عنجهية أردوغان تدمر تركيا

الخميس 28-10-2021 | PM 01:58 turkey

ديفيد غاردنر

تراجع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن تهديده بطرد سفراء الولايات المتحدة وتسعة آخرين من حلفاء الناتو أو شركاء تجاريين رئيسيين. لقد كان قرار أردوغان بطرد السفراء بمثابة رصاصة في نعش تحالفه مع الغرب والتي كانت متذبذبة بين الحين والآخر . ولتدارك الأمر أعلن السلطان العدول عن قراره بعد أن اتخذه في لحظة غضب متعمدة.

اندلعت هذه الأزمة بعد أن دعت مجموعة العشرة، بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا إلى ضرورة الإفراج عن "عثمان كافالا "، صاحب الأعمال الخيرية والزعيم البارز بالمجتمع المدني، وهو معتقل في زنزانة انفرادية لمدة أربع سنوات، بتهم لم يُثبت صحتها ولكن يتم التسويف فيها. وقال بيانهم إن "إستمرار التلكؤ في محاكمته، بما في ذلك من خلال دمج قضايا مختلفة وخلق قضايا جديدة بعد تبرئة المحكمة في وقت سابق، يلقي بظلال من الشك على احترام الديمقراطية وسيادة القانون والشفافية في ظل نظام القضاء التركي".

وفي هذا السياق، قال أردوغان إن الموقّعين على البيان لن يطلقوا سراح "قطاع الطرق والقتلة والإرهابيين" في بلدانهم. ورداً على ذلك، أمر وزير خارجيته علنا بإعلان جميع السفراء العشرة "أشخاصا غير مرغوب فيهم" وهي الصيغة الدبلوماسية للطرد .

وتعقيباً عما يجري قال كافالا، الرجل الهادئ الذي أصبح رمزاً للمقاومة، إنه إذ لم يتمكن من الحصول على محاكمة عادلة وشفافة، فإنه لن يستمر في الحضور إلى المحكمة (على الرغم من أن محاميه سيحضرون للمحكمة) للاستماع إلى تمثيلية من دعاوى على غرار راوية " المحاكمة" لكافكا.

لقد أعلن أردوغان تحقيق النصر على الولايات المتحدة والأوروبيين، الذين أعادوا تأكيد التزامهم باتفاقيّة "فيينا" للعلاقات الدبلوماسية، والتي تمنع التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى .

هذه المقاربة، قد تقنع الجمهور العام بالفعل بأن بطلهم قد أجبر القوى العظمى على التراجع. وفي أسوأ الأحوال، سينظر الكثيرون إلى الأمر على أنه تعادل في النتيجة. في حين، يقول الموقّعون إن اتفاقهم كان متماشيا مع اتفاقية فيينا. علاوة على ذلك، فالمعارضون لأردوغان؛ الذين تزايدت أعدادهم بسبب سخط المؤيدين السابقين بسبب سوء إدارته لإقتصاد البلاد، سوف يتطلعون إلى مزيداً من هذه الخطوات في المستقبل.

إن عدول أردوغان عن قراره بطرد السفراء ساعد بشكل مؤقت منع إنهيار العملة التركية التي هي بالأصل تتجه للهاوية، خاصة بعد تصريحات أردوغان الأخيرة، حيث استمر الأخير في إملاء تخفيضات في أسعار الفائدة التي باعتقاده، أنها تسبب التضخم المستمر في تركيا بدلاً من وضع حلول جذرية لها .

كما أن هذا لن يُثني أو يوقف محاكم نيويورك التي تتابع قضية بنك "خلق" والذي تعود مُلكيته للدولة، إذ انتهك البنك المذكور العقوبات المفروضة على إيران. إضافة لذلك، لن تقنع واشنطن بالتراجع عن تقييد مبيعات المقاتلات النفاثة إلى أنقرة بعد إقدام الأخيرة على شراء أنظمة دفاع جوي روسية تعتبرها الولايات المتحدة كخطر داهم على أمن حلف شمال الأطلسي (الناتو) .

أما أولئك الذين يرون في كل هذا أن حشد إردوغان تحالفه من الإسلاميين الجدد والقوميين المتطرفين لصرف الانتباه عن مشاكل البلاد الإقتصادية "هم على حق بشكل جزئي فقط". كما ويعتبرون تراجع شعبيّة أردوغان في تركيا وفقا لأرقام الأستطلاع ما هو إلا أمر تكتيكي، وفي خضم ذلك يبدو إن كراهيّته لـِ "كافالا" عميقة .

لطالما كان عثمان كافالا ناشطاً مدنياً أكثر من كونه ناشطاً سياسياً، حيث كان يسعى لردم الهوة وتضميد الجراح التاريخية لما تعرضت له الأقليات التركية وخاصة الكرد والأرمن. لقد كانت التهم الموجهة ضده سخيفة، وبإقرار ضمني من قبل حلفاء أردوغان بشكل خاص.

يتهم أردوغان كافالا بتنظيم مظاهرات مدنية عفوية عام 2013 في جميع أنحاء تركيا، ويعتبر بأن هذه الأحداث كانت تمهيداً للانقلاب الفاشل في منتصف عام 2016، والذي ألقى النظام باللوم فيه على حلفائه السابقين، وهي جماعة سرية يقودها الداعية الإسلامي فتح الله غولان، المقيم في الولايات المتحدة.

أطلق أردوغان على كافالا لقب "خليف سوروس"  في إشارة منه إلى الملياردير "جورج سوروس" الذي كان كافالا أحد أعضاء مجلس إدارته في " مؤسسة المجتمع المنفتح" . لقد كان لكافالا وأصدقاؤه دور بارز في تحذير أردوغان من أتباع غولن.

عندما تمت تبرئة عثمان كافالا، العام الفائت لعدم كفاية الأدلة، أعيد اعتقاله مرة أخرى وهو في طريقه للخروج من السجن، وذلك تحت ذرائع و حجج واهية وهو أشبه ما يكون بـ "إضطهاد شخصي".

عندما خسر أردوغان وحزبه الحاكم أغلبيته في انتخابات يونيو/حزيران 2015، حلّ حزب الشعوب الديمقراطي (HDP) _ والذي يعتبر  أول كتلة مؤيدة بشكل علني للكرد تدخل البرلمان والتي تضم تحالفا متنوعا من اليسار _  في المركز الثالث بأكثر من 6 ملايين صوت و 80 مقعدا. حيث نظّم الحزب إحتفاليّة  بمناسبة الفوز في مطعم يعود إلى عثمان كافالا في اسطنبول. وفي ضوء ذلك، أقنع أردوغان نفسه بأن كافالا وزعيم حزب الشعوب الديمقراطي المعتقل "صلاح الدين دميرتاش"، كانا يُشكلان حجر عثرة في طريقه إلى الرئاسة على غرار النموذج  الروسي القائم حاليا.

لقد جعل أردوغان من عثمان كافالا، قضية دولية تماماً، كما بدأت معارضته المحلية تتحد في الاعتقاد بأنه قد يدمر نفسه. إن ما أعربت عنه الولايات المتحدة والأوروبيون فيما يتعلق بقضية كافالا، في ظل غياب سيادة القانون في دولة تفترض تكون حليفة لهم، لا يمكن أن تقتصر على الأقوال فقط، فالأفعال تجدر أن تكون بمثابة الحكم النهائي.

المصدر: الفاينانشيال تايمز 

ترجمة: المركز الكردي للدراسات