العلاقات الروسية التركية في ظل الواقع الجيوسياسي الجديد

الإثنين 25-10-2021 | PM 01:06 turkey

أندري إيساييف

أثارت القمة الروسية التركية الأخيرة المنعقدة في "سوتشي"، والتي لم تُفضي إلى توقيع أية إتفاقيّات أو نتائج ملموسة، الكثير من التكهنّات بدءا من فرضية فشل  المحادثات إلى توقعات مدعاة للتفاؤل إلى حدّ ما لمستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين .

ورغم نقاط الإختلاف بين كلا البلدين إلا أنّ الطرفين أبديا أستعدادهما للحوار والذي يُعدّ نقطة محوريّة لهما في ظلّ المتغيرات بالمنطقة عقب تقليص الدول الغربيّة لوجودها العسكري والسياسي بالمنطقة، الأمر الذي أدى إلى إتاحة مساحة لتبلور دولة خصبة للإرهابيين في أفغانستان .

واعتبر وزير الخارجية الروسية "سيرغي لافروف" عقب محادثات أجراها مع نظيره المصري بمؤتمر صحفي على هامش أعمال قمة "سوتشي"، بأن التهديدات لازالت مستمرة وتتصاعد في محافظة إدلب. مبيناً بأن :" الجماعات الإرهابية التي تعمل من خارج منطقة خفض التصعيد في إدلب تواصل مهاجمة مواقع الجيش السوري، والأمر الأكثر خطورة من ذلك أنها تسعى لاستهداف القوات الروسية".

وأضاف لافروف أن حل هذه الإشكالية تكمن في " التنفيذ الكامل للاتفاقيات التي وقعها الرئيسان بوتين وأردوغان والتي تنص على ضرورة عزل الإرهابيين من "هيئة تحرير الشام" بغض النظر عن الشعارات الطنّانة التي قد يطلقونها . ويأتي مضمون هذه الإتفاقيات بهدف ردع هذه الجماعات الإرهابية ".

 وفي ظلّ توقع التوصل إلى إبرام إتفاق نهائي بشأن خفض التصعيد في "إدلب"، أفادت مصادر بحشد لقوات الجيش السوري على طول خطوط التماس  من جهة، فيما تمركزت مجموعات عسكرية تركية في الجهة المقابلة من جهة أخرى. وخاصة أن الجيش التركي بدأ بالانسحاب إلى الشمال في أعقاب المحادثات في سوتشي.

 في ضوء هذه المستجدات أبدا ممثلو المعارضة إمتعاضهم مرة أخرى، على الرغم من أنه في سوتشي، حسب ديميتري بيسكوف، أعرب الجانبان عن "التزامهما بالاتفاقات السابقة، وشدد كلاهما على الحاجة إلى تنفيذ هذه الإتفاقيات عبر تطهير إدلب من المجموعات الإرهابية التي لا تزال موجودة  ويمكن أن تُمثّل تهديدا وتشن هجوما عنيفا على الجيش السوري".

فمن ناحية، ما برحت تركيا في اتهام روسيا بخرق اتفاق وقف إطلاق النار في شمال غرب سوريا الموقع في 5 مارس / أذار 2020 ، ومن ناحية أخرى تؤكد روسيا أن تركيا لا تُفي  بالتزاماتها وغير قادرة «أو غير راغبة» على فصل الإرهابيين عن المعارضة المسلحة.  وفي خضم هذه الإتهامات المُتبادلة، يلتزم الرئيسان الروسي والتركي بالعُرف السياسي وعدم إطلاق الإتهامات جُزافاً ، بيد أن ما يدور في مكنونتهما يتم الإفصاح عنه عبر  وزراء الخارجية و الإعلام إضافة للنواب .

عموماً، يمكن إجمال موقف روسيا في سوريا على الشكل التالي : الرئيس بشار الأسد هو الرئيس الشرعي لـ سوريا مع تأكيدها على وحدة أراضيها، كما وينبغي على المعارضة عقد تسوية مع الحكومة السورية. وتشدد موسكو على أن أي أعمال تصعيدية في إدلب تتحمل مسؤوليتها الدول الموجودة  في إدلب بحيث لا تحظى بشرعية الأمم المتحدة أو لا تملك دعوة رسمية من دمشق، وهذه الدول، هي كلا من الولايات المتحدة وتركيا.

 على الرغم من نقاط الخلاف الكثيرة العالقة بين موسكو و أنقرة حول المعارضة السُنيّة، إلا أن مواقفهما تتحد ضد الكُرد . فموسكو تعتبرهم أنهم "لا يكترثون" لدمشق ويفضلون النهج الانعزالي عن دمشق، بينما تعمل أنقرة بشتى وسائل من أجل القضاء عليهم وذلك عبر إنشاء منطقة عازلة كانت تبنيها وتعززها منذ عدة سنوات.

ويرى بعض الخبراء والسياسيين أن بقاء تركيا في سوريا سيستمر إلى الأبد. ففي عام 1920، تبنى البرلمان التركي بقيادة الرئيس التركي مصطفى كمال أتاتورك آنذاك ما يسمى بـ " الميثاق المليّ" ، والذي بموجبه حدد أن تركيا الجديدة ستشتمل على إقتطاع أراض من  سوريا والعراق . وعلى الرغم من فشل هذه الخطوة ، لا يزال يُنظر إلى "الميثاق الملّي" ، ولو بشكل غير رسمي ، على أنه وثيقة أيديولوجية إستراتيجية للجمهورية التركية، والتي يُعزّز تنفيذها سلطة رجب طيب أردوغان.

علاوة على ذلك، تُستخدم المناطق التي يحتلها الجيش التركي (والتي تشكل أكثر من 10٪ من الأراضي السورية) لإيواء اللاجئين السوريين، والذين يتراوح عددهم أكثر من ثلاثة ملايين ونصف في تركيا. ناهيك عن إزدياد نقمة الأتراك ضد وجود مثل هؤلاء "الضيوف" وإنعكاس وجودهم سلبا ينسف الإستقرار الاجتماعي . و قد يؤدي تدّفُق موجة جديدة من اللاجئين إلى موجة غضب عامة في الفترة التي تسبق الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في عام 2023.

في جميع الاحتمالات، تعتقد أنقرة أن أي تنازلات جدية في إدلب ستؤدي إلى انهيار مشروع "المنطقة العازلة" بالكامل وستؤدي إلى إبطال ثلاث عمليات عسكرية واستثمارات بملايين الدولارات. بالإضافة إلى ذلك ستبرز "القضية الكردية" في سوريا، كما ستتشوه صورة تركيا كحليف موثوق به ، وستترك جرحا غائرا بسمعة السلطات الحالية لا يمكن أن يندمل .

وفي ضوء ذلك، قال الكاتب بصحيفة «جمهوريت» التركية المعارضة، محمد علي غولر إن أردوغان أبدى أستعداده لتقديم تنازلات عندما قال : " إننا على يقين  بأن الوقت قد حان لتأمين حل نهائي ومُستدام للقضية السورية، كما وأعلنا أننا منفتحون على أيّة خطوات واقعية وعادلة في هذا الاتجاه".

من وجهة نظرنا، لا توجد أيّة "تنازلات" في ما قاله أردوغان بيد إنه من الواضح أنه بدأ _ ولو عن غير قصد _ بتقبّل الواقع السوري. فبعد سنوات من المطالبة بإزاحة بشار الأسد، لم تعد القيادة التركية تصدر تصريحات بهذا الشأن، على الرغم من أنها ترفض الاعتراف بشرعية النظام الحالي « ويقتصر التنسيق معه على مستوى المخابرات»، كما ووعدت بسحب القوات فقط بعد إقامة "حكم ديمقراطي" في سوريا . لكن الديمقراطية من منظور حقائق الشرق الأوسط أمر مُبهم وغير واضح.

علاوة على ذلك، أُجبر أردوغان إلى "إعادة تقييم الوضع" نتيجة لتصاعد التوتر في العلاقات مع الحلفاء الغربيين . ومن ناحية أخرى دعا الرئيس التركي، بعد سنوات من التأكيد على ضرورة بقاء الوجود الأمريكي في سوريا ،  إلى إنسحاب القوات الأمريكية من البلاد .

وتعقيباً على العلاقات الروسية التركية عبّرت صحيفة" دي تسايت "الألمانية عن موقف حلفاء أنقرة الغربيين :" خلال المحادثات مع الزعيم الروسي في سوتشي، لعب أردوغان دور "المُستجدي" لكونه " فقد الدعم اللازم من الغرب" والذي كان لوقوف الأخير إلى جانب تركيا تمكين أنقرة بعدم تقديم أيّة تنازلات لـ روسيا. لم يُبدي  وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو موافقته على ذلك عندما أشار بقوله : "نحن عضو في الناتو من جهة ، لكن من جهة أخرى علاقاتنا مع روسيا تتقدم. لماذا ينبغي الاختيار بينهما؟"

ويعلق البروفيسور إلياس كمال أوغلو ، المحاضر في قسم التاريخ بجامعة مرمرة التركية على هذه المقاربة :"ليس سرا أن مصالح أنقرة وموسكو في المنطقة غير متطابقة، بيد أن الردود الإيجابية من قادة البلدين على نتائج المحادثات في سوتشي تشير إلى أن موسكو وأنقرة مستعدتان لإزالة جميع العقبات التي تعترض إجراء الحوار".

فيما قال "شيتينر شيتين" مراقب في صحيفة هابرتورك ميديا الخاصة " الإخبارية التركية " إن "هروب" القوات الأمريكية من أفغانستان وخروجها التدريجي من مناطق أخرى يخلق واقعا جيوسياسيا جديدا، مما يعني أن "تركيا قد تستمر في النأي بنفسها عن حلف الناتو من أجل أن يكون لها ثقل بين كبار اللاعبين داخل منظمة شنغهاي للتعاون".

وفي ضوء ما يجري ، فإن الجانب الإقتصادي  بين روسيا وتركيا لا يشوبه أية مشاكل، على نقيض من ذلك، فإن الجانب السياسي تطغى عليه الخلافات . ومع ذلك ، في كل مرة يلتقيان فيها، ينجح بوتين وأردوغان ليس فقط في "تهدئة" الصراع، ولكن أيضا إفساح المجال للتعاون. والسبب هو أن البلدين على الرغم من اختلافاتهما التكتيكية، إلا إنهما يتشاركان في الأهداف الإستراتيجية: إملاءات الغرب غير مقبولة، والدور القيادي في الشرق يجب أن يكون بحوزة  القوى الإقليمية. طالما أننا نتشارك هذه الأهداف، فإن التحالف بين روسيا وتركيا سيكون مفيدا لكلا الطرفين.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات