تركيا تسخر المياه سلاحاً ضد سكان شمال شرق سوريا

الأربعاء 15-12-2021 | AM 06:35 المناخ

دانييلا سالا، بارت فون لافيرت، شافين محمد

في احدى أيام من شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، كان أحمد محمود يتجول بين بستانه المزروع بشجر الزيتون، ويتفقد الأشجار، في وقت أوشكت الشمس على الغروب.

كان هذا الرجل ذو الـ 52 عاماً يقف ويتأمل شجرة في البستان قد يبست، حيث تقدم نحوها وقد قطع غصن يابس منها وثم رمى الغصن على الأرض. ويستذكر قائلاً :" كان هذا البستان ذات مرة مزروعاً بـ 8000 آلاف شجرة، إذ قمت مع شقيقي بزراعتها. لم يكن البستان يقتصر على شجر الزيتون فحسب، بل هناك أيضاً أشجار الليمون والعنب. لجأ تنظيم داعش إلى قطع المياه عن بساتيننا بغية إخضاعنا والانصياع لرغباته. نتيجة لذلك، فقد جفت نحو 3000 شجرة، واعتقدنا أن الأمور لن تتدهور أكثر من ذلك. بيد أن هذا العام، جفت 3000 شجرة أيضاً نتيجة لشحّ المياه ".

جاء تدهور بستان أحمد على الرغم من أن قريته « عايد الصغير» والتي يقطنها نحو 1000 نسمة لا تبعد عن سد الطبقة على نهر الفرات سوى 3 كم ( 1.8 ميل)، ويعتبر هذا النهر من أطول الأنهار في سوريا ، كما يمكن رؤية بحيرة الأسد من موقع البستان نفسه .

منذ عام 2020 ، انخفض منسوب المياه في البحيرة بمقدار ستة أمتار، نتيجة لإنخفاض منسوب نهر الفرات، ولم تعد محطات الضخ قادرة على الوصول إلى مياه النهر والتي تعتبر شريان الحياة بالنسبة للقرى والحقول المحيطة بها. ونتيجة للإنخفاض القياسي بمنسوب نهر الفرات في عام 2021 ، تأثر حوالي ثلث المضخات البالغ عددها 200 تقريباً على طول النهر، فيما يواجه أكثر من 5 ملايين شخص في المنطقة صعوبة في تأمين المياه  وفقاً لإحصائيّات الأمم المتحدة.

أسباب شُحّ المياه

على الصعيد العالمي، يعد الشرق الأوسط من بين المناطق الأكثر تضرراً من أزمة المناخ. ويشكل سوريا مثالاً على ذلك، تماشياً مع تأخير هطول الأمطار الشتوية طوال عام 2020- 2021 حسب منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو). في حين أكدت منظمة الأغذية والزراعة أن الحرارة الشديدة في أبريل / نيسان أثرت على المحاصيل في كثير من المناطق، بعد عام سيء بكل المقاييس.  وعانت البلاد من أسوأ موجة جفاف منذ 70 عامًا  هذا الصيف وذلك وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وتشير أرقام وكالة الأمم المتحدة بأن هناك خسائر ما لا يقل عن 75٪ من المحاصيل البعلية وما يصل إلى 25٪ من المحاصيل المروية في جميع أنحاء شمال شرق سوريا.

ويزداد الوضع سوءاً و تدهوراً بسبب إنخفاض منسوب نهر الفرات الذي يصل سوريا قادماً من تركيا. وقال بو فيكتور نيلوند، ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة في سوريا (اليونيسيف) :" إن إنخفاض منسوب نهر الفرات سينعكس سلباً على سكان المنطقة. مياه الشرب بدأت بالتقلص في ثلاث مناطق على الأقل في سوريا : دير الزور والرقة و حلب. نحن بأمسّ الحاجة لإجراء محادثات على المستوى الإقليمي لإيجاد حل في أسرع وقت ممكن لأزمة المياه ".

يجري نهر الفرات في ثلاث دول بدءا من تركيا مرورا بسوريا ثم العراق. وبعد أن شيدت تركيا سد أتاتورك عام 1987، تعهدت تركيا بالسماح بمرور أكثر من 500 متر مكعب في الثانية من مياه الفرات إلى سوريا في المتوسط ​​سنويًا. لكن هذا الصيف تقلص إلى 215 متراً مكعباً في الثانية .

مشكلة تقاسم المياه بين تركيا وسوريا

ويرى المزارع أحمد محمود، إن تركيا مسؤولة بالدرجة الأولى عن هذا الوضع، موضحاً : " تسعى تركيا لتدميرنا، فهي وتنظيم داعش وجهان لعملة واحدة ". كانت قرية عايد الصغير خاضعة لسيطرة تنظيم داعش منذ نحو ثلاثة أعوام. إلى أن تم دحرهم بفضل التحالف الذي يقوده قوات سوريا الديمقراطية منذ عام 2017.

ويعتبر سكان قرية عايد الصغير، إن تركيا تتعمد قطع المياه. غير أن نيلوند، ممثل الأمم المتحدة،  يقول لا يمكننا إثبات هذه المقاربة: " نحن على علم بانخفاض منسوب النهر كثيراً ، بيد أننا بحاجة إلى مزيد من التحليل والتعمق في سبب انخفاض مستويات المياه". ولم ترد وزارة الخارجية التركية على عدة استفسارات حول هذا الموضوع  لقناة دويتشه فيله الألمانية .

 شح المياه وقطاعي الصحة والطاقة 

لشح المياه عواقب وخيمة ليس فقط على قطاع الزراعة بل على قطاعات أخرى. ووفقاً لليونيسف، فإن سوء جودة المياه يؤدي إلى إزدياد حالات الإصابة بأمراض مثل الإسهال، وخاصة بين الأطفال. كما يهدد انخفاض منسوب المياه مصدر الطاقة. حيث يحصل حوالي 3 ملايين شخص في شمال شرق سوريا على الكهرباء بشكل أساسي من ثلاث محطات للطاقة الكهرومائية على نهر الفرات .

وبالانتقال إلى مدينة الحسكة 200 كم (124 ميل) شرق قرية عايد الصغير، فأزمة المياه فيها خانقة . لقد كانت تعتبر في الماضي « سلة غذاء سوريا» حيث كانت تنتج نصف الحبوب في البلاد . أمّا في الوقت الراهن، تقلصت البحيرات في المحافظة إلى برك كبيرة حيث أضحت مكانا يقصده الناس لإصطياد السمك بأيديهم.

وجراء إنحباس المطر، جفّ نهر الخابور في الحسكة، والذي من المفترض أن يمدّ المدينة بمياه الشرب. وكل ما تبقى لأهالي الحسكة في الوقت الحالي هو محطة علوك لضخ المياه على مقربة من الحدود التركية . لكن خلال العامين الماضيين، تعمل محطات المياه، التي تزود أكثر من 460.000 شخص بمياه الشرب، بشكل متقطع.

نزاع على محطة مياه علوك

وقالت ماجدة أمين، نائبة الرئيس المشترك لبلدية مدينة الحسكة : " إن الوضع متوتر وخاصة منذ أن أقدمت تركيا على إحتلال سريكانيه (رأس العين) في عام 2019 وسيطرت على محطة علوك".

في تشرين الأول / أكتوبر 2019 ،احتل الجيش التركي شمال سوريا وأقام "منطقة عازلة" بطول 30 كلم، حيث تقع فيها محطة ضخ علوك . وعلى الرغم من أن المحطة تعمل حالياً، إلا أنه منذ يناير / كانون الثاني من هذا العام، توقفت المحطة عن العمل لمدة ثلاثة أشهر ( 90 يوم)  كما كانت تعمل أيضا أكثر من 140 يوماً بنصف طاقتها. في حين، تحاول أنقرة التهرب من مسؤوليتها من خلال تحميل الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا مسؤولية قطع الطاقة عن المحطة .

أمام هذا الواقع، فشلت جميع الجهود الرامية إلى وضع محطة علوك تحت إدارة محايدة، مثل إدارة الأمم المتحدة . كما قال نيلوند إن منظمة اليونيسف لا تستطيع الوصول إلى المحطة .

في الوقت الراهن، يؤمّن سكان الحسكة حاجتهم من مياه الشرب عبر شراءها من صهاريج المياه المخصصة لهذا الغرض . لكن المياه باهظة الثمن، فتكلفة 1000 لتر من المياه  حوالي 6000 ليرة ، أي ما يعادل  2 يورو (2.25 دولار) ، إن ذلك يشكل عبئا على السكان، خاصة أن متوسط ​​دخل الموظف يعادل 53 يورو فقط في الشهر.

 ارتفاع أسعار المياه

في هذا الصدد، قال محمد عبدو :" إن مصدر دخلنا هو راتب ابني حيث يتقاضى 250 ألف ليرة (88 يورو) شهرياً كسائق في القوات العسكرية. والآن يترتّب علينا إنفاق 60 ألف ليرة (21 يورو) فقط على المياه كل شهر، وهي بالكاد تفي بحاجتنا".

وقد كان عبدو، الذي يبلغ من العمر 60 عاما، رئيسًا مشتركاً لمجلس المنطقة المحلي لعدة أشهر، ويعيش في الوقت الراهن بحي خشمان بالحسكة. قائلاً: إن العديد من سكان خشمان قد أصيبوا بالإحباط واليأس في ظلّ جفاف حقولهم" .

ويضيف عبدو بلهجة متذمرة :" لا أحد يكترث لأمرنا أو يقدم لنا المساعدة، لا توجد منظمات إغاثة، إننا نكافح لوحدنا ". مشدداً بنبرة غاضبة تجاه البلدية والمجتمع الدولي والأهم من  ذلك تركيا : " إن كان الأتراك يرغبون في القتال فعليهم أن يفعلوا ذلك على الجبهات، لا أن يلجأوا إلى إستخدام الماء كسلاح للإبتزاز ، لقد تحولت حياتنا إلى جحيم، إنهم يقتلوننا ولكن رويداً رويداً ".

المصدر: دويتشه فيله باللغة الانكليزية

ترجمة: المركز الكردي للدراسات