضمت تحظى بعضوية في التكتلات الثلاثة معاً، إلا أنّ الوجهة العالمية لكل من معاهدة الأمن الجماعي، تحت القيادة الروسية، ومنظمة الدول التركية، بقيادة تركيا، تذهبان في اتجاهين مختلفين.

معاهدة الأمن الجماعي

تأسس هذا التحالف العسكري بشكل رسمي عام 2002 بعد أشهر من تدخل الولايات المتحدة في أفغانستان إثر اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول 2001. وأسس التكتل قوة رد سريع قوامها 20 ألف فرد في 2009، وتعترف الأمم المتحدة بوحدة حفظ السلام التابعة له المكونة من 3600 عنصر.

تعتبر منظمة معاهدة الأمن الجماعي «نوعا من الثقل الموازن الروسي في مواجهة حلف شمال الأطلسي (الناتو)»، وفق المتخصص في الشؤون الأوروبية-الآسيوية ديفيد تيورتري بحسب تقرير لـ«فرانس 24». واعتبر المسؤول العسكري الفرنسي السابق والباحث باسكال أوسير أن المنظمة «لا ثقل لها» بدون الروس، مؤكدا أنها «من بقايا حلف وارسو» الذي كان قائما في حقبة الحرب الباردة. ووصف منظمة معاهدة الأمن الجماعي بأنها «ناتو مصغر.. تقوده روسيا مقابل الولايات المتحدة على الجانب الآخر».

منظمة الدول التركية

انبثقت عن المجلس التركي الذي تأسس في أكتوبر 2009 في نخجوان، الإقليم شبه الخالي سكانياًَ التابع لأذربيجان. و تحت تأثير السياسات القومية للتحالف الحاكم في تركيا (حزب العدالة والتنمية و حزب الحركة القومية) اندفعت السياسات التركية، في الداخل والخارج، نحو الفضاء الطوراني التركي، فأضفى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نزعة أكثر تطرفاً على توجهات الدولة، ضد الكرد في الداخل، واندفع تجاه العالم التركي في الخارج، خاصة في السنة التي تلت محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016. وفي نوفمبر 2021 غيرت الدول الناطقة بالتركية اسمها في قمة اسطنبول إلى «منظمة الدول التركية» بعد أن كانت تجتمع تحت مسمى «المجلس التركي» خلال القمم السابقة. وباتت تسير على برنامج يصيغه حزب الحركة القومية على هدى بيانات أنور باشا الثورية الداعية إلى تحرير العالم التركي من البلشفية تحت قيادة فلاديمير لينين، بل أن يسقط الباشا صريعاً عام 1922 في بخارى (أوزبكستان) خلال معركة ضد الجيش الأحمر بقيادة ضابط أرمني.  في تلك المعركة يمكن قراءة رموز تفوق الحجم العسكرية للمعركة. فقد كانت المعركة بين رؤيتين، أنور باشا صاحب نظريته التي ختم بها حياته (الأمة التركية) وبين ليو تروتسكي القائد الحربي الذي أعاد بناء الجيش الأحمر تحت مبدأ "الإرهاب الأحمر".  

انقلاب ضد تركيا

خلال الأزمة الأخيرة في كازاخستان، أربكت سرعة الأحداث تركيا فلم تنجح في تغليف تحرك سياسي أو أمني لها تحت غطاء «منظمة الدول التركية»، لكن ذلك لم يمنع أوساط إعلامية مؤيدة لهذه المنظمة في تركيا من التعبير عن مرارة وخيبة أملها تجاه التوغل العسكري الروسي الكبير في آسيا الوسطى.

الكاتب محمد نور الدين استعرض مقتطفات لكتاب أتراك موالين لأردوغان علقوا على التطورات في كازاخستان، فكتب يوسف قبلان، ذو الميول الإسلامية، في صحيفة «يني شفق» المؤيّدة لـ«العدالة والتنمية»، أن «روسيا تلعب لعبتها في آسيا الوسطى لمنْع تركيا من إعادة لمّ شمل دول العالم التركي»، قائلاً: «هذا انقلاب ضدّ تركيا»، معتبراً أن «على كازاخستان أن تطلب العون الفعلي من هذه المنظّمة، وليس من روسيا».

وبدلاً من الاعتراف بهزيمة الغاية التي نشأت من اجلها منظمة الدول التركية، سوّق إعلام السلطة في تركيا لنظرية تآمر روسيا والولايات المتحدة لمنع هذه المنظمة التركية من القيام بدورها.

رغم أن المبادرة خرجت من أيدي تركيا ومنظمة الدول التركية، تحاول الدبلوماسية التركية الظهور بمظهر «صاحب دور»، لكن ما يضمن أنها ستبقى في الصفوف الخلفية أن أنقرة ما زالت في موقف وسطي بين روسيا والدول الغربية، فلا هي أعلنت عن دعم النظام ولا تأييدها للاحتجاجات ولو من بوابة حقوق الإنسان وحرية التعبير. وكانت منظمة الدول التركية أصدرت بياناً يمكن وصفه أنه لا يقول شيئاً. فقد أكدت على الاستعداد «لدعم الشعب والحكومة في كازاخستان، عند الحاجة». وأعربت عن ثقة الدول الأعضاء في أن السلطات الكازاخستانية ستكون قادرة على «نزع فتيل التوتر بالطرق السلمية، وإعادة بسط الهدوء والنظام».