الجـــابري وإشكال القراءة الجديدة للقرآن

الخميس 09-12-2021 | AM 06:41 المناخ

بدر الحمري

القارئ لمشروع محمد عابد الجابري الفكري يلمس من دون شك القدرة الهائلة على سرد وتحليل المعلومات، وكذا المزج بين الدراسات المتصلة بالفكر الإسلامي وفلسفته والدراسات المتصلة بالفكر العلمي وفلسفته، لكن إصداره كتاب 'مدخل إلى القرآن' كان بمثابة الطريق الثالثة واللافتة في مَسِير فكره. بمناسبة هذا الكتاب أرى أنه لا بدّ من تسجيل ملاحظات منهجية، أُجمِلها في أربعة تامة، يمكن صياغتها وتدقيق النظر فيها من قِبل الباحثين في الفلسفة الإسلامية أو الدراسات القرآنية المعاصرة بروح لا تملّ من التجديد وغربلة التقليد والقطع معهُ، هذه الملاحظات على الشكل الآتي:

. أولا، عند قراءة الكتاب تطرح أمامنا إشكالية الزمان المعرفي الفارق بين 'نحن والتراث' و'مدخل إلى القرآن الكريم'، و'فهم القرآن الحكيم' أيضاً، وأيَّة علاقة يمكن أن تقام بين فهم التراث، وفهم العقل العربي، وفهم القرآن؟

. ثانياً، الضرورة الحضارية لتناول مدخل لفهم القرآن، ومنه يمكنُ أن نستشكل إلى حدّ ما الضرورة الفلسفية في رؤيته أو تدبّره، ليس في مشروع محمد عابد الجابري فقط ولكن في المشروع الفلسفي التنويري الذي يهمُّ كلّ من ينتمي إلى الإسلام بصفة عامة بدواعي الكتابة في موضوع القرآن.

. ثالثاً، لماذا 'مدخل إلى القرآن الكريم' وليس' نقد فهم القرآن الكريم' كما هو حال نقد العقل العربي مثلا؛ فسيكون ذلك على الأقل انسجاماً مع منهجه في النقد الابستيمولوجي الذي تبناه منذ البداية؟

. رابعاً، قراءة القرآن: " قراءة بعدية" أم أوَّلية !

إن الفراغ الذي تركته دراسة بنية العقل العربي وتكوينه عند الجابري صعب جداً، لأننا لا يمكنُ أن نتصور عملا فلسفياً في التجديد والتنوير يكون خارج فهم النص القرآني وتأويله، ولا يمكنُ أن يعتبر بأي حال من الأحوال 'ذيل وتكملة' للبيان والبرهان والعرفان في الآن نفسه، الشيء الذي جعل الجابري يعترف منذ بداية مقدمة في فهم القرآن أنه لا يتحرك ضمن "حلقات سلسلة ما" ! وهذا يعني أن الرجل داخل مجهول معرفي سائر نحو معالم غير محددة. كذلك الشأن بالنسبة لمشروعه في نقد العقل العربي فلم يكن خاضعاً لأي تخطيط مسبق!

قد يعني الكلام السابق أن التفكير الفلسفي عند الجابري كان ارتجالياً، أو غير خاضع لضوابط مسبقة، أو مضبوط ببرنامج عمل يمكنُ أن يسير وفقه الفيلسوف مثل « موظف إداري» خاضع لترتيبات الإدارة أو المؤسسة التي ينتمي إليها، لكن من جهة أخرى فإن هول الغرابة التي نعيشها – مع وقوفنا عِند فُهوم التراث الشارح للنص القرآني خاصة - يمكنُ أن يجعل الفيلسوف بطلا مغامراً وصاحب منزلة كبيرة في تناول إشكالات الذات الإسلامية، ليس لأنها معدودة ولكن لكثرتها، وبالتالي لم يكن من الصعب اختيار الموضوع ما دام الأفق الإشكالي واحد: التخلف الحضاري. إلاّ أنّ اختياراً عن اختيار يختلف، فنقد العقل وتحليل بنيات تكوينه ليس في درجة فهم القرآن وتأويله !

بدأ محمد عابد الجابري في تحليل نقد للعقل السياسي العربي بعدما  « استفزه » الموضوع، ليتأكد لدينا مرة أخرى أننا أمام موضوعات غير خاضعة لمنطق الاختيار المسبق، وإنما هي موضوعات ومفاهيم وقضايا تستفز العقل العربي، إلا أننا لا نعلم كيف سيكون التفلسف المؤسس على الاستفزاز لا على الشك والدهشة والسؤال أم أنّ هذه الآليات يمكنُ أن تفهم من جهة الاستفزاز، أنذاك ألا يصير التفلسف فعل عاطفي لا صلة له بالعقلانية؟

 وبينما هو منهمك في مراجعته الأخيرة لنقد العقل السياسي، وقفت الأخلاق أمام ناظره منادية: أليست الأخلاق جزءاً من السياسة في الفلسفة: ألم يكن تدبير النفس مرتبطاً بتدبير المدينة؟

 ثم، يأتي التفكير في فهم القرآن بسبب غياب العقل في أحداث جسام وردود فعل خطيرة في الفكر الإسلامي المعاصر، ولعله يقصد بذلك أحداث 11 سبتمبر2001 وما تلاها من ردود فعل أيديولوجية خطيرة تهدد تماسك السلام والاستقرار والأمن العالمي! كما كان تأليف مشروع نقد العقل العربي بأجزائه الأربعة بوصفه ردَّ فعل على ظروف النكسة سنة 1967، وكيف أن الرجل انحاز فيه « صراحة إلى العقلانية والديمقراطية» وفي التجربتين معاً يمارس الجابري نوعاً من " القراءة البعدية " أو النقد البعدي لأنه لم يكن منشغلا بصورة مباشرة بتلك الأحداث والتطورات رغم كتابته لمقالات تهتم بالحدث الراهن آنذاك، إلاّ أنها لم تكن بعيدة عن مجال اهتماماته، أي بمشروع بدأ يطل من نافذة هموم المثقف الفيلسوف باستمرار، فهل هذا يعني أن مشروع النقد الإبستيمولوجي عند محمد عابد الجابري جاء بوصفه ردَّ فعل غير مفكر فيه مُسبقاً خاضع للصدفة والتحيز والاستفزاز؟