مآلات الفلسفة عند الغذامي .. بين موتها وضرورتها الناقدة

الخميس 11-11-2021 | PM 11:52 المناخ

د. بدر الحمري

إشكال العنوان وأسئلته:

لا غرو أنّ الكتاب الصادر مؤخراً عن دار العبيكان للنشر ( ط1، 2021) لعبد الله محمد الغذامي والذي نقله تحت عنوان 'مآلات الفلسفة' يطرح أمامنا إشكال صلة الفلسفة بمصيرها، أو نتائجها، مما يمنح لدينا حدوس أولية حول مضامين الكتاب وأفكاره؛ فالمؤلِّف واع تماماً أنه بعد مضي أكثر من 24 قرناً عن ميلاد الفلسفة، وأمام الثورات التي تعرفها حقول التكنولوجيا والبيولوجيا والإنسانيات وباقي العلوم صار لزاماً علينا أن نطرح سؤال المآل والنتيجة في الحال؛ أي ما مدى حضور الفلسفة بين تلك الحقول وما هو مستقبلها؟ من ثمة يصبح العنوان متضمن بطريقة ما سؤال الحاضر والمستقبل لما دمت الفلسفة تحققت في ماضيها ما يخوّل لها السؤال عن مآلها.

لكن العنوان الفرعيّ 'من الفلسفة إلى النظرية' يكسر أفق آنتظاراتنا، ويدلّ على ميل المؤلف للنظرية،  وأنّ هذا المآل لن يكون من داخل الفلسفة وإنما آنتقال منها إلى 'النظرية' أو إن شئت قلت إنّ صيرورة الفلسفة وتحولاتها أدت – ربما بحتمية ما – إلى النظرية. فنصبح هنا أمام أسئلة تواجهنا مباشرة بعد قراءة العنوان الفرعي: لماذا هذا الانتقال من الفلسفة إلى النظرية؟ هل هناك حتمية جعلت هذا الانتقال ضرورة؟ وما طبيعة هذه النظرية، هل هي علمية أم أدبية أم ماذا؟ ..

موت الفلسفة:

يحلل عبد الله محمد الغذامي تصورات موت الفلسفة ويرى بأنها تشكل مأزقاً للفلسفة ذاتها مع وظيفتها كما يرى عند دانيال دينيت، أو مع ريتشارد رورتي الذي يطرح ( النظرية) بديلا عن موتها، أو الحكم بموتها عند ستيفن هوكينج، وقبلهم تعبير الفلاسفة عن عجز العقل عن إيجاد أجوبة لأسئلة تخص حياتنا الروحية (كانط وهيغل وراسل مثلا) وهذا « يضع الفلسفة بصيغتها التقليدية أمام مآلات متناقضة »1 ويزيد من تعميق السؤال الآتي: « ما هي حال الفلسفة اليوم، وهل وقعت في خيار ينهيها بالموت أم هناك خياراً يصنع بديلا عصرياً »2. ومنذ لحظة المقدمة يعلنُ المؤلف عن أطروحة كتابه من أنّ هناك خياراً يصنع بديلا عصرياً فما هو هذا البديل الذي ينافس أطروحة موت الفلسفة، وإلى أي مدى يمكنُ أن ينسجم مع روح التفلسف وآلياته التي يشتغل بها الفيلسوف وهي الدهشة والشك والسؤال؟ وإذا كان هذا البديل عصرياً كما وصفه عبد الله الغذامي فهل هو عصريّ من جهة صيرورة التفكير الإنساني أم إنه عصيرّ من جهة كونه يتجاوز الطرق التقليدية في التفلسف بل ويحدث معها قطيعة فيكون نتيجة ذلك أننا نتحدث عن فلسفات وليس فلسفة واحدة، أي لكل عصر فلسفته، لكن مفهوم النظرية المقترح كانتقال ( ربما حتمي ) من الفلسفة إليها يجعلنا لا نطرح ذلك الاحتمال بل يجعلنا نميل من كون هذا البديل العصري هو من خارج الفلسفة أو ربما كأقرب تقدير بديل على مقربة منها، أي تولد منها أو جاء نتيجة طبيعية لها، وبالتالي تسقط هنا فرضية الحتمية؟

الشعر أم الفلسفة .. أيهما ينقذ العالم؟

'العالم لن ينقذه إلاّ الشعر' هذه واحدة من الجمل القوية التيتحضر في البنية الحجاجية لكتاب عبد الله الغذامي في معرض مناقشته حال الفلسفة اليوم، المتجاذب الأطراف، بين من يعدمها وهي حية بيننا، وبين من يطرح بديلا عنها في الرواية أو الشعر، إنقاذاً لشرور الإنسان من الإنسان بعد أن فقذ حسّه الشِّعري، خاصة وأنّ سؤال جدوى الفلسفة من طرف الشباب أصبح ملحاً، وأسئلة الوجود صارت تلح بنفسها على الفيلسوف الذي لا يمتلك أجوبة يقينية أو واضحة بخصوصها. لكن هل فعلا الفلسفة تستطيع أن تنقذنا من الشرور والانتهاكات غير الإنسانية، بمعنى آخر هل للفلسفة مكان في القرن 21؟

يجيب عبد الله الغذامي بنعم، لكن مع استثناء كبير وعميق، على أنّ الفكاك من الفلسفة لن يتم إلاّ عبر الفلسفة نفسها، وبالتالي فإن أطروحة موت الفلسفة هي أطروحة فلسفية بامتياز، الجواب عنها لن يكون إلاّ فلسفياً. كما أنّ التفكير في مفهوم الإنسان بوصفه حيوانا ناطقاً وحيواناً عاقلا حسب أرسطو مثلا، وحيث « تتآزر سبل نطقه مع أنظمة تفكيره »3. تغدو « وظيفة الفلسفة بهذه الصيغة لن تموت كما زعم هوكينج؛ لأن منشط التفكر العقلي للبشر يعتمد على التفكر النقدي وعلى مهارات التأويل مع صناعة المفاهيم وإنتاج النظريات المعرفية والاستدلال العقلي، وهذه وظائف ظلت حيوية في الماضي كله، وهي حيوية كذلك في العصر الحاضر، ومن هنا فإنّ النظرية النقدية هي الصيغة الحديثة للفلسفة العصرية امتداداً وإحياءً لانبثاقها الأول واتصالا بما يحدث اليوم، حيث هي أهم أداة في يد الفيلسوف المعاصر بعد أن استقلت العلوم الطبيعية وأصبحت تتفوق على الفلسفة بصيغتها التقليدية »4.

كما أنّ الفلسفة ستعود إلى موروثها الأول، وإنّ بطريقة جديدة في قراءة المتن الفلسفي اليوناني خاصة لدى أرسطو وكتبه المنطقية التي تعرف في تاريخ الفلسفة بالأورغانون، مما يقوي حضور الفلسفة في عالمنا المعاصر المضطرب والمتوتر والقلق في خطاباته، وذلك في وقت وصفه عبد الله الغذامي بأنه « وقت تتحرك فيه الهويات التي تتمرد على التهميش لتعيد قيمة اللون والعرق والجنوسية والمختلف، فيما لم تعد المؤسسة قادرة على قمعه أو تجاهله، ومن هنا تتشكل عقلية ثقافية لم تعهدها الفلسفة في زمنها الأول ونخبويته وطبقيته، مما يقتضي تحولا نوعياً وذهنياً »5.

في ماهية الفلسفة من جديد:

إن الفصل الأول من الكتاب المذكور يعد الأرضية النظرية التي تمهد لنقاش قضايا أخرى نأتي على وصفها وتحليلها فيما بعد، غير أنّ هذا الفصل وإن كان يقدم البديل النظري لأطروحات موت الفلسفة أو لاستبدالها بالشعر أو الرواية فإنه في اقتراح النظرية النقدية سبيلا يعدُّ إنقاذاً للفلسفة من التهم الموجهة إليها، كما نرى في التفكير الناقد فرصة لتحديد الفلسفة في كونها تفكير إشكالي فاحص، يفكر بالسؤال، كما عرض أحدهم وقال بأن السؤال هو تقوى الفكر الفلسفي، لكن هذا التحديد هو الآخر يسقطنا في مشكلة أخرى؛ فالقول مثلا بأنّ الفلسفة تُسائلُ « الإنسان والمجتمع والطبيعة والتاريخ قول لا يصمدُ أمام الملاحظة، لأنّ للإنسان علومه وللمجتمع علومه وللطبيعة علومها وللتاريخ مباحثه. ماذا بقي إذاً للفلسفة؟ هل صفة التساؤل وحدها كافية لنعت تفكير ما بأنه فلسفي؟ أم أنّ الفلسفة في الزمن المعاصر، بقيت رهينة الذات ومسألة الوعي، أم أنها بفضل مختلف الانفتاحات المعرفية توظف المفهوم Concept وأشياء العالم المعيش  Monde vécu؟ »6. لنقل إن العِلم يبحث في فهم الواقع من خلال اعتماد نماذج تفسيرية صورية لها معايير واضحة وصلبة تخضع بدورها للمراجعة، أما الفلسفة فلا يمكنها أن تخضع لنماذج صورية بأي حال من الأحول، لسبب واحد بسيط وسهل أنّ اللغة الفلسفية طبيعية غير صورية، وكل خطاب طبيعي هو حجاجي غير صوري.

صحيح أن الفلسفة تفهم الواقع من جهة، لكنها من جهة ثانية تنظمه أو تثور عليه؛ « إنها ليست بعلم لأنها تفتقدُ إلى الموضوع. وما دامت الفلسفة 'ابنة زمنها' كما قال هيغل، فإنها بقدر ما تسعى إلى التقاط تفاصيل اللحظة بقدر ما ترتبط بالنصوص، لذلك فإن ما يميز فلسفة عن أخرى هو نمط سؤالها وقدرتها على إبداع المفاهيم، أو على الأقل على الاستعمال المبدع لها » 7 استعمال نابع من التفكير في الممارسات الخطابية بطريقة حفرية ( فوكو ) أو تفكيكية ( دريدا ) تقاوم النسيان والهشاشة والتسلط بكل أشكاله السياسوية أو الدينية أو الاقتصادية .. فلم يكن تفكير الفلاسفة المعاصرين مثلا إلاّ طريقة في تفتيت كل ما يخترق حرية الفرد في العصر الحديث، هنا تظهر سياسة الفلسفة بوصفها تفكيراً في اللامفكر فيه؛ وهكذا نجد موضوعات الهامش في تاريخ الفلسفة الكلاسيكية يصبح هو المركز فيها، فالجنون والجنس والتطرف والإرهاب والتعايش والسلام مفاهيم تصل نفسها بعلاقات متشابكة مع السلطة القائمة في المجتمعات والتي تأتي من كل حدب وصوب، وما مهمة الفيلسوف إلاّ فكّ هذه العلاقات ومحاولة فهم تجسُّدها في كل أنحاء المجتمعات وطبقاته التحتية، أخذاً بعين الاعتبار أنّ مفهوم الطبقة في هذا السياق يجب أن يفهم بالمعنى الأركيولوجي! وإن شئت بتعبير التحليل النفسي قلت إن الطبقة التحتية بمكانة اللاشعور المتخفي في شخصيتنا والمتكون خلال مرحلة تاريخية من عمرنا، يصعدُ في أفقها حين غرة، فيقلِب كل الموازين ويفرض عليها قوانينه، ويؤطر كل أشكالها الثقافية، سواء أكانت واقعية أو مُتخيلة، من ثمة لزم على الفيلسوف في سياسته التفكرية أن يحفر في تقنيات اللامفكر فيه وكيف تعملُ على مراقبة الذات وضبطها، وإظهار التناقض بين ما تقوم به في دائرتها وفي دوائر أخرى خارجة عن نطاقها اعتماداً على ممارسات خِطابية مغالطة تزيف الحقيقة وتشوه الواقع.

* أستاذ فلسفة وباحث في المنطق واللسانيات

المصادر والمراجع:

1. عبد الله محمد الغذامي، مآلات الفلسفة من الفلسفة إلى النظرية، دار العبيكان للنشر، الرياض، ط1، 2021، ص: 05.

2. عبد الله محمد الغذامي، نفسه، ص: 06

3. عبد الله محمد الغذامي، نفسه، ص: 18

4. عبد الله محمد الغذامي، نفسه، ص: 19-18.

5. عبد الله محمد الغذامي، نفسه، ص: 20.

6. محمد نور الدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة نموذج هابرماس، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1998، ص: 19.

7. محمد نور الدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة نموذج هابرماس، نفسه، ص:19.