هل تخسر تركيا واشنطن؟

السبت 16-10-2021 | AM 07:44 turkey

جنكيز تشاندار

على الرغم من التحالف طويل الأمد والشراكة العسكرية الوثيقة بين تركيا والولايات المتحدة، إلا أن العلاقة بين الطرفين كانت متعبة دائماً. منذ مدّة، يبحث النقاد والخبراء في الإجابة علن سؤال "من خسر تركيا؟". على الرغم من أن معظم التحليلات حمّلت المسؤولية للطرف الأمريكي، فقد حان الوقت الآن لمناقشة الموضوع من جهة أنقرة هذه المرة للإجابة على سؤال "من خسر الولايات المتحدة؟" لأن تركيا على وشك خسارة حليفها الرئيسي.

من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​إلى سوريا - الملف المصيري والأكثر أهمية أمام أنقرة - انحازت واشنطن بشكل متزايد إلى خصوم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. كما أشارت التطورات الأخيرة إلى أن لعبة أردوغان الحسّاسة والمتمثّلة بتأليب روسيا والولايات المتحدة ضد بعضهما البعض جاءت بنتائج عكسية بالنسبة لواشنطن.

بعد خيبة أمل أردوغان الكبيرة لعدم تمكّنه من لقاء الرئيس جو بايدن خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي، التقى أردوغان بنظيره الروسي فلاديمير بوتين. بعد اجتماع سوتشي في 29 سبتمبر/أيلول، أشاد أردوغان ببوتين، وأثنى على التعاون العسكري التركي الروسي الذي يزيد عمقاً يوماً بعد يوم، مقابل اطلاق انتقادات لاذعة بحق بايدن.

قبل يوم واحد من قمة سوتشي، وقّعت اليونان وفرنسا اتفاقاً تشتري بموجبه أثينا 3-4 فرقاطات متطورة من باريس، يتم تسليمها بين عامي 2025 و 2026. ستكون الفرقاطات متوافقة مع 24 طائرة رافال التي حصلت عليها اليونان من فرنسا هذا العام. يبدو أن الصفقة العسكرية الطموحة بين فرنسا واليونان تهدف إلى تحقيق التوازن في وجه التفوق البحري والجوي التركي في بحر إيجة وشرق البحر الأبيض المتوسط​​، إن لم يكن قلب الموازين لصالح أثينا.

كما تضمنت اتفاقية باريس الدراماتيكية بنداً للمساعدة المتبادلة في حال وقوع هجوم مسلح على أراضي أحد الطرفين. وقال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتشوتاكيس عقب الاتفاق "للمرة الأولى يتم تضمين بند حول المساعدة العسكرية في حال قيام طرف ثالث بمهاجمة إحدى الدولتين، ونحن نعلم جميعاً من يهدد من بالحرب في البحير الأبيض المتوسط"، ملمّحاً إلى أن الصفقة غير المسبوقة بين فرنسا واليونان تهدف إلى حرمان تركيا من الهيمنة الاستراتيجية في شرق البحر المتوسط.

جاء الاتفاق في توقيت سيئ بالنسبة لأردوغان. كانت ألمانيا، التي رعت التفوق البحري التركي في بحر إيجه، منشغلة بالانتخابات التي جرت في 27 سبتمبر/أيلول، وأدّت إلى نهاية حكم أنجيلا ميركل، التي لطالما انتُقدت لتساهلها مع سياسات أردوغان.

ومن الملفت للانتباه أن ميتشوتاكيس أكّد على "البعد الأوروبي الأطلسي" للاتفاقية، والتي قال إنها متوافقة تماماً مع "اتفاقية آخن" الفرنسية الألمانية. هذا النهج يجعل الصفقة قابلة للتسويق كأول خطوة للاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، والذي من المحتمل أن تؤيده الإدارة الأمريكية في عهد بايدن، ويشير أيضاً إلى المزيد من تهميش تركيا داخل نظام الأمن الأوروبي الأطلسي.

وبفضل الاتفاق الذي توصلّت إليه مع فرنسا، تتمتع اليونان الآن بالدعم الأمريكي مع الآثار الاستراتيجية المحتملة في شرق البحر الأبيض المتوسط. قال وزير الدفاع اليوناني نيكوس باناغيوتوبولوس إن أثينا وواشنطن ستوافقان على الأرجح على زيادة الاستثمار في القواعد العسكرية الأربع المستخدمة فعلياً من قبل القوات الأمريكية في اليونان كجزء من تجديد اتفاقية التعاون الدفاعي المتبادل (MDCA) بين الجانبين. بموجب الاتفاق، تتمتع القوات الأمريكية بوجود دوري في ميناءي "ألكساندروبولي" على بعد أميال قليلة فقط من الحدود التركية في شمال شرق اليونان و"ستيفانوفيكو"، وقواعد "لاريسا" الجوية في وسط اليونان، بالإضافة إلى قاعدة خليج سودا البحرية في جزيرة كريت ببحر إيجة.

وصف باناغيوتوبولوس الولايات المتحدة بأنها "الشريك الاستراتيجي الرئيسي لليونان"، مضيفًا أن MDCA "يعكس هذه العلاقة، التي تم تحديثها باستمرار طيلة السنوات الماضية". في غضون ذلك، اجتمع وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس في 14 أكتوبر/تشرين الأول في واشنطن مع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين، الذي وصف تركيا أردوغان بـ "الحليف غير الموثوق".

ويأتي الاجتماع في أعقاب قرار بايدن تمديد حالة الطوارئ الوطنية في شمال شرق سوريا. وكتب بايدن في رسالة إلى الكونغرس في 7 أكتوبر/تشرين الأول، أن الأفعال التركية "تهدد بتقويض السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، ولا تزال تشكل تهديداً استثنائياً للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة".

أعرب وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عبر وسائل التواصل الاجتماعية عن أسفه حول الرسالة داعياً "الولايات المتحدة إلى التخلّي عن سياساتها الخاطئة، بدلاً من إلقاء اللوم على الجانب التركي، والتعامل بصدق أكثر مع الشعب الأمريكي والكونغرس".

قبل جاويش أوغلو، اتّهم أردوغان بريت ماكغورك، مسؤول رفيع المستوى في إدارة بايدن، بدعم الإرهاب قائلاً "إنه مدير حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب. بالطبع، سيقلق بياني هذا البعض" في إشارة إلى ماكغورك، منسق مجلس الأمن القومي الأمريكي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

اتهام أردوغان هذا جاء في 30 سبتمبر/أيلول، أي بعد يوم من لقائه مع بوتين في سوتشي. ورسالة بايدن، التي جاءت بعد أسبوع من الاتّهام، تشير إلى مدى التباعد بين واشنطن وأنقرة.

تطلب الحكومة التركية حالياً شراء 40 طائرة F-16 جديدة بسعر 6 مليارات دولار. بعد استبعادها من برنامج الطائرات المقاتلة من الجيل الخامس F-35 بسبب شرائها نظام الدفاع الصاروخي الروسي S-400، يتعيّن على القوات الجوية التركية الآن استخدام طائرات F-16، لكنها قديمة جدًا لدرجة لا يمكن تحديثها.

ومع ذلك، تتطلب الصفقة موافقة الكونغرس وهو احتمال غير مرجح. بدأت بعض مجموعات الضغط والمنظمات غير الحكومية في واشنطن حملة تحت عنوان "لا طائرات لتركيا" للضغط على إدارة بايدن والكونغرس من أجل إيقاف عملية البيع.

حتى وإن استمرت العملية، فسوف يسأل الكونغرس الإدارة الأمريكية عما إذا كانت تركيا مستعدة لتقديم تنازل بشأن S-400. لقد كرر أردوغان مراراً أنه لن يكون هناك أي تراجع عن هذه الخطوة.

إذا أوقف الكونغرس مبيعات طائرات F-16 الجديدة، ستنكشف تركيا أكثر أمام المخاطر، وستتعرض العلاقات بين أنقرة وواشنطن لمزيد من عدم الاستقرار.

المشكلة أن مساحة أردوغان للمناورة تجاه بايدن أقل منها مع بوتين. ومع ذلك، فقد هدد بعملية جديدة ضد الجماعات الكردية السورية المدعومة من الولايات المتحدة في شمال سوريا. والنتيجة الفورية كانت المزيد من التراجع لقيمة الليرة التركية بدءً من 11 أكتوبر/تشرين الأول. وهذا يشير إلى أن الطموحات التركية في سوريا لا يمكن أن تكون محتملة.

تبدو سياسة أردوغان الخارجية التنقيحية محصورة بين سندان شرق البحر الأبيض المتوسط ​​والمطرقة السورية. قد يكون لدبلوماسية الزوارق الحربية في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​والإصرار على النهج العسكري في سوريا عواقب جيوسياسية واقتصادية قاتلة على تركيا وبالتالي أردوغان.

مع ذلك، على الرغم من كونه محاصراً، لا يمكن بشكل كامل استبعاد رد مغامر في إحدى مناطق الصراع، سواء في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​أو في المسرح السوري.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات