دلالات آلياتُ تسلُّط الخطاب المتطرف.. تحليل في البلاغة الحجاجية

الإثنين 11-10-2021 | PM 10:51 turkey

د. بدر الحمري

في مسير تأملنا التحديدات المفاهيمية التي يتضمنها العنوان « آلياتُ تسلُّط الخطاب المتطرف » ماذا يمكنُ أن نقول عن دور التحليل البلاغي الحجاجي بخصوص الوقوف عند مغالطاته في تفكيك آليات التطرف؟ وكيف يمكنُ أن ترفع حُجب التسلط عن مغالطاته التضليلية؟ وما معنى بلاغة التسلط عندما نربطها بالخطاب المتطرف؟ وهل للبلاغة فائدة في فحص الأنساق الأيديولوجية والخطابات بصفة عامة؟ كيف تبحث في الآليات الحجاجية التي يلجأ إليها هذا الخطاب في إقناع المخاطبين من الشباب والنساء والأطفال، بل وحتى المثقف والجامعي أو الأكاديمي والتقني؟ وهل تستطيع البلاغة الحجاجية تفكيك خطاب التطرف بالاعتماد على التراكم الذي حققته منذ نشأتها التاريخية الأولى؟ أليس تفاعل خطابات التطرف في المجتمع يدعو البلاغي إلى استثمار ما جاء في نظريات الخطاب والتواصل والسياسة والاجتماع والثقافة والمعلوميات والتحليل النفسي غيرها من أجل فهم سليم لهذا التفاعل؟ وكيف تبني بلاغة التطرف خدعها لمعنى العالم والوجود، وهي تدعو إلى القتل والعنف والتدمير، مع العلم أنّ معنى العالم والوجود كما تحاول أن ترسمه الخطابات المتطرفة يتغير وفق تأويلاتها للنصوص المؤسسة أو التوظيفات التي تستعملها في مخاطبتها للناس، سواء أكان ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام السمعي البصري أو غيرهما؟

كل هذه الأسئلة وأخرى تأتي الإجابة عنها في معرض تحليل الخطاب المتطرف، كما أنها تعد بمثابة محاولة إيقاظ همم العمل البحثي المعاصر من أجل التعامل مع ظاهرة التطرف والتطرف العنيف خاصة، والتنبه إلى معضلة سرد الأحداث ووصفها، أو التشنج والغضب والشجب، وفي أحيان أخرى اللعن، وبدلا عن ذلك تأسيس تعامل علمي موضوعي وازن مع هذه الظاهرة الخطيرة؛ فالآليات الحجاجية من حيث هي نظر يدرس الكلام، والبلاغة من حيث هي إنتاج للكلام، أي ممارسة، فهي منفتحة على كل الحقول الإنسانية، وقابلة لأن تعالج من قبل أي نظرية في تحليل الخطاب.

كما أن الأسئلة السابقة تشرع للبحث طرح السؤال العملي الآتي: هل يمكن وضع خطوات منهجية تفصِّل الكلام في بلاغة التسلط من خلال خطاب التطرف؟

يمكنُ النظر إلى ظاهرة التطرف كما تناولها الفكر في العالم الغربي من زوايا متعددة، تناولها مثقفون وسوسيولوجيون وسيكولوجيون، وفلاسفة معاصرون أيضاً، من أمثال جاك دريدا، ويورغن هابرماس، وجان بودريار .. والقائمة طويلة. لكن التناول البلاغي أو المنطقي غير الصوري لهذه الظاهر، ما زال في بداياته البحثية الأولى.

والبحث بتحليله لخطاب المتطرف إنما تقوم بواجبه الحضاري والمسؤول فضلا عن واجبه العلمي، خصوصاً وأنّنا اليوم، وما توفر لدينا من مناهج تحليلية للخطابات، لنا القدرة على تفكيك مثل هذه الخطابات وغيرها ( الكراهية والعنف والإرهاب ..) بمعنى آخر إن البلاغة الحجاجية مثلا بوقوفها عند تحليل خطاب التطرف لن تقف عند ما هو 'حسنٌ في الخطاب' بل ستظهر للمتلقي أنّ ما يبدو حسناً في الخطاب المتطرف يُوظف في مغالطة المتلقي بفكرة أو أفكار أيديولوجية تدمر تماسك جسد المجتمع وانسجامه، فتصبح الاستعارة أو التشبيه مثلا، أو غير ذلك من الآليات البلاغية الحجاجية خُطط استراتيجية محبوكة لتضليل المخاطب وخداعه.

من ثمة، تصبح للبلاغة علاقة مباشرة مع الايديولوجيا، والخطاب المغالط، والعنف وآلياته، من أجل فهم 'خطاب المتطرف'، وهي بذلك ترتاد مناطق جغرافية جديدة في تاريخ البلاغة المعاصرة، أو إن شئت قلت إنها بلاغة بالغة مقاصدها، حية تتفاعل مع الواقع، ما دامت تقوم على تنبيه الغافل بما يحمله الخطاب من كلمات وإشارات توجه العقل إلى الانتحار بدعوى أنها هي'الحياة الحقيقية'.

يدفعنا هذا الكلام إلى القول بأن البلاغة الحجاجية، أو الحجاجيات، علم يقوم على تفكيك الخطاب، وكشف هويته، وفحص أيديولوجياته ما دامت تتشكل في اللغة، وأغلب الظن أنها لا يمكنُ أن تكتشف قدراتها إلاّ من خلال مدّ جسور إبستيمية مع كل توجهات تحليل الخطاب المعاصرة ومدارسها: سيميائيات، وتأويليات، ونصّيات، وتفكيكيات، وتداوليات .. وغيرها.

هكذا، ربما، يمكنُ أن نساهم، ببحثنا في حقل تحليل الخطاب، في فهم المعنى الذي تنتجه خطابات التطرف بكل أشكاله وأنواعه. من ثمة لا تبق دراسة ظاهرة التطرف حبيسة قوالب معرفية جاهزة، أو أحكام قيمية مكرورة، أو تناول معرفي كلاسيكي، خصوصاً وأن ظاهرة التطرف تزداد كلّ يوم توغلا في المجتمعات وتوحشا في أعماقها ! ومما يمكنُ الوقوف عنده في دلالة آليات التسلط في الخطاب المتطرف، الآتي:

1- أن خطاب التطرف هو خطاب غير مالك للسلطة، بل يسعى إلى تملكها بالقوة وهو ما سميناه بالتسلّط؛ إنه تسلط يتشكل عبر الخطاب الإعلامي، ومن خلال الأفعال الإجرامية التي يقوم بها، والتهديدات التي يطلقها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الانترنيت عموماً، لكنها غير محققة على نحو نهائي، أي أنها ليست سلطة سياسية مكتملة ونهائية، إنها سلطة مزعومة تتخذ لنفسها لبوساً إعلامياً وفكرياً وعقائدياً في إطار السعي نحو  تملك التسلط السياسي ( السيطرة على العالم )؛ إنها يوتوبيا أو أحلام مهووسة أكثر منها واقعية، لا يمكن أن تفهم إلاّ في سياق الميل السيكولوجي إلى تملك الآخر عبر تدميره أو قتله أو ترهيبه أو التحريض على قتله، فهل كل من يقوم بهذه الأفعال يمتلك ' السلطة ' أم يسعى إلى التسلط؟!

2- خطاب بلاغة التسلط لا يصير خياراً إلاّ بعد إدراك أن ما يسنده من قوة فكرية وذهنية وعقائدية غير كافية وحدها، بل أن يدرك بأنه ليس مقنعاً في حد ذاته، ولذلك يميل إلى أن يفرض نفسه بالقوة، لو كان يدرك بأن ما يستندُ إليه من أفكار وعقيدة كافيتان لما التجأ إلى العنف الذي تعدُّ تكلفته عالية لا بالنسبة إلى الضحايا ولكن بالنسبة إليه أيضاً. من ثمة علينا أن نسائل هذا الخطاب المتسلط ونفكك آلياته من جهة أنه يطلب التسلط المادي، وهو يواري هذه الحقيقة خلف بلاغة خطابه؛ فيصير من الخطأ أن نعتبر هذه الجماعات المتطرفة تمتلك بلاغة السلطة، بل هي بلاغة التسلط، ففي الأولى يحضر التفاوض والشرعية والحوار وكل القيم الديمقراطية، بينما في الثانية تفرض قهراً، لا تفاوضَ أو حوار أو اقناع فيها، تقوم بليّ عنق قيم التسامح والأنوار والتعايش والتعارف والتراحم وسائر القيم الإنسانية من أجل التشويش عليها تمهيداً لتزييفها، من ثمة تصنع لنفسها معجماً بلاغياً قائم على الكذب والقهر والمغالطات وكل أشكال « القوة ».

3- تتقاطع مهام بلاغة التسلط مع الحفر في التوظيف الإيديولوجي – السياسي للأفكار، مع العلم أنّ البلاغة منذ بداياتها الأولى خاصة عند اليونان لم تنفصل – قط - عن قراءة ' التفاعل السياسي' في مدينة ' أثينا '، من ثمة يطرح السؤال الوجيه هنا وهو: كيف تحدث الصور المستعملة في الخطاب المتطرف تغييراً في قيم المجتمع ومعاييره وتماسكه السلمي؟

4- ما دام مجال بلاغة التسلط هو المغالطات المنطقية لا الحجاج البليغُ، فإن المتطرف يستغل البلاغة بفن متقن جداً، حتى أنّ السياق يحتم علينا طرح السؤال الآتي: هل لنا أن نسميّ هذه الدقة المغالطة في الخطاب المتطرف وكذا التفنن الجيد في صياغتها بــ« بلاغة المغالطات »؟ ألا يعتمد المتطرف على كل الوسائط حتى يمرر من خلالها خطابه؟ وماذا عن اللغة المنطوقة؟ ألا يتخذ من أسرارها البلاغية حلبة صراعه الأولى ضد 'العدو' المفترض قبل الواقعي، سواء أكان ذلك من أجل مغالطة المخاطبين ودفعهم إلى الاقتناع بأفكار وهمية لا توجد إلاّ في استراتيجياته الخطابية، أم في تأسيس هوية جديدة لهؤلاء المخاطبين، تجعلهم متطابقين، أم إن شئت قلت نسخة واحدة في الشكل والمضمون، لا يختلفون ولا يتمايزون مطلقاً، بل يرسمون تمثلا عنيفاً ومميتاً لكل من يخالفهم أو يختلف عنهم؟ وبالتالي أليست هذه الهوية هوية  مميتة، بدايتها التصديق ونهايتها التفجير؟

5- إن كل تحليل بلاغي في سياقنا البحثي يتوخى تفكيك الخطابات الهادئة منها والمعتدلة ثم المتطرفة، مما يفرض عليها تعديل تصورها لذاتها أولا قبل أن تعالج أي خطاب؛ والمقصود بهذا عدم حصرها في زاوية ضيقة مثل المحسنات بل النظر في حجاجيتها، كما فعل بيرلمان وتيتكا، فالحجاج ليس سوى مظهر من مظاهر البلاغة. من ثمة، ينبغي أن نكف عن النظر بالعين الواحدة، والتحيز داخل خانة ضيقة ننظر منها إلى العالم والنصوص والإنسان في إبداعه لكل الأشياء.  علينا أن نقتنع بأن التحليل البلاغي  مواز لتحليل الخطاب، فكل تحليل للخطاب هو بطريقة ما يتقاطع مع التحليل البلاغي، لأنه ينبني على ضبط المقاصد وتوجهاتها، والتفاعل بين أقطاب الخطاب، وتموضعات هذه الخطابات داخل سياقاتها. وفي سياقنا فلا ينفع في تفكيك خطاب التطرف فهم آليات الاقناع التي يتوسل بها، ويدعي شرعيتها، « التي إن لم يتم فرزها، وفصل الحق الذي فيها عن الزيف الذي خلط به، فإنها سوف تبقى مصدر تلبيس وفتنة مسيطرين » ( أحمد عبادي، في تفكيك خطاب التطرف، ص:07) بل لا بدّ من فهم السياقات التي يحدث فيها وتغير تموقع من يتبناه ومن يتلقاه، وفهم ما يحيط به من رمزيات دلالة على مضمون معين.

6- بلاغة التسلط غرضها حشد الجمهور، تتوسل بالمغالطات التي تمنحها اللغة، والانفعال العاطفي من خلال استعمال الكلمات واستغلال مشاعر هوية الغير بما فيها هوية الغير الأجنبي. من ثمة، فخطاب التطرف يتيح لها تحقيق حلم السيادة والسيطرة، من خلال تملك الكلمة الآمرة بعدما كانت مفعولا لها، بانتزاعها من السلطة، وإعلانها التماهي مع الحقيقة المطلقة، فتصير هي الحقيقة، بل هي كلمة الله، وغالباً ما يتم ذلك عن طريق الافحام الجسدي أو قتل الجسد بوصفه دليلا على صواب الفكرة. من هنا نستنتج أن البلاغة ليست فقط حجاجية، لأن المتطرف لو كان يؤمن بالحجاج لما لجأ إلى القتل ... وانتهى الأمر. إن الصراع المعتمد على الإستراتيجية والبعد الوسائلي ليست غايته إثبات الفكرة وإقناع الناس وإنما الغاية تكثير المتابعين. وفي هذا الإطار يكون الصراع حول الجمهور وحول الإكثار من المنتسبين من أسباب بلاغة التسلط في الخطاب المتطرف.

7- إن المتطرف لا يمارس خطابه وينتجه ويكيفه إلاّ في ضوء التفاعل بين مرجعيات وضغوط فعله في الواقع، ومراعاة وضعيات من يتوجه إليهم؛ وهي وضعيات متعددة، اجتماعية ونفسية وتكوينية. كما لا ينبغي في فهم التطرف تجاهل ما يصعب الخطابات اللغوية من أشكال التبليغية: فيديوهات، أغاني، شعارات، ومن رمزيات أيقونات كاللباس ... لكن ما هو أخطر في خطاب التطرف هو دراسة العلاقتين التعهدية والوعدية؛ فالخطاب المتطرف ينبني على العهد والمقصود بذلك حماية من ينتمي إليه ورعايته، عاطفياً ومادياً، وإدماجُه داخل جماعة تعتبر بديلا للأسرة وللمجتمع الذي يرفضه، والوعد مرتبط بالجزاء وهو جزاء مادي في الدنيا يتمثل في المال وكل عطاء مادي، وجزاء ديني يتمثل في الجنة. من ثمّة، تصبح أية محاولة لتفكيك خطاب التطرف بلاغياً بفصله عن صراعات الخطابات يعتبر جهداً لا طائل من ورائه، والمقصود بهذا أنّ أي محاورة لهذا الخطاب أو تفكيكه لا بدّ وأن يأخذ بالحسبان مسألة الصراع معه، وهذا الصراع لا يتمثل إلا من خلال التفاعل بين فهم أرضية التطرف الفكرية وبين الانطلاق من حيثية فكرية مضادة تعمل على هدمه، فكل صراع هو خاضع لاستراتيجيات، والبلاغة من صورها أنها فن الإستراتيجية الكلامية. فلا بد في هذا الميثاق من فهم الإستراتيجية التي ينبني عليها خطاب التطرف، ومواجهته بإستراتيجية خطابية مضادة، لكن لا يمكن فصل الإستراتيجية البلاغية عن البعد الوسائلي؛ أي الوسائل التي تتخذ من أجل التطبيق والممارسة؛ وهي وسائل متعددة تختلف في الزمان والمكان وتتكيف مع الظروف، وهنا لا بد من ضبط وسائل الخطط البلاغية لخطاب التطرف وفهمها والاهتداء إلى الكيفيات التي تعملُ بها بغاية تعطيلها، ولا يتحقق هذا إلا بانتهاج وسائل أكثر نجاعة وقدرة على الوصول إلى مكونات المجتمع المختلفة.

في الختام تبقى أمامنا بعض الأسئلة يمكن صياغتها على الشكل الآتي: كيف نحلل خطاب التطرف من زاوية مفهوم بلاغة التسلط وآلياته الحجاجية التي تميزه عن باقي الخطابات؟ أو بصيغة أخرى، ما هي آليات بلاغة التسلط في الخطاب المتطرف وأشكالها؟ وما هي الخطوات المنهجية النظرية التي يمكن اتبعها قصد تحليل هذا الخطاب تحليلا يميل إلى الموضوعية ولا يسقط في أوهام الذاتية؟ بصيغة أخرى: ما هي استراتيجيات خطاب التسلط وكيف يحقق أهدافه؟ وما هي أشكال التفاعل التواصلية التي يستندُ إليها؟ ..