من أوتريخت إلى روبوسكي

الإثنين 27-12-2021 | PM 09:16 روبوسكي

فريدريكا خيردينك

مثل هذا اليوم، 28 كانوان الأول/ ديسمبر 2011، كانت الصحفية الهولندية فريدريكا خيردينك في اسطنبول حين ارتكب الجيش التركي مجزرة بحق قافلة من الكرد يعمل أفرادها على نقل البضائع على طرفي الحدود بين تركيا والعراق، وبعلم السلطات وفق شهادات التحقيق، فقد كان المهم بالنسبة للحكومة في شمال كردستان أن ينشغل السكان بأنفسهم بحياتهم اليومية فقط وأن لا يكونوا جزءاً من حراك سياسي أو مسلّح. لكن السلطات قررت لسبب ما، قصف مجموعة من عابري الحدود في بلدة روبوسكي في ولاية شرناخ بعنف. قيل إن طائرة أمريكية بلا طيار زودت السلطات التركية بصور لمجموعة مشبوهة. في النتيجة، قتلت المجموعة وعدد أفرادها 34 شخصاً، كلهم من القرويين الفقراء، و من بين هؤلاء 19 ممن لم يتجاوزا الـ18 عاماً.

بعد أيام على حدوث المجزرة قررة فريدريكا التقصي عن الحدث الي قدمه الإعلام التركي كحادثة مشبوهة لمجموعة من المتمردين، و في أفضل الأحوال بعد تكشف التفاصيل، زعمت أن التباساً حصل في التمييز بين المهربين وبين "المتمردين". في نتيجة التقصي أصدرت فريدريكا كتاباً بعنوان "مات الأولاد" تطرقت فيه إلى تاريخ القضية الكردية في تركيا، منطلقة من سؤال بدأ بمجزرة روبوسكي وانتهى به: هل تم قتل هؤلاء لأنهم كرد فعلاً؟ هذا السؤال سيقود الكاتبة لاحقاً إلى العمل على تحقيق ميداني من نوع آخر استغرق نحو عام كامل بقيت فيه فريدريكا بين مقاتلات ومقاتلي حزب العمال الكردستاني في معاقل جبلية عديدة، وصدر كتابها بالهولندية في عام 2018، والنسخة الإنجليزية صدرت مطلع العام 2021 بعنوان "This Fire Never Dies".

شكلت مجزرة روبوسكي نقطة تحول في مسيرة الصحفية الهولندية. لم تركن للتقارير. تعرفت على منطقة روبوسكي وتنقلت في منازل البلدة الصغيرة وتعرفت على شخصياتها الغارقة في الحزن. من بين ضحايا المجزرة كان شخص يدعى عثمان كابلان. تعرفت فريدريكا عن قرب على عائلته، وقضت وقتاً معهم ومع عائلات الضحايا الآخرين. محمود هو الطفل الأصغر لكابلان، وكان في ذلك الحين يبلغ خمس سنوات. حين رأته فريدريكا أمام منزل والده كان يتدلى من غصن شجرة وغير مدرك لما يجري حوله.

في الذكرى العاشرة للمجزرة، أرسلت فريديكا خيردينك رسالة لمحمود كابلان عبر المركز الكردي للدراسات. النص المرسل بالإنجليزية سيترجم إلى التركية والكردية، وهنا الترجمة العربية للرسالة:

 ***

 عزيزي محمود..

كان عمرك خمسة أعوام عندما التقيتك أول مرة. تحايلتَ حينها على عمرك أو ربما لم تعلم فعلاً. ادّعيتَ أنك في السادسة، لكن شقيقتيك الأكبر سناً منك، سينم وإسراء، كانتا متأكدتين من أن عمرك خمسة أعوام و سخرتا من حيلتك الصغيرة. أذكر أنك كنت برفقة صديق لك - لم أعد أذكر اسمه - مشاغب و كثير الحركة مثلك. لقد كنت تتسلق باب غرفة المعيشة الأزرق المكسور وتتأرجح جيئة و ذهاباً. عندما أرسلتك والدتك لتلعب في الخارج، ركضت مسرعاً وقفزت وأمسكت بغصن الشجرة الذي كان ممتداً أمام المنزل و بدأت بالتأرجح عليه. ناديتك  "آبجي" و معناها بالهولندية " القرد الصغير"، رمقتني بنظرة وقلتَ لي انطقيها جيداً "آبجيه"، هل تذكر؟

لم تكن تعرف ما حدث قبل ثلاثة أشهر فقط ، في 28 ديسمبر / كانون الأول 2011 . إنه يوم كئيب في حياتك وحياة عائلتك. في ذلك اليوم، لم يعد والدك في هذه الحياة. فقد قتل ومثله 33 آخرين من تجار الحدود في قصف شنه الجيش التركي عندما كانوا يحاولون العبور إلى تركيا مرة ثانية ، من يستطيع أن يشرح لك كيف جرت الأمور؟

جُلّ ما أتذكره هو أن والدتك ، باكيزه، أخبرتني أنها وبقية العائلة لم يكلفوا أنفسهم بشرح هذه المصيبة للأطفال. عليكم أيها الأطفال أن تتبعوا خيوط الحكاية و معرفتها بشكل تدريجي، إضافة لمعرفة ما حدث في القرية عبر مشاهدة التقارير الإعلامية. لقد بدأتَ تدرك ما حدث بعد مرور أعوام من الفاجعة. أوضحَت أختك هوليا التي كانت تبلغ من العمر سبع سنوات عندما زرت عائلتك لأول مرة في تلك الفترة، ما حدث عبر سردها لقصة كنت قرأتها قبل عامين أو ثلاثة أعوام. قالت إنها علمت بما حدث لوالدها ورفاقه بعد مرور أعوام على الفاجعة، وتساءلت كيف لها ان تتوصل إلى التفاصيل فيما الحكومة ما تزال غير مبالية. إنها في السابعة عشرة من عمرها الآن. ترى هل هي مدركة أن الحكومة كانت على علم بما حدث وأن عمليات القتل الجماعي كان عن قصد، وأن الحكومة لا تأبه بذلك؟

عزيزي محمود ، على الرغم من أنك كنت صغيراً ، تركض و تلهو و تتأرجح على أغصان الأشجار إلا أن هناك لحظات صمت مطبقة. يحصل ذلك عندما تقوم أنت أو أي شخص آخر مثل والدتك أو جدتك بحمل صورة كبيرة لوالدك عثمان كابلان في المناسبات. أمام هذا المشهد الحزين ، ستشعر بقشعريرة في كامل جسدك، و عيناك ترويان قصة حزن عميقة فيما بدا وجهك شاحباً والكلمات حبيسة في صدرك وأنت تحني رأسك حزناً. عندما أتذكر ذلك المشهد الكئيب، قلبي ينفطر ألماً.

لم أتصل بأسرتك كثيرًا منذ أن أُبعدت عن تركيا في سبتمبر /أيلول 2015 . هل تذكر عندما تحدثنا عبر الهاتف منذ عدة أعوام؟  لقد سألتني متى سأعود مرة أخرى. لو كان بيدي لرجعت فوراً بيد أن الحكومة لا تسمح لي بالعودة. هل تعلم أنني كنت أخطط للسفر إلى روبوسكي في اليوم التالي لإطلاق سراحي من قبل الشرطة التركية في يوكسيكوفا؟ كان عيد الأضحى على الأبواب. عادت الحرب بعد أن أنهى أردوغان عملية السلام بعد عامين. كنت أرغب في قضاء الإجازة مع عائلتك والقرويين الآخرين. وتساءلت: ما الذي سيحدث لروبوسكي بعد أن انتهت عملية السلام و ما تأثيرها على الحياة اليومية، فضلاً، عن مخاطرها، على تلك العوائل التي تنادي من أجل تحقيق العدالة في روبوسكي؟

منذ 28 ديسمبر 2011 ، توقفت حركة التهريب عبر الحدود من تلك النقطة. هل ستسلك نهج والدك على الرغم من معرفتك بما حدث له؟ بما أن عمرك 15 عاماً بالتأكيد ستتخذ القرار بنفسك ما إذا كنت ستسلك درب والدك والفتية الـ19 الذين كانوا مع المجموعة التي وقعت في كمين المجزرة. سمعت أن العديد من الرجال بدأوا مرة أخرى في كسب معيشتهم من خلال الانتساب لـ"حماة القرى"، بغض النظر عن مدى احتقارهم و كراهيتهم للنظام. ترى، هل أخوك الأكبر أوزكان انضم إليهم أيضاً؟ لا أستطيع أن أتخيل أنه يبلغ من العمر 22 عامًا بالفعل.

في مقال عبر الإنترنت قبل سنوات ، قرأت أنك كنت أحد الأطفال الذين طرحوا أسئلة عديدة عن والدك . والدتك أخبرتْ الصحفي بأنك كنت أكثر انطوائية من بين أطفالها الخمسة، وأنك تزور قبر والدك كل يوم وتواصل السؤال عن سبب مقتله. عندما أتيت إلى القرية للمرة الأولى، بعد خمسة أيام من المجزرة وقبل ثلاثة أشهر من لقائي بك وعائلتك ، سألت أسر الضحايا نفس الشيء: "لماذا حدث هذا؟" هل تعلم بما أجابوني ؟ " لأننا كرد".

كصحفي ، لم أستطع أن أتغاضى عن هذه الإجابة. بحثت في أسباب قولهم ذلك ، لأتمكن من شرح ذلك لقرائي. وبعد كل تحقيقاتي ، و المقابلات التي أجريتها ، و استقصائي للمصادر التاريخية إضافة إلى زياراتي للقرية، خلصت إلى النتيجة نفسها : والدك عثمان كابلان ، و 33 آخرون قتلوا لأنهم كرد. يجب أن تعي بأنك ما زلت في منتصف رحلتك لاكتشاف معنى أن تكون كرديًا في تركيا. الأمور صعبت بالنسبة إليك لإدراكها. لست وحدك يا ​​عزيزي محمود ، عائلتك المحبة، قريتك، أمتك، الحركة بأكملها، إلى جانبك.

لا تنس.. أنا أيضاً .. سأكون دائماً إلى جانبك. لن أنسى "روبوسكي" ما حييت.

اعتنِ بنفسك إلى أن يحين اللقاء مجدداً.

 ***

فريديريكا

أوتريخت ، 23 ديسمبر /كانون الأول 2021